شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 19 يناير 2019م22:52 بتوقيت القدس

"سدرة أم عامر".. خُرافة العِشق ومِظلّة القوافل

09 يناير 2019 - 09:26
حنان مطير
شبكة نوى، فلسطينيات:

خانيونس:

إلى الشرق من مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة حيث بلدة عبسان الكبيرة، تتجذّر في إحدى الأراضي المُسوّرة شجرةُ سِدرة كبيرة، جِذعُها غليظٌ يقتحم السُّورَ وأوراقها كثيفة، مهيبةٌ في طولِها، تحجب السماء بظلالِها الوارفة.

الحاج أبو محمد أبو صبحة (60 عامًا) والذي تتربع شجرة السّدرة داخل أرضِه يحكي لـ"نوى" عن سبب تسمية تلك الشجرة بهذا الاسم وفق ما توارثَه وسمعه من آبائه وأجدادِه، فيقول: "إن "قبيلة" بني عامر" كانت تسكن في تلك المنطقة قبل مئات السنين ولذلك سميت بهذا الاسم".

 وفي روايةٍ أخرى يحكي أن "القوافل التجارية كانت إذا مرّت من أي مكانٍ عبر فلسطين كونها مركزًا تجاريًا ومعبرًا للطرق التجارية الدولية منذ القِدم، استراحت مع أغنامِها وإبلها تحت تلك الشجرة، التي باتت معروفةً لكلّ التّجار ومكانًا لِلُقياهم وتعارفهم، وبالتالي صارت محطّا لسؤالهم".

ويعلق: "كانوا إذا ما سألوا عن أحوال المنطقة قالوا: "كيف من وراءكم؟ فيردون: "عامرة"، وبذلك كان الاحتمال الآخر لتسميتها بهذا الاسم"، وفق الحاج أبو صبحة  الذي لا يملّ من الجلوس تحت تلك الشجرة وسرد الحكايا والروايات الخرافية والحقيقية والدينية لأطفال المنطقة، فهم يحترمونه ويقدرونه. يعبر: "أطفال عبسان بُسطاء وطيبون، ويحترمون الكبير، وهذه صفة غالبية من يسكنون المناطق الأشبه بالأرياف كمنطقة عبسان".

خرافات حول الشجرة

يشير أبو صبحة إلى أول ثلاثة أمتارٍ من أسفل جِذعِ شجرة أمّ عامر الذي يبدو مُحترِقًا حقيقةً وفيه حفرة كبيرة، ويوضح لـ"نوى" أن لذلك الحرق روايةٌ أيضًا يخبرنا بها وفق المعتقدات القديمة، فيقول: "كان أهل المنطقة قديمًا يتباركون بتلك الشجرة، فإذا ما تحقّق لأحدهم شيئًا مُفرِحًا كأن ينجح أو يُنجب بعد طول انقطاع –مثلًا-  نَذَرَ وأعطى عهدًا على نفسِه بأن يذهب للشجرة ويشعل شمعًا، أو يشعل ما يسمى بِـ "سراج الغولة" حول تلك الشجرة".

ويضيف: "كل من يقترب من تلك الشجرة ويحاول المساس بها يحدث له مكروهٌ قد يصل للموت، وقد حصل ذلك مع أخي الذي كسر منها فرعًا وتوفي بعد بضعة أيام"، كان أبو صبحة واثقًا للغاية من قصة أخيه ويرويها على أنها حقيقة لا خلاف فيها.

إلا أنّ الأمر لم يرُق لأحد الرجال الصالحين ولم يقبل بذلك الأمرِ الجاهِل وغير الشرعيّ، فقرّر أن يحرقَها، وفق رواية أبو صبحة الذي يتبع: "كان اسمُ ذلك الرجل زرعي أبو ظريفة، أقدَم على حرقِ الشجرة، ثم ذهب للبحر ولم يعُد من بعدِها، لقد غرِق".

الغريب أن أطفال الحارة من حولِه يستمعون للحكاية بإنصاتٍ ويكملون عنه بعض التفاصيل، فقد حفظوها على ما يبدو عن ظهر قلب وباتت بنظرهم حقيقة لا خيالًا أو خرافة!

أما الأسطورة الأكثر خيالًا فتلك التي يرويها الحاج أبو ذيب أبو ذياب حول قصة الحب التي جمعت  "جميل وجميلة" تحت تلك الشجرة واللذان لم يُكتَب لهما الزّواج، بعد أن أعجَز والدُ جميلة جميلًا -وهو عمُّه- في توفير المهر الخرافي من بلاد الهند، فيروي: "لقد أحضر جميل المهر بعد رحلةٍ عناءٍ طويلة دامت ثلاثة أشهر حتى وصل للهند راكبًا جملَه، وحين عودتِه وجد القبيلة كلّها قد غادرت المكان وقبرًا وحيدًا حُفِر تحت شجرة السّدرة تلك، وكُتب عليه اسمُ جميلة"، ليجنّ جنونُه ويقعد حزينًا على قبرِها قبل أن تأتيه منها رسالةٌ عبر إحدى القوافل المارة تقول فيها: "يا ماشيين الدّرب خذوا رسالتي معكم.. ثقيلة على الأنذال ما يحملوها.. خفيفة على أصحاب الثنا والجمايل.. قولوا لجميل ما في القبر إلا ذبيحة.. سَلُّوا قليبك عليها والزّمان طويل..

تفاصيل أخرى كثيرة يكملها الحاج أبو ذياب متغنيًا بالكلمات البدويّة، وكان ختامُها أن جميلًا وجميلة ماتا، ولم يُكتَب لهما أن يعيشا زوجَين وقد وُضِعت جمجمتاهما بجوار بعضهما البعض تحت تلك الشجرة التي مضى عليها 1460 عامًا، وفق رواية الحاج أبو ذياب نقلًا عن أجدادِه.

 

 

لنــا كلـــمة
كاريكاتـــــير