شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 26 مارس 2019م22:43 بتوقيت القدس

ماذا ومن سيأتي بعام السلام؟

03 يناير 2019 - 07:37
علي محمد فخرو
شبكة نوى، فلسطينيات:

استمعت بتمعّن ومحاولة للفهم إلى إجابات المواطنين العرب من مختلف أقطار المشرق والمغرب، على السؤال المعتاد الذي يطرحه الإعلاميون في نهاية كل عام.
كان السؤال الروتيني المتكرر الموجه للمواطن: ما الذي تتمنّاه في السنة الجديدة القادمة؟
وكان الجواب الروتيني المتكرر هو: أتمنّى أن يكون عام خير وسعادة وسلام لأمتنا العربية، ولأمتنا الإسلامية.
كل الإجابات كانت عبارة عن رغبات وتمنيات ومشاعر إنسانية نبيلة، خلت من أهداف وطنية أو قومية محددة، ومن عزم فردي على عمل شيء مجتمعي محدّد. تساءلت في نفسي: هل أساء المجيبون فهم للهدف من الأسئلة، واعتبروها تستدّر عواطفهم وأحلامهم الشخصية، بدلاً من معرفة مواقفهم العامة وتقييمهم لما يجري في السنة المنتهية، وأيضاً معرفة ما يريدون أن يتحقق من حلول وتغييرات كمواجهة ورفض لما كان يجري في السنة المنتهية؟
السؤال يطرح في فضاء إعلامي عام ويوجّه إلى عينة من المواطنين، وإذن فهو سؤال عام يخص الوطن وساكني الوطن؛ الوطن العربي في هذه الحالة.
ولذلك، فالذين اقتصرت إجاباتهم على التعبير عن مشاعر الأمل، ينطبق عليهم ما قاله الشاعر البريطاني جورج هربرت من «أن الذي يعيش على الأمل، إنما يرقص بدون موسيقى».
نعم، الأمل العام المعبّر عنه بكلمات، من مثل الخير والسعادة والسلام، هو كالرقص الذي يحتاج إلى موسيقى تصاحبه، كي يكتمل جماله وتوازنه والتمتع به.
الموسيقى هي ما نقص في الإجابات: ما المطلوب عمله وفعله وتحققه ليعمّ الخير والسعادة والسلام ربوع الوطن العربي في السنة الجديدة؟
استدعاء تلك الموسيقى في حالتنا هو استدعاء لا لمسؤوليات المجتمعات فقط؛ وإنّما أيضاً استدعاء لمسؤوليات الفرد المجيب عن السؤال المطروح من قبل الإعلاميين.
من حق المستمع للسؤال والإجابة، أن يعرف ما الذي يريد المجيب من مكونات مجتمعه أن تفعله، وما الذي يتعهّد هو بأن يفعله لتخرج أمة العرب من جحيم السنة المنتهية إلى جنة خير وسعادة وسلام السنة الجديدة القادمة.
هذا يستدعي تلاحم مشاعر الخوف المؤلم المؤرّق عند المجيب، مع مشاعر الرجاء والأمل التي عبّر عنها جميع الأفراد الذين سئلوا.. تماماً كما عبّر عنه الفيلسوف الهولندي الشهير سبينوزا، من أنه «لا يوجد أمل بدون خوف، ولا خوف من دون أمل».
خوف المواطن العربي على وطنه يولده الالتزام المسؤول العضوي بصحة وسلام حاضر وطنه، وأمل المواطن العربي بأن يعيش وطنه في العام الجديد في بحبوحة الخير والسعادة والسلام يولّده الالتزام المسؤول العضوي بصحة وسلام وتقدم مستقبل ذلك الوطن.
وأنا مستلقياً، أفكر في أحوال هذه الأمة المنكوبة ويؤرقني سؤالان آخران؛ الأول يتعلق بهذه الأمة والثاني يتعلق بهذا العالم المأزوم. منذ سنين طويلة، وبالذات منذ بدء تفجّر الثورات والحراكات العربية قبل ثماني سنوات، سأل الإعلاميون نفس السؤال وحصلوا على نفس الجواب. ترى لو كانت الإجابات أكثر وضوحاً، وأكثر التزاماً، وأكثر تعبيراً عن إرادة الالتزام والفعل، ولو صاحبها انغماس المجيبين في الحياة المدنية السياسية، في صورة نضال الكتف مع كتف الآخرين وامتزاج العرق مع عرق الآخرين، فهل كان الوضع العربي سيبقى كما كان سنة بعد سنة، مستباحاً من الخارج، مقموعاً من الداخل، منغمساً في الصراعات الطائفية والقبلية والأمنية المجنونة، مواجهاً لأقبح هجمة جهادية تكفيرية إرهابية ضد البشر والثقافة، وكل ما على الأرض العربية من بناء وتمدّن؟
ألم تكن تلك الآمال المعبّر عنها سنة بعد سنة قناعاً يخفي العجز واللامبالاة والتفرّج الأبله؟
الأمر نفسه ينطبق على إجابات غير العرب، في شتى بقاع الأرض، على أسئلة إعلامييهم في نهاية كل عام ومجيء سنة جديدة. أجزم بأن الإجابات هي نفس الإجابات، وقلة الالتزام والفعل هما نفس قلة الالتزام والفعل. ألا يفسر ذلك أن يبقى نظام رأسمالي نيوليبرالي عولمي، بالغ التوحش والخبث والظلم والاستئصال، متربعاً على أنفاس هذا العالم سنة بعد سنة، من دون أن يوجد حراك قادر على تعديل مساره، وإزالة جوانبه السلبية الكثيرة، ومنع حدوث أزماته التي لا أمل في عدم رجوعها وتكرارها عبر المستقبل البعيد؟ ألا يفسر ذلك انتخاب رؤساء دول نرجسيين مجانين، وقادة أحزاب شعبويين فوضويين أنانيين؟
أشعر بأن العيش في الخوف والتلهّي بالأمل من قبل البشر، يماثل ما عبر عنه الشاعر الإيطالي بترارش في القرن الرابع عشر الميلادي: «إنني لا أجد سلاماً، ولا أنا في حرب. إنني فقط أخاف وأعيش الأمل، وأحترق وأبقى كالثلج».
من حسن الحظ أن هناك ما يقابل ذلك العيش الحزين العاجز، يتمثل في تعبير الشاعر الإنجليزي الشهير، وليام وردزورث: «موسيقى الإنسانية الحزينة ليست بالصاخبة، لكن فيها من القوة ما يصحح ويعاقب». هذا ما يجب أن يعيه أولئك المجاوبون المؤملون الحالمون.

المصدر "الخليج"

لنــا كلـــمة