شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 25 يونيو 2019م23:56 بتوقيت القدس

مبادرة “التجمع الديمقراطي”.. هل ينجح اليسار الفلسطيني هذه المرّة؟

27 ديسمبر 2018 - 07:31
شبكة نوى، فلسطينيات:

تكررت محاولات قوى اليسار الفلسطيني على مدار سنوات مضت لإيجاد صيغة عمل مشتركة وتوافقية تُشكل برنامجًا نضاليًا صالحًا لهذه القوى السياسية وتؤهلها لحفر طريقها نحو المستقبل وما يُسمى ” التيار الثالث في الساحة الفلسطينية” . وآخر هذه المبادرات خرجت إلى العلن في 23 ديسمبر حيث جرى إطلاق مبادرة ” جديدة ” من مدينة رام الله المحتلة تحت عنوان قديم مكرر هو ” التجمع الديمقراطي الفلسطيني” !

ويمكن تحديد ورصد أربعة مبادرات مثيلة على الأقل منذ توقيع اتفاقيات أوسلو الكارثية في سبتمبر/ أيلول عام 1993 ، فما أن يُعلن عن ” لقاء لليسار ” او ” اجتماع موسع ” تحت اسم ” جبهة اليسار الفلسطيني ” أو ” التيار الديموقراطي ” أو ” التجمع الديموقراطي ” بمشاركة الشخصيات الوطنيّة وبعض المستقلين والمثقفين وممثلي المؤسسات الأهلية ” ويستعد الرفيقات والرفاق الى خوض هذه التجربة حتى تصطدم بالجدار مرّة أخرى وبالعقبات والأزمات ذاتها وتصل إلى التحلل التدريجي ثم الى الإنهيار والفشل.

وهكذا دواليك !

نحن نريد أن تنجح قوى اليسار الفلسطيني في مبادرتها الجديدة ولكن نسأل : ما الذي يختلف هذه المرّة؟ وهل جرى حقًا تقييم المبادرات السابقة وتحديد أسباب تعثرها ؟ وما هي شروط وضمانة النجاح لتأسيس التجمع الديمقراطي الفلسطيني كي يعبر بنا نحو مرحلة جديدة ؟  هل يكفي مثلاً أن تبرر هذه القوى وحدتها وحضورها بسبب ” حالة الانقسام بين حركتي فتح وحماس ” ! أو الذهاب الشكلي نحو التلاقي المؤقت والعابر تحت ضغط اللحظة السياسية الرّاهنة ، القصة أكبر وأعمق كما نفترض ، لابد من برنامج سياسي ونضالي تستدعية قوانين الصراع التاريخي والضرورة الوطنية والقومية والأممية وبرامج تتناقض جذريًا مع مسار اليمين السلطوي بالمعنى الشامل ، وبوصفها قوى البديل الثوري الديمقراطي وإلا ما المعنى من كل هذه الحوارات ؟ وما الجوهري الجديد في هذه المبادرة الجديدة؟

لقد بذلت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين جُهودًا حثيثة ومُضنيّة من أجل تحقيق هذا الهدف. فالجبهة الشعبية التي تشكل كبرى القوى اليسارية الفلسطينية ترى في وحدة اليسار الفلسطيني هدفًا ثابتًا وركنًا مركزيًا في استراتيجيتها.

كان الشهيد القائد أبو علي مصطفى قد باشر فور عودته من المنفى إلى الأرض المحتلة في العام 1999 للعمل والتواصل من أجل تحشيد كافة قوى اليسار الفلسطيني في جبهة يسارية موحدة لكنه ظل يصل في كل مرّة إلى قناعة مفادها أن وحدة اليسار الفلسطيني ممكنة إذا توافرت الإرادة السياسية والكفاحية عند قيادات القوى المشاركة ، وهذا يعني ، مشروعًا وطنيًا وبديلاً لنهج اليمين وتحالفاته الطبقية ، أي يسار فلسطيني مقاوم أولا ، ينحاز للجوهر لا للشكل ، ويتقدم الصفوف دفاعًا عن نهج المقاومة وحقوق الطبقات الشعبية الفلسطينية المعّذبة والمفقرة.

كان الشهيد ” أبو علي مصطفى ” يؤمن أن القواعد والكوادر المناضلة في القوى اليسارية لديها استعداد أعلى للتضحية من قيادتها ولديها نزوع أكبر نحو التلاقي والوحدة والعمل المشترك، ويجب أن تلعب الدور الأساسي ( الدينمو ) في تحقيق الوحدة الميدانية على الأرض في ساحات النضال الوطني / الاجتماعي ، فلا تهبط عليها القرارات السياسية والحزبية من فوق. كما ان الوضوح في الرؤية السياسية يضمن لنا نصف الحل ونصف الجواب ويختصر المسافة نحو الهدف ويوفر ضمانة أكبر لنجاح التجربة والبناء التراكمي عليها بمداميك قويّة وجديدة.

وعلى النهج ذاته، سار وكتب القائد الأسير أحمد سعدات الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في أكثر من مقال يؤكد على مواقف الجبهة الشعبية ورؤية الشهيد ابو علي مصطفى ( للاسف جرت محاولات لتقويل الرفيق ابو علي مصطفى مواقف بعد استشهاده يوضحها سعدات في مقالة نشرت بتاريخ 23 سيبتمبر 2003 )

ويرى القائد أحمد سعدات أن المشكلة لم تكن يومًا في قناعات الافراد ولا مواقف شخصية أو عدم وجود الرغبة في تحقيق وحدة قوى اليسار الفلسطيني بل ان المسالة المركزية تكمن في ماهية وجوهر البرنامج الذي يحدد بوصلة وطريق هذا ” التجمع ” أو ذاك ” التيار الديموقراطي ” كما حذّر سعدات مرارًا وتكرارًا من الخلط والفوضى الفكرية واستدخال المفاهيم الليبرالية ومحاولة تقديمها بوصفها مفاهيم يسارية ثورية!

يكتب أحمد سعدات:

” إن بناء البديل الديمقراطي اليساري بهويته الأيديولوجية والسياسية والتنظيمية الواضحة هي نقطة برنامجية استراتيجية لدى الجبهة الشعبية ومشروعاً للعمل الدائم والمتواصل، هذه ليست رغبه بل استحقاق تفرضه لوحة الفرز الطبقي على ساحة العمل الوطني الفلسطيني وتلبيه للتداخل العميق بين مهام النضال الوطني التحرري والنضال الطبقي الاجتماعي الديمقراطي“(1).

وكان الموقف السلبي الهابط الذي أعلنته بعض القوى والشخصيات ” اليسارية ” الفلسطينية من  العمليات الاستشهادية مثلا ، والمقاومة المسلحة عمومًا ، تشكل نقطة خلاف بين هذه القوى من جهة و الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي لا تزال ترى في المقاومة المسلحة خيارًا وطنيًا واستراتيجيًا في الصراع . ومن لا يمارس هذا الشكل النضالي ( العنف الثوري) على الاقل ألا يدينه ولا يتنكر له كما يفعل رأس اليمين : أبو مازن وشريكه منيب المصري من القطاع الخاص!.

بعض شخصيات وقوى اليسار الفلسطيني اتخذت موقفاً سلبيًا ضد ما أسمته ب ” عسكرة الانتفاضة “. والحقيقة أن مواقف هذه القوى كانت دائماً معادية للعمل المقاوم والمسلح ، وظلت تردد مقولات اليمين وتتبنى مواقف القطيع في مقر المقاطعة برام الله المحتلة بينما لم تر غضاضة في مشروع المفاوضات و”حل الدولتين” التصفوي بامتياز ، بل ساهم بعضها في اختراع هذا الوهم ونشره وتعميمه.

جزء من قوى اليسار الفلسطيني كانت تقف أحياناً مع معسكر اليمين ( كي لا نقول على يمين اليمين )  ومواقفها إما صامتة أو متلعثمة وملتبسة خاصة حيال نهج الفساد السياسي والمالي والاداري الذي يقوده ” الرئيس محمود عباس ” في منظمة التحرير وسياسة الاعتقال السياسي وتكميم الافواه واستهداف شباب المقاومة . وتشارك هذه القوى في  ” المجالس المركزية والوطنية ” المزورة التي تُعقد تحت بساطير الإحتلال في رام الله، وتلتقي مع قوى وشخصيات ” اسرائيلية ” في إطار برامج تطبيعية في العلن. والأمثلة على هذه المواقف والصور كثيرة، ولا حصر لها.

يترأس الدكتور الطبيب ممدوح العكر هيئة التجمع الديموقراطي وهو شخصية حقوقية وأكاديمية كانت مقربة من ” القيادة الفلسطينية” في حقبة ياسر عرفات. وكان الدكتور العكر عضوًا في الوفد الفلسطيني المفاوض إلى ” مؤتمر مدريد للسلام ” كما شارك في المفاوضات الثنائية الإسرائيلية الفلسطينية بين عامي 1991و1993( خلافاً للموقف الوطني الديمقراطي) !

لقد وصل الدكتور العكر، كغيره من المثقفين والشخصيات الفلسطينية ، وبعد تشخيص المرض في المؤسسة الفلسطينية ، وصل إلى أن نهج أوسلو الكارثي يقود الشعب الفلسطيني حتماً إلى هزيمة محققة وإلى مأزق تاريخي كبير ربما يستمر لعقود قادمة فتراجع د. العكر وآخرين عن أوهامهم بشأن المفاوضات، وحسنًا فعلوا.

وما يهمنا في هذا الإطار هو إعادة التأكيد على أن فشل التسوية وخيار التفاوض مع الكيان الصهيوني لم يكن فقط بسبب غياب ” الكفاءات ” و” الاستراتيجية “و ” الخطط ” وان ساهم كل ذلك في زيادة الخراب ولكن المصيبة في جوهر مشروع التسوية كله مع الكيان الصهيوني، في ضعف وتهتك العامل الذاتي الفلسطيني وفي غياب القرار الوطني الديمقراطي وفي هذا الفساد الذي يعم كافة مؤسسات م ت ف.

وإذا كانت قوى التجمع الديمقراطي ” الجديد ” لا تعلن موقفاً واضحاً من مشروع السلطة ومشاريع التطبيع ولا تمارس نقداً علنياً ذاتيًا لمواقفها وأخطائها ومراجعة مواقفها السياسية، وتعزيز الديموقراطية داخل احزابها أولاً، واذا كانت لا تعتبر حق العودة هو جوهر الصراع وعقدته ولا تتصدى للتعاون الأمني مع العدوّ الصهيوني ، خارج المطالبة النظرية الخجولة بوقفه ، إذا كان هذا هو حالها فكيف اذن تصدقها الجماهير الشعبية الفلسطينية حين تطالب ” القيادة الفلسطينية ” بمراجعة برنامجها ومواقفها !

الدعوة إلى وحدة القوى اليسارية والديمقراطية تظل مهمة نضالية حتى تحرير فلسطين لأنها ضرورة سياسية ومصلحة لشعبنا تشكل أحد مرتكزات التحرر الوطني والاجتماعي التقدمي ، وسيظل الأمل قائمًا للوصول الى جبهة يسارية وطنية متماسكة ، شرط ان تجدد وتغير قوى اليسار نفسها أولا وتدفع كوادرها وطليعتها الى آفاق أبعد والنزول معها وأمامها إلى ميادين العمل في المخيمات والقرى وعلى امتداد الوطن والشتات فلا تظل حبيسة المكاتب ورهينة ” مخصصات ” اليمين وما يسمى ” المنظمات غير الحكومية “.

البديل الثوري الديمقراطي قضية ومهمة اليسار أولا ، هذا البديل يرتكز على قدميين ثابتتين : مقاومة العدو الصهيوني والتصدى لليمين السلطوي. هناك علاقة وطيدة بين مجابهة الاحتلال وعزل طبقة اوسلو ونهج الاستسلام ، فكلاهما له دوره في مشروع التصفية ، هذه مهمة كبيرة تشترط الحوار الحقيقي بين مختلف قوى المقاومة ، والإصغاء إلى صوت الجماهير وتلّمس أوجاعها والإفادة من طاقاتها والتعلم منها . ودون الشروع الجاد في بناء هذا النهج الثوري الديمقراطي لن يتغير اليسار الفلسطيني ولن يستعيد معنى وجوهر الحركة الوطنية واهدافها وسيظل على الهامش. ان هذا الهدف ممكن تحقيقه بالعمل والنضال والنقد الذاتي ، وليس بتجريب وتكرار ما ثبت عُقمه وفَشله.

لنــا كلـــمة
كاريكاتـــــير