شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 25 يونيو 2019م23:42 بتوقيت القدس

عن فصول العرس الفلسطيني

استمعوا لأجدادكم: طلع الزين ونقاريش حنا وأشياء أخرى

26 ديسمبر 2018 - 12:51
إيناس أبو الجبين
شبكة نوى، فلسطينيات:

غزة:

بجواره كان صندوق خشبي مزين بالنحاس وبساط بألوان زاهية ورثهما عن أمه، التي حملتهما معها يوم عرسها أيام النكبة في قرية كرتيّا، فالصندوق كان بمثابة خزانة ترتب فيه العروس أثوابها المطرزة وحليها وبكرة خيطان لا يكاد يخلو "جهاز" عروس منها، وبعض من كبش القرنفل تنثرها بينها ليعبق رائحة الصندوق بها.

وقرية كرتيا تقع إلى الشمال الشرقي لمدينة غزة، هاجر سكانها منها عام 1948 فدمرها اليهود كغيرها من القرى، وأقاموا على أنقاضها مستعمرات "عوتيم ونهورا وكومميوت"، والتي تلتقي وكثير من القرى الفلسطينية آنذاك بالكثير من عادات وتقاليد العرس والزواج، من بينها أن الشاب لم يكن ليجرؤ على فتح موضوع زواجه إلا بقرار من والديه.

خرج أبو كمال الخالدي ليجلس على عتبة بيته الإسبستي في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة يسترجع لـ "نوى" ذكريات عرسه في أيام تلت زمن النكبة، تنهد تنهيدةً عميقة تبعتها دمعة خانت صلابته ورباطة جأشه، ثم قال: "بعد ما هاجرنا لغزة تزوجت أم كمال بنت عمي، وكان أيامها  الشاب بياخد ع الأغلب بنت عمه أو قريبته"، وهو ما يؤكده المثل الفلسطيني " ابن العم بينزّل عن الفرس"، وحينها يدفع مهرًا أقل من العروس الغريبة".

وحسب الخالدي، فإن الناس كان يرون أن ابن العم في التراث الفلسطيني جزءاً أصيلاً من ابنة عمه، وكلاهما يحافظان على سمعة العائلة وشرفها بخلاف الفتاة من خارج العائلة التي كانوا يعدّونها جسمًا غريبًا.

ويكمل الختيار مبتسماً: "أبوي قال لأبوها وقرايبها في بيتهم" الله يمسيكم بالخير احنا طالبين القرب منكم ابننا "حسين" من بنتكم "خديجة" وحابين نسبكم"، رد أبوها " حصل إلنا الشرف وبنتنا بنتكم وحسين ابنا"، هيك ببساطة"، سرح أبو كمال قليلاً وأضاف: غنولي "يا عريس يا أبو الحطة من وين صايد هالبطة .. يا عريس يا أبو العقال من وين صايد هالغزال .. " رددها وقد انتشرت ضحكته في أزقة المخيم.

بين الحفاظ والاندثار

هذه الأغاني بدأت تختفي شيئا فشيئا بمرور السنين إلا أن بعض النسوة ما زلن يرددنها على وقع الطبلة، والتصفيق بالأيادي في أفراح اليوم وخاصة بليلة "الحنة" الليلة التي تسبق يوم الفرح، فـأم فؤاد حجازي ترددها في أعراس أحفادها، غنت لـ "نوى" " حناكي مرطب يا خيه .. حناكي مرطب يا هي ..

خولة مليحة على ايدها نقاريش حنا

سلمان يا خيها لحق الطلب غني

تقول حفيدة أم فؤاد وهي "ترقُ" أقراص العجين بجوارها بأنها تردد ما تسمعه من جدتها للصغار لحفظها واستمراريتها، وأنها –تعني جدتها- قد غنتها هي وصديقاتها يوم زفافها، وتواصل: غنولي لما طلعت من بيت أبويا:

أربع خواتم في اصبعها والسبع فيكو يطلّعها

أربع خواتم في ايديها والسبع فيكو يداديها

قومي اطلعي قومي اطلعي لحالك

احنا حطينا حقوق لأبوكي وخالك

أم فؤاد قاطعتها قائلة: " والمهاهاة كانت ترن رن بسهرة العروس واحنا بقرية "حمامة"، آويها يا ناس لا تلوموني على محبتها .. هذي العروس حبيبتي وأنا حبيبها".

فأكملت حفيدتها "ربا" التي حفظتها عن ظهر قلب: آويها وعيونك السود سبوني وأنا أغني .. أويها وخدودك الحمر سلبوا العقل مني .. ليمتزج صوتيهما بزغرودة تختم "المهاهاة" التي قمن بتناوب أشطُرها.

وفي الوقت الذي تصارع فيه عادات العرس الفلسطيني في معركة البقاء إلا أنه ما زال العديد من العائلات الفلسطينية متمسكة بعادات قديمة كالزواج من نفس العائلة أو من نفس قريتها التي هجرت منها رغم مرور سبعون عاما على الهجرة، إذ لم تستطع أن تمحو من أبناء الجيل أسماء وعادات قراهم.

كانت الحاجة الثمانينية أم فؤاد قد ألصقت قطعة من العجين وضمة ريحان على باب بيت أهل زوجها وأخرى على باب غرفتها، "لتخّمر وتلزق بدار زوجها"، والريحان في دلالة على الخصب والإنجاب والخير، كما قالت.

وهي تعد مثالا لموروثٍ شعبي آخر ظل متداولا حتى أواخر الستينات لكنه اليوم لم يعد موجودا، ألحقتها الختيارة بأغنية كانت تردد بعد الانتهاء من مهمة لصق العجينة، "يا ريتك مباركة علينا علينا .. وتبكّري بالصبي يلعبْ حوالينا".

ليالي السامر

السامر في العرس الفلسطيني له حكاية أخرى .. ليال على مدى عشرة أيام قبل يوم الزفاف لرجال البلدة يلتقون فيها بحلقات دائرية يؤدون حركات بالأيدي والأرجل، ترافقها أغاني الدلعونة والعتابا والدحية، ويدبكون على وقعها أمام بيت والد العريس ويغنون:

 يا ظريف الطول مر وما التفت ..  هبت نارو في قليبي ما انطف

يا ظريف الطول مر وما عليه  .. غير الذهب والطاقية ما عليه

وأيضاً:

يا ظريف الطول وين رايح تروح جرحت قلبي وغمقت الجروح

يا زريف الطول وقف تقولك رايح على الغربة وابلادك أحسنلك

رغم أن السامر جزءا تراثيا لم يعد يهتم به الكثير، إلا أن البعض ما زال يمارسه اهتماما بالعريس وفرحا له.

حتى أن العريس يحظى بدعوة من صديق أو قريب للاستحمام في بيته وتزيين نفسه، يخرج ويكون في انتظاره الرجال ليزف بعدها من بيت صديقه وصولا إلى بيت أهله، مقدمين له النقوط "الفلوس"، وصولا إلى بيت العروس، وكانوا يغنون له عند خروجه من الحمام:

طلع الزين من الحمام .. الله واسم الله عليه

طلع الزين من الحمام ورجالو حواليه    

لتبقى ليالي السمر والسهر تحتل مساحة واسعة من اهتمام الفلسطينيين في كل قرية ومدينة، فهي جزء من التراث والفلكلور الشعبي يظل يغني فيها الفلسطينيون، كغيرهم من شعوب العالم، يفرحون ويتزوجون ويسهرون الليالي القمرية، ويحكون الحكايات، ويغنون أغانيه في كل مناسباته..

مزيونة وزينك رماني.. يا نعنع في المرتباني

يا بيضا مثل الشنارة .. نيال اللي أنت ماخذاه

البوم الصوتيات
1-
2-
لنــا كلـــمة
كاريكاتـــــير