شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 19 يناير 2019م22:29 بتوقيت القدس

قصة وحكاية..بحب السيما

17 ديسمبر 2018 - 07:01
عز الدين أبو صفية
شبكة نوى، فلسطينيات:

لم يكن يعلم بأن الدعوة التي وجهت إليه لحضور فلماً سينمائياً فلسطينياً بعنوان (٣.٠٠٠) ثلاثة آلاف ليلة ضمن إطار احتفالات مهرجان القدس السينمائي الفلسطيني الثالث وأن عشرة دول عربية وأجنبية تشارك في هذا المهرجان .

توجه إلى مكان فعاليات المهرجان وصعد السلالم الأرضية وما أن أصبح على مدخل قاعة العرض فإذ بمدير المهرجان وجهاً لوجه معه ، تعانقا ورحب به بعد أن لم يلتقيا منذ عدة سنوات ، فاصطحبه معه واجلسه قبالة المنصة وفي صف المقاعد الأولى، وانتظر أن يبدأ العرض الذي تأخر عن موعده قرابة الساعة ، فعمدت إدارة المهرجان إلى ملىء زمن هذه الساعة بالحديث عن المهرجان والدول المشاركة به مع نبذة عنها وعن نشاطها السينمائي وجاء ذلك بعد أن تقدم فناناً كوميدياً بتقديم فقرة قصيرة عن السينما في غزة ، وانهاها بسؤال كبير ، لماذا لا يوجد عندنا سينما في غزة ونحن الآن في القرن الواحد والعشرون ؟
بدأ عرض الفيلم الفلسطيني في ظل حضور مميز من كافة شرائح المجتمع الفلسطيني في غزة ، مسنين من الرجال والنساء وأطفال ، كان الفيلم يتحدث عن صمود المرأة الفلسطينية في المعتقلات الإسرائيلية .
كانت جميع مكونات الفيلم من سيناريو وموسيقى تصويرية ومنتاج وتصوير وأداء ممثلين واخراج كانت جميعها جيدة جداً ، ولانني لست ناقداً سينمائيا سأكتفي بهذا التقييم .
جلس بجانبه ذاك الكهل الاتي من عبق التاريخ الفلسطيني وبين اللحظة والأخرى يحاول شد انتباهه لحديثه الشيق والهادف وهو يحاول أن يقنعنه بأن فلسطين بشكل عام كانت محطة أنظار لكثير من الفنانين العرب والفلسطينيين وكان للسينما مساحة لا بأس بها خاصة في المدن الرئيسية كمدينة يافا ومدينة حيفا وغيرها من المدن.
أصبح يستمع لحديثه بشغف وانتباه وهو يحدثه عن المجتمع القروي الفلسطيني الذي لم يكن له أي تفاعل مع السينما باستثناء القليل من سكان القرى ممن كانوا يغادرون قراهم لبيع منتجاتهم الزراعية في مدينة يافا مثلاً ، فيسترقون بعضاً من وقتهم للذهاب إلى المطاعم لتناول وجبات غذائية لا تتوفر أصنافها في قراهم مثل الكباب وبعض المشاوي ثم يتسربون إلى بعض دور العرض السينمائي قليلة العدد ليشاهدوا بعضاً من الأفلام العربية التي تُعرض وكان معظمها أفلاماً مصرية ثم ينصرفون للعودة لقراهم ، فيتحدثون بين زملائهم واهلهم عن هذا السحر والفن الجميل فيشعلون الشوق بداخلهم والرغبة عندهم لمشاهدة السينما ولكن دون جدوى .
سأل ذاك الكهل عن اسمه فقال له : أنا أبو العبد ، قال : له وأنت ما أسمك قال : أسمي خليل فسأله خليل هل شاهدت مطربين ، وهل حضرت أي من حفلاتهم الغنائية ؟ ، وبسرعة وبدون تفكير قال : طبعاً حضرت جزءاً من أغنية لأم كلثوم وبعض الفنانين العرب والمصريين لأن أوقاتنا لم تكن تسمح لنا بمواصلة حضور الحفلات الغنائية أو الأفلام بالكامل وذلك بسبب العودة لقرانا التي تبعد مسافات بعيدة عن يافا ويستغرق الوصول إليها وقتاً طويلاً لأننا نعود لقرانا راكبين الحمير والجمال أو مشياً على الأقدام ، و ذاكرتي لم تسعفني بتذكر أسمائهم لاخبرك بها ، ولكن يا بني بعد الهجرة من قرانا واستقرارنا في مدينة غزة التي لم نزرها من قبل إلا عند الحاجة للعلاج في مستشفياتها حيث كان هناك مستشفى تل الزهور ، ورغم ذلك لم نعلم عن وجود دور عرض سينمائي لانشغالنا بالعلاج والعودة فوراً إلى قرانا لمتابعة حياتنا اليومية ، لكن يا بني بعد استقرارنا في غزة تفاجأنا بوجود عدد قليل من دور العرض البسيطة ، وكانت على ما أذكر ( سينما السامر) وهي بناء يشبه دور العرض في الدول الأخرى ولكنها صغيرة الحجم نسبياً وبعد ذل تم بناء سينما النصر وسينما الجلاء وسينما عامر وخلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي كان الكثير من الناس والأسر والشباب يذهبون لدور العرض ويشاهدون العديد من الأفلام العربية والأجنبية والأفلام الهندية .
لم يكن بأمكان الناس البسطاء ومحدودي الدخل الذهاب إلى دورالعرض وخاصة من يقطنون معسكرات اللاجئين ، فكانت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين ( الأنوروا ) تقوم كل شهر تقريباً بعرض فيلماً سينمائيا من الأفلام المصرية القديمة بالأسود والأبيض وبعض الأفلام الوثائقية والأرشادية والتوعوية لتوعية السكان بأهمية الأمور الصحية والتعليمية ، وكان مخصصاً لذلك سيارة كبيرة وبداخلها جميع أدوات عرض الأفلام التي كانت تُعرض على شاشة كبيرة يتم نصبها في بعض الساحات التي تتسع للمشاهدين من كافة أفراد الأسر من رجال وأطفال ونساء ، يجلسون جميعاً على الأرض مقابل شاشة العرض يشاهدون الأفلام التي يتم عرضها علي المشاهدين .
ولكن بعد حرب عام ١٩٦٧ توقفت دور العرض عن العمل في كلٍ من مدينة غزة ومدينة خانيونس ومدينة رفح ، وبعد استقرار وهدوء الحياة في القطاع عادت دور العرض بعرض بعض الأفلام وبحذر شديد واستمر ذلك إلى ما بعد حرب اكتوبر ١٩٧٣ حيث توقفت دور العرض في القطاع بشكل عام وفي مدينة غزة بشكل خاص فتوقف جميعها عن العرض أواسط عام ١٩٨٧ وبدء الانتفاضة الاولى (انتفاضة الحجارة) وبروز تنظيمات إسلامية تعارض فكرة عرض الأفلام فتعرضت بعض دور العرض للحرق والنهب ، ولكن بعد هدوء الأوضاع حاول بعض أصحاب دور العرض ترميمها وإعادة تشغيلها واستخدامها كمسارح أو قاعات مؤتمرات أو حتى صالات أفراح ، إلا أنها هوجمت بعنف وأحرقت أكثر من مرة وتم تهديد أصاحبها والقائمين عليها وطولبوا باغلاقها بالكامل ، وتم ذلك .
توقف أبو العبد مع تنهيدة خارجة من أعماق قلبه وهو يحاول إنهاء حديثه ، فشكره خليل على هذه المعلومات ، وقال له خليل أنا عايشت تلك المراحل بالكامل وكنت أحب السيما ومغرم بها
ضحك أبو العبد وبادله الرأي وأنا كنت ولا زلت أحب السيما .
انتهى عرض الفيلم وتصافحا وودع كل منا الآخر على أمل اللقاء ، لم يغادر خليل القاعة واخذ يمر على كثير من الاصدقاء لتقديم التحية لهم واستمزاج ارائهم حول قصة الفيلم ، فكانت كل الآراء متطابقة تقريباً ، وأثناء ذلك فإذا بطفلٍ يصرخ في وجه أمه ويلومها ، ويسألها لماذا توقف الفيلم ؟ ، ويطالبها بإعادة تشغيله ، ضحكت أمه ، التي شاهدت نظراتنا إليها ولطفلها باستغراب ، فقالت : أول مرة في حياتنا نشاهد فيلما في دور عرض سينمائي ، وابني أحبها ، ضحك الجميع وبدأوا بالمغادرة ، وإذ بصراخ قويّ يصدر عن الطفل وهو لا يريد مغادرة المكان ويصرخ بأعلى صوته ،
أنا بحب السيما .

لنــا كلـــمة
كاريكاتـــــير