شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 19 يناير 2019م22:27 بتوقيت القدس

عن القوميات وهوية العروبة

09 ديسمبر 2018 - 07:00
شبكة نوى، فلسطينيات:

من الثابت في تاريخ الحضارات الإنسانية أن الانتماء القومي للعروبة، لم يكن في أي مرحلة من المراحل السياسية انتماء عرقيا أو دينيا بقدر ما هو انتماء حضاريا، يقوم على أساس العامل اللغوي (اللغة العربية)، الذي رسم الخارطة السياسية للوطن العربي بحدوده الجغرافية المعروفة، مما جعل الحضارة العربية التي نشأت بعد الفتوحات الإسلامية حضارة إسلامية في تكوينها المعرفي الشامل الذي غطى كل النواحي العقلية، حيث فاعلية العلماء المسلمين من كافة الأقطار التي وصلت إليها تلك الفتوحات وإبداعاتهم في شتى العلوم والمعارف الإنسانية. وقد حصل ذلك بدون حظر من السلطة الدينية ( الإسلام ( على النشاط العقلي، كما جرى في أوربا في العصور الوسطى قبل انطلاق عصر النهضة، حيث كان للكنيسة موقفا معاديا لهذا النشاط النظري الذي يلامس الواقع المادي بعيدا عن التسليم بالأمور الغيبية، وقد كانت تلصق في أصحابه عادة تهمة الإلحاد التي تتطلب الإعفاء منها تقديم طلب المغفرة للحصول على صكوك الغفران.

القومية العربية ليست قومية عنصرية شوفينية كالقوميات الأوروبية التي شكلت دولها الطبقة البرجوازية الصاعدة بعد اندحار عصر الإقطاع السياسي، كالقوميات الألمانية والإيطالية والفرنسية على سبيل المثال، والتي أفرزت الأولى النظرية النازية المستندة إلى العرق الآري، بالزعم بأن العقل الآري يمتلك خاصية القدرة على الإبداع، وهو ما دفع ألمانيا حين تولى الحكم فيها الحزب الوطني الاشتراكي النازي بزعامة أودلف هتلر إلى اجتياح البلدان المجاورة في الحرب العالمية الثانية التي كلفت البشرية الكثير من الدمار والخراب والقتل، وقد تم الاجتياح الألماني النازي تحت ادعاء مقولة المجال الحيوي للشعب الألماني مدفوعا بشعار ألمانيا فوق الجميع. أما القومية الإيطالية فهي التي أفرزت بدورها النظرية الفاشية بوصول الحزب الفاشي بزعامة موسوليني التي دفعت إيطاليا لانتهاج الطريق الاستعماري لتشارك كل من بريطانيا وفرنسا في حركة الاستعمار الغربي لتستولي على ليبيا والصومال وارتيريا والحبشة.

هكذا هي العروبة كانتماء قومي حضاري ثقافي هي هوية حضارية وسياسية متجذرة في الأرض، ليست هوية بازغة أو طارئة "كهوية الدولة اليهودية" المزعومة، المستمدة من الخرافات والأساطير التلمودية التي صيغت أثناء السبي البابلي، والذي يطالب نتنياهو وحكومة الائتلاف اليميني المتطرف الاعتراف بها للكيان الصهيوني العنصري، كشرط للدخول في ما يسمى بعملية السلام في المنطقة، لذلك فإن المخطط الأمريكي الصهيوني يستهدف في أول أهدافه الذي يسعى إليها طمس هذه الهوية العربية الحضارية، بالسعي لخلق هويات دينية وطائفية وعرقية في شرق أوسط يموج في بعض دوله بفوضى سياسية وأمنية وبتنظيمات التكفير الظلامي، وهو المسمى بالشرق الأوسط الجديد، الذي كثر الحديث عنه منذ سنوات في وسائل الإعلام الدولية. مشروع الشرق الأوسط الجديد هذا يعيد إلى الأذهان جملة المشاريع السياسية الاستعمارية التي أوجدها الاستعمار البريطاني في منطقة الشرق الأوسط في الماضي، كحلف بغداد الذي كان يضم أطرافا غير عربية إمعانا في تفكيك الرابطة القومية العربية.

مع تراجع المد القومي بعد هزيمة يونيو حزيران 1967 شهدت المنطقة العربية التأثير الفاعل لتيار الإسلام السياسي، وازداد هذا التأثير مع تراجع اليسار العربي ودوره بانهيار الاتحاد السوفييتي السابق وتفكك منظومة المعسكر الاشتراكي واختفاء حلف وارسو، لكن أبرز عناصر الأزمة السياسية العربية التي برزت بعد تلك الهزيمة في مواجهة المخطط الأمريكي الصهيوني هو طرح تيار الإسلام السياسي لمشروعه الإسلامي، كبديل للمشروع القومي التحرري والديموقراطي، بكل ما ينطوي عليه هذا البديل من مخاطر على الهوية القومية وعلى الدولة الوطنية الحديثة، بدعوى أن فكرة العروبة هي جزء من العنصرية التي يرفضها الإسلام .

التفاقم التدريجي لهذا الطرح الإسلامي ولد عناصر أزمة داخلية أيضا على مستوى القطر الواحد، ومثاله ما جرى في مصر بعد سقوط نظام الرئيس حسني مبارك، وما هو جار الآن في الساحة الفلسطينية خير مثال على ذلك أيضاً، حيث الانقسام السياسي البغيض الذي يحدث استمراره شرخا في بنية النظام السياسي الفلسطيني ونضال شعبنا ووحدة أهدافه الوطنية.

في مواجهة هذه الأخطار كلها التي تستهدف الانتماء الوطني والقومي من جهة، وطمس صورة الهوية العربية العريقة، وتعميق الاعتزاز بها من جهة أخرى، تتعزز الحاجة إلى نقلة نوعية داخل قوى حركة التحرر العربية، نقلة تتطلب تطويرا في برامج هذه القوى حتى تكون أكثر التصاقا بالجماهير، وهو الأمر الذي يتطلب إطلاق المشروع القومي النهضوي الحداثي السياسي والثقافي، الذي يعيد الاعتبار لشعار الوحدة العربية وللمشروع القومي التقدمي التحرري، الذي اختفى من مفردات الخطاب السياسي العربي الرسمي، حيث حل بدلا منه مشروع التجزئة السياسية الممنهجة الجديد، الذي يقوم أساسا على النزعة الطائفية والعرقية.

لنــا كلـــمة
كاريكاتـــــير