شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 13 ديسمبر 2018م21:43 بتوقيت القدس

بين "أخت المرجلة" و"ابن المرة"

07 ديسمبر 2018 - 13:11
عروبة عثمان
شبكة نوى، فلسطينيات:

حين يتم صكّ نعت "أخت المرجلة" للفتيات التي تصفهن السلطة الأبوية بالشجاعة، فإن هذا يعني اتفاقاً ضمنياً على أن النعت محتكرٌ سلفاً للمجال الرجولي، بل ويعبّر عن منحٍ تلقائيٍّ لصفة الشجاعة للآخر لمجرّد أن هويته الطبيعية ذكرية، ولمجرّد أن ذكر مصطلح المرجلة مرتبطٌ بالضرورة بالقوة والشجاعة، حتى وإن كان الآخر لا يستحقها.

ذلك كله مقابل إبعادٍ آنفيٍّ للنساء من هذا المجال، وسلب هذا النعت منها في الحالة التي يعتبرها مطلق النعت طبيعيةً لها ومتوائمةً مع هويتها الجندرية، ليتم اعتبار النعت في حالة إغداقه على إحدى الفتيات متأتياً من حالة استثناءٍ اخترقت الموقعية الطبيعية للنساء إجمالاً، وكأنّها ترقّت لتؤدّي وظيفة الرجل وترّقت بالضرورة للحالة الشعورية النفسية التي تفرضها هكذا وظيفة من سمات واعتبارات، خاصةً حينما يتم استدعاء الميدان النضالي، الذي يصوّر وجود النساء فيه احتفاءً مبالغاً فيه قائماً بالأساس على استبطان وظيفةٍ تقليديةٍ أساسيةٍ لهنّ، بعض النساء تجاوزنه ليتم إلحاقهن بذلك النعت؛ هذا التجاوز يُفهم من تلك السلطة على أنه استثناءٌ كافٍ لمنح المنخرطات بالميدان صفة الرجولة، وتارةً يُصوَّر الوجود مجردَ ارتدادٍ أو ردةِ فعلٍ على ما يسمّى غياب الرجولة الحقيقية في الميدان، بمعنى وجودها انعكاسٌ لافتقارٍ لتلك الشروط وتعويضٌ طارئٌ عنها، وليس وجوداً نابعاً من الشرط الإنساني الذي تعيش فيه المرأة تماماً مثلما يعيشه الرجل.

فهذا الوجود النضالي وجودٌ تنطلق منه المرأة من القهر الذي تعيشه لتصحح الشرط الموجودين به جميعاً والمحاصرين داخله، وليس نابعاً من تقسيم الحصص النضالية وإطلاق الصفات بناءً على الهويات الجنسيّة. فالرجل والمرأة يقاتلان لأنهما يملكان حساسيةً إنسانيةً هائلةً تجاه ما يعيشانه، وليس لأن الرجل يملك رجولته المعتادة التي تخوّله لأداء ذاك الدور، أو المرأة تطغى عليها صفات الرجولة على الأنوثة. بالتالي، هؤلاء يقاتلون لأنهم أكثر منّا- ذكوراً وإناثاً- يرفضون التواطؤ مع الشرط المحاصرين داخله. من الجدير بالإشارة هنا إلى أن ذاك الاحتفاء المبالغ به للنساء بإمكانه تخليد وتأبيد حالة الاستثناء، والمحافظة على صورة البنية المجتمعية التي تؤطّر حالةً معينةً للنساء وتعتبر أساساً للسلطة الأبوية ولا تسعى لتغييره، بل هو ما يضمن ترسيخها وثبوتها.

ليس هذا الشكل الوحيد الاصطلاحيّ الذي من خلاله تعنّف النساء رمزياً، بل حينما يتم إطلاق صفة "ابن مرة" على كثير من الذكور الذين لا ينجحون في إثبات "رجولتهم" واجتياز اختباره وفقاً لما يمليه المجتمع أو سلطةٌ ما، بمعنى أنه ذكر "خرع" أو "جبان". فهكذا، يتم منح المرأة صفات دائمةً كأنها متأصّلة فيها من قبيل الجبن. بالتالي، تأتي "أخت المرجلة" لتكسر تلك التصنيفات الطبيعية للنساء، ويأتي "ابن المرة" كنوع من الاستثناء للرجالٍ وعقابٍ مؤذٍّ له، لكنه في الحقيقة هو عقابٌ كليٌّ للنساء وعنفٌ شديدٌ إزاءها؛ حينما يتم اعتبار المرأة عقاباً لـ"الرجل غير الجدير بالرجولة" بأن يتم إنزاله إلى مرتبتها الأدنى. بالمجمل، العباراتان الاصطلاحيتان تؤديان ذات الدور، وإن أخفى سطح إحداهما ما تحته حقيقةً، إذ كلتاهما تنطلقان من موضعة المرأة في مكان أدنى بكثير من الشجاعة، فإما تبقى كما هي أو يتم ترقيتها تجاوزاً إلى المرتبة الأصلح "مرتبة الرجال بالفطرة".

لنــا كلـــمة
كاريكاتـــــير