شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 13 ديسمبر 2018م21:42 بتوقيت القدس

نفقة الأطفال،،مبالغ زهيدة لا تلبي الحاجة

07 ديسمبر 2018 - 11:12
إسراء الغول
شبكة نوى، فلسطينيات:

 غزة:

 لم تترك الثلاثينية "إيمان –ز" بابًا من أجل العمل إلا وطرفته دون جدوى، فمع انقطاعها عن الدراسة قبل 16 عامًا، وتفرّغها الكل لبيتها وأسرتها وتربية أطفالها الثلاثة حتى باتت بعيدة كل البعد عن الدراسة إذ تزوجت مبكرًا وعن أي مؤهل يساعدها على الالتحاق بسوق العمل.

وتشرح إيمان التي انفصلت عن زوجها حديثًا بعد أن بقيت معلّقة لعام كامل، معاناتها مع مبلغ النفقة والبالغ 20 دينارًا انه لا يكفي لسد حاجة أي من أطفالها لكن هذا هو حكم القضاء، موضحة إنها قررت الانفصال بعد حياة مليئة بالإهانات والضرب المتكرر والصبر لسنوات علّ القادم يكون أفضل لكن وصلت الأمور إلى حدّ اللا عودة.

تقول إيمان :"لم يقدر مساندتي له في بداية حياتنا, ولم يشفع لي وجود ثلاثتهم أمامه, اعتاد ممارسة العنف الجسدي والتهديد بحرماني من الأطفال", عادت إلى منزل والديها, وبعد شهور من انقطاعه عن إمداد الأطفال باحتياجاتهم قررت دخول معترك قضايا المحكمة الشرعية وبعد مرور سنة كاملة لم تخرج منتصرةً.

ربة منزل لا مصدر دخل  لها سوى مقدار النفقة التي أوجبها القانون لأطفالها, ورغم نص قانون الزواج الفلسطيني على تأمين سكن للأم وأبنائها في حالة الطلاق إلا أن المادة غير معمول بها ضمن الأعراف الاجتماعية السائدة في المجتمع, ما جعل تقاعس الأب عن تلبية احتياجات عائلته يزداد بعنهجية واضحة.

 بعد مرور أشهرٍ على دعوى النفقة التي تقدمت لها إيمان لدى القاضي الشرعي والتي كان يتم استقطاعها من راتب الزوج بشكل ثابت من حسابه البنكي بالإضافة إلى مبلغ الصداق المتفق عليه بحساب بنكي مختلف, توقفت النفقة عن الوصول  لشهور عديدة, ثم تبين أن الزوج قدم حجة لدى القاضي مفادها أن النفقة تتدفق من اتجاهين مع طلب بوقف إحداها.

القانون بوجهه الآخر

(ر.غ) اضطرت لترك بيت الزوجية بعد عام من الزواج لعدة أسباب جعلت حياتها مستحيلة بحكم القاضي الشرعي في محكمة غزة الشرعية، فوقّعت على قرار إبرائها لزوجها في حينه من كافة حقوقها المكتوبة لها في عقد الزواج كالمقدم والمؤخر مقابل الحصول على  حكم الطلاق بعد سنة ونصف السنة من مطالبته بنفقة طفلها الذي أكمل العام في أحضانها.

تذكر جيداً يوم التنازل عن طفلها وانتزاعه منها بالقوة وصوت نحيبها وعدم قدرتها على التنفس من كثرة دموعها وهي تقول :"دخل والدي لا يفي باحتياجاتنا وأنهيت دراستي الجامعية بالمنح الطلابية وجزءٌ من راتب أسرتي, والد طفلي أرسل لي رسالة بنص صريح أنه سيترك لي الطفل بلا نفقة لأربيه وأفني شبابي له بذات الوقت الذي قام فيه بخطبة إحداهن وإكمال حياته".

 اعتاد والد الطفل دفع 20 ديناراً لا تكفي لتلبية حاجة ابنه من الحليب شهراً واحداً فاضطر والد السيدة (ر,غ) بنقله لحضانة والده وإرغامه قصراً بتكاليف معيشة الطفل, اليوم يحق لـ (ر,غ) رؤية طفلها مرة واحدة من كل أسبوع وفي بعض الأحيان قد تُحرم منها بحجة انشغال الأب.

بنصوصٍ واضحة

ينص قانون حقوق العائلة الذي تم إقراره من الإدارة المصرية للعام 1954 في مادته رقم (57) على "أن النفقة تكون لازمة الأداء بالقدر الذي تراضى عليه الزوجان أو بحكم القاضي, ويجوز زيادتها ونقصها بتغير الأسعار أو تبديل حال الزوج يسراً أو عسراً مهما كانت حال الزوجة", ويظهر جلياً أن بناء القانون جاء وفق تقديرات قديمة للنفقة المرصودة في حينه ولا تناسب معايير الإنفاق في السنوات الأخيرة.

عشرون ديناراً مستحقة  هي الحد الأدنى الملزم بدفعها الأب تجاه أبنائه عند وقوع الطلاق بموجب دعوى قضائية يحق للأم رفعها على الأب أو من ينوب عنه كالجد أو العم بحسب الترتيب داخل المحكمة الشرعية.

وتشير الإحصاءات الصادرة من ديوان القضاء الشرعي الفلسطيني للعام 2017 فإن مجموع معاملات الطلاق الواردة إلى المحاكم الشرعية بلغت 3255 دعوة منها 52 حالة طلاق بائن بينونة كبرى في مختلف مناطق القطاع.

وبحسب المحكّم القانوني المعتمد من المحكمة القضائية الفلسطينية إياد عاشور فإن نفقة الأطفال قانونياً ليست مرتبطة بحال الزوج وأمثاله, فالقانون بصيغته القديمة المعمول بها بأعراف المحكمة الشرعية يفرض النفقة بحسب كفاية الطفل, أي بحسب ما يقضي ابقاؤه على قيد الحياة فقط بصرف النظر عن احتياجاته اليومية كالملبس والتعليم والتطبيب عند الحاجة لذلك, ويمكن زيادتها بعد بلوغه سن السنتين لتصل أربعون ديناراً كحدٍ أقصى غير شاملة للتكاليف السابق ذكرها.

وبيّن عاشور أن العديد من الأمهات تعانين من ثقل الإنفاق على الأبناء بعد الطلاق كنتيجة لعدم وجود إلزام قانوني على الزوج بدفع جميع التكاليف الواقعة لأبنائه وبات من المعروف داخل المحكمة بأن المبلغ المعتمد كحدٍ أدنى لنفقة الطفل الواحد لا تكفي لسد احتياجاته في ظل التغيرات الاقتصادية الكبيرة في العصر الحالي مما يدفع ببعض الأمهات بالتنازل قضائياً عن حضانة أطفالها ونقلها للأب.

وطالب عاشور كلاً من المجلس التشريعي بسلطته الحالية ومؤسسات المجتمع المدني إلى المصادقة على قانون الأحوال الشخصية الفلسطيني الذي تم وضع مشروعه والقراءات الأولى له عام 2005 والتي تبعتها ظروف الانقسام في إطار نص قانون قضاء شرعي جديد يتناسب مع متطلبات العصر الجديد وزيادة المصروفات وغلاء المعيشة.

من جانبه أكد مدير الإدارة القانونية في المجلس التشريعي الفلسطيني أمجد الآغا أن الجهات المنوطة بسن القوانين هم فقط نواب المجلس التشريعي ومجلس الوزراء وبالرغم من حالة القصور الذي يعانيه المجلس التشريعي جراء الانقسام الحاصل منذ عام 2007 إلا أنه وفّر للمرأة ضمانات بأحقيتها في تلبية النفقة وذلك من خلال جعل نفقة الأطفال "أول الديون الممتازة حتى لو استغرق بقية الديون" أي له أفضلية  من بين مجموعة الديون الواقعة على الزوج بحسب المادة 21 والمادة 51 من قانون التنفيذ.

وبذات السياق بيّن الآغا أن قانون حقوق العائلة المعمول به منذ العام 1954 والأحكام الخاصة به لم تعد تفي بالغرض, قائلاً:" الأحكام القديمة لم تعد مناسبة لمتطلبات العصر على مستوى القيم المالية, ما كان يتم تسجيله بالجنيه المصري في حينه لا ينفع حالياً نظراً لتغير أسعار العملة وغلاء المعيشة", موضحاً دور مؤسسات المجتمع المدني في مناصرة القوانين اللازمة لحفظ  حقوق الأطفال وأيضاً الأمهات فبعضهن ربات بيوت لم يكملن التعليم لو يحظين بفرصة عمل ملائمة.

وبين القوانين التي يتم التوافق عليها داخل المحاكم وملفات الطلاق المؤجلة داخل المكاتب يقبع آلاف الأطفال ممن ينتظرون قوتهم وأمهات تضعن أحلامهن جانباً للتعويل على تعديلات دستورية وتشريع قوانين جديدة تضمن حقوقهن وأطفالهن, كثيرات هن من يطالبن بصوت القانون أحكاماً تنصف حجم معاناتهن وقدرة البعض منهم على التعايش مع "ما بعد الطلاق".

 

لنــا كلـــمة
كاريكاتـــــير