شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 13 ديسمبر 2018م20:47 بتوقيت القدس

الأيقونة فيروز... ملاحظات إضافية

04 ديسمبر 2018 - 07:39
عبير ثابت
شبكة نوى، فلسطينيات:

كانت إحدى المحطات الإذاعية، تجري حديثا مع الموسيقار محمد عبد الوهاب، وفي سياق الحديث بدأ المحاور يسأل عبد الوهاب عن أصوات أشهر المطربين العرب، فتحدث عبد الوهاب عن خصائص وأهمية صوت أم كلثوم وعبد الحليم وفريد الأطرش ووردة و... ثم صمت، فظهرت الدهشة في صوت المحاور الذي سأل عبد الوهاب باستغراب: «لم تذكر صوت فيروز؟» فما كان من عبد الوهاب إلا أن رد عليه بالقول: «أنت سألتني عن أصوات البشر، ولم تسألني عن أصوات أسطورية كالملائكة».
ولدت نهاد حداد - فيروز- في إحدى قرى قضاء الشوف في محافظة جبل لبنان. 
كانت عائلتها فقيرة انتقلت لتعيش في بيت بسيط في منطقة زقاق البلاط في بيروت.
والدها هو وديع حداد كان يعمل في مطبعة، ووالدتها ليزا البستاني.
وفي سن الخامسة من عمرها، بدأت نهاد حداد تستقطب الانتباه بصوتها المخملي وهي تشارك في كورس الإنشاد المدرسي.
وحدث أن سمع هذا الصوت أستاذ الموسيقى محمد فليفل، فسحرته الخامة الواعدة، فأشار عليها أن تلتحق بالمعهد الموسيقي اللبناني، وضمها لفريقه الذي كان ينشد الأغاني الوطنية في الإذاعة اللبنانية.
وفي سن الخامسة عشرة، وقفت نهاد حداد أمام لجنة الاستماع في الإذاعة اللبنانية، فما كان من رئيس دائرة الموسيقى في الإذاعة، حليم الرومي، إلا أن نادى على عاصي الرحباني، ثم طلب من الصبية ذات الضفيرتين أن تسمعهما ما كانت قد أسمعته قبل قليل. 
فوقفت خجولة تنظر إلى الجدار وتغني «يا ديرتي مالك علينا لوم - لا تعتبي لومك على من خان». 
وعندما أفاق الاثنان من سِحر الصوت الجديد، قال حليم الرومي: بعد اليوم لم تعودي نهاد حداد. أنت فيروز الشرق.
ولطالما كانت فيروز تعرف عن نفسها، بأنها ابنة «زلمي درويش» كان يعمل جامع أحرف في مطبعة – جان دارك -، وكان بيتنا من غرفة واحدة، حمامه مشترك مع الجيران. 
وعندما جاء عاصي يطلب يدي من أبي، طبخت له بطاطا وسلاطة، وربما كانت هذه البساطة والقروية، تذكرة عبور فيروز إلى اللبنانيين والفلسطينيين.
في الخمسينيات من القرن الماضي، كانت خيم اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، طازجة في علاقتها مع الفضاء الأليم.
بدأت أغاني فيروز الحزينة، تتسلل من خيمة إلى خيمة، واللاجئون الفلسطينيون المشردون ملتصقون بعضهم ببعض، يحملون ذكرياتهم عن أرضهم وضياعهم المنهوبة، ويأخذهم صوت فيروز التي تغني عن الضيعة والحقول والقمر والخيول والدجاجات إلى ما يشبه وجعاً لذيذا، وحنينا جارفا.
كان اللاجئون الفلسطينيون، يقبعون تحت بطانيات وكالة الغوث، وصخب المطر على سقوف الزنك، يتحد مع صوت فيروز الملائكي، ليؤلف معزوفة جديدة، تجعل عذاب اللجوء، خليطا من البؤس والمتعة.
غنت فيروز لفلسطين، أجراس العودة، زهرة المدائن، خذوني إلى بيسان، جسر العودة، يا ربوع بلادي، يافا، سنرجع يوما إلى حيّنا، وحدن بيبقوا متل زهر البيلسان.
أما أغنية «القدس العتيقة»، فقد غنتها فيروز بعد زيارتها مدينة القدس، برفقة عاصي ومنصور الرحباني، حيث التقت بسيدة فلسطينية في أحد شوارع القدس القديمة وأهدتها مزهرية من القدس، وحدثتها عن التراجيديا الفلسطينية، فولدت هذه الأغنية التي تقول كلماتها: «مريت بالشوارع، شوارع القدس العتيقة، قدام الدكاكين، لبقيت من فلسطين، حكينا سوا الخبرية، عطيوني مزهرية، قالوا لي هيدي هدية، من الناس الناطرين».
لم يحكِ أحد حكاية لبنان وفلسطين مثل فيروز. ولم يعط أحد لبنان مجداً مصفى مثل فيروز. ولم يجمع اللبنانيون حتى على الأرزة، واختلفوا على خارطة لبنان. وتحزب بعضهم للساحل جذورا، وبعضهم للجبل موطنا. غير أنهم اجتمعوا على حب صوت فيروز. 
ويقول أحد عشاق صوت فيروز: «في أحد الأيام، وأنا ابن رجل دين شيعي، ما يعني أن الغناء حرام خاصة صوت المرأة. ضبطني والدي، وأنا أسترق السمع إلى كاسيت لفيروز، وحينها نهرني والدي، وقال بحزم: هذا حرام وأنت ترتكب معصية.
لم أملك حينها جواباً أمام القطعية التي أحسست معها أنني دخلت النار وجهنم بما فعلت، لكنني قررت شيئا في سري وقررت أن أذهب إلى حدود الهاوية في الحصول على موقف مغاير.
وفي المساء، ومع اجتماع العائلة، استغللت الفرصة، فعمدت إلى المسجل وأدرت صوت فيروز على مطلع أغنيتها الشهيرة «يا قمر مشغره ويا بدر وادي التيم»، فساد صمت مطبق على اجتماع العائلة، وعندما لمحت بريق الدمع والحنين في زوايا عيون الوالد - الإنسان بعيداً عن الوالد – رجل الدين، سألته بخبث «ماذا تقول الآن، هل هذا الصوت حرام؟!» فما كان منه إلا أن طلب مني إيقاف الصوت، ليستكمل بكاءه بصوت مرتفع، ويقول لي: «كم نحن مخطئون إذ نحرم أنفسنا من هذا الصوت وما فيه من مواصفات لا تحمل إلا الحب، والمشاعر الراقية».
لم يكسر هذه القاعدة، سوى الكاتب حازم الأمين الذي كتب على صفحة الفيسبوك كلاما مخالفا: «لا أحب فيروز كفكرة، أما صوتها والموسيقى التي حملته فلطالما أشعراني بشيء جنائزي يصدح في قرية خرافية أهلها بلهاء».
بينما تحدث عنها صلاح عبد الصبور، في مقالة له نشرتها «روز اليوسف» بعد أن زارها في بيتها في بكفيا برفقة صلاح جاهين. 
يقول عبد الصبور: «أنا من عشاق فيروز، وكنت أريد أن تطوى المسافات من أجل لقاء فيروز، وبعد ساعة من رعب الطريق الجبلي، وقفنا أمام بيت فيروز، واستقبلنا الأخوان منصور وعاصي الرحباني، وصافحتنا فيروز وهي تتمتم. فيروز ليست جميلة، فجسمها نحيل ووجها شاحب، لكن صوتها وحده جمال ليس بعده جمال. ثلاث ساعات في بيت فيروز وهي لم تنطق إلا بكلمات قليلة. ونحن جميعا – أنا وجاهين والأخوين رحباني - نتحدث عن الموسيقى والغناء. 
خرجت من بيتها، وصورة فيروز شاحبة في وجداني، وكان الأفضل لي وخيالي أن أظل أحس بها نغما طائرا، وأن أتخيلها ظلا رقيقا. 
عدت وسألت نفسي، لماذا لا نكتفي من الفنان بفنه فقط، ونحاول أن نستمتع بشخصيته أيضا، وهل عليه أن يشق طريقه بخفة ظله، وجمال شخصيته، وسحر حديثه.
كنت عندئذ أفكر في عبد الوهاب الذي لا يشبع الإنسان من حديثه. وأم كلثوم التي كانت شخصيتها سياج فنها المعجز.
خفت أن أكون قد ظلمت فيروز، وملت على صلاح جاهين أسأله: ما رأيك في شخصية فيروز؟ فقال: وربي ما أنا عارف.

لنــا كلـــمة
كاريكاتـــــير