شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 13 ديسمبر 2018م19:53 بتوقيت القدس

انكفاء المثقفين.. كلامٌ في الأزمة

02 ديسمبر 2018 - 07:21
عبدالله السنّاوي
شبكة نوى، فلسطينيات:

أي تطلع للمستقبل يخسر رهاناته إذا لم يستند إلى أفكار ورؤى تحذر من المخاطر المحدقة، وتعمل على تجاوزها بقوة التوافق الطوعي لا الخوف والإكراه.
الأفكار والرؤى مهمة المثقفين. وهذه مسألة بيئة عامة تدعم الحريات الدستورية في الاعتقاد والفكر والرأي والبحث العلمي والإبداع الفني والأدبي والصحافة والإعلام ولا تصادرها، تحتضن الكفاءات والمواهب الشابة ولا تطردها خارج الحلبة.
«أنيميا الأفكار» تؤسس لفراغ موحش تنمو فيه جماعات العنف والإرهاب، وتتغذى عليه الفتن الطائفية، ويمتنع أي إصلاح ممكن، ويفقد المجتمع أية بوصلة تحدد مواطن القوة والضعف وسبل التصحيح والتصويب.
بأية نظرة موضوعية فإنه لا يمكن إنكار حالة الانكفاء التي يبدو عليها الآن المثقفون المصريون، أو التقليل بالتجاهل من مستوى خطورتها. لا يوجد تعريف جامع مانع للمثقف.
التعريفات تختلف بقدر زوايا النظر وخبرة التجارب والانحيازات، لكنها تكاد تجمع على أنه رؤية وموقف قبل أي شيء آخر.
هناك فارق حاسم بين المتعلم والمثقف. الأول لديه معرفة بمجال تخصصه. والثاني تتسع نظرته إلى ما هو أبعد من شواغله المباشرة.
ليس كل متعلم بالضرورة مثقفاً.
قد تنطبق صفة المثقف على مواطنين بسطاء يقرأون ويتابعون الشأن الجاري، يتفاعلون مع حركة الفكر بقدر ما يستطيعون، يتذوقون الفنون، ولديهم إحساس بالجمال بقدر ما تسمح ظروفهم.
المثقف هو من يمتلك بالاطلاع والاجتهاد القدرة على استيعاب حقائق الموقف العام، وبناء رؤى وتصورات ومواقف على قدر من التماسك.
بتوصيف المفكر الإيطالي «أنطونيو جرامشي»، فإنه يرتبط بحركة مجتمعه وقواه العاملة لبناء كتلة تاريخية تزيح الطبقات المهيمنة، هذا هو «المثقف العضوي».
وبتوصيف الفيلسوف الفرنسي «جوليان بندا»، فإن أدواره تصوغها فكرة الضمير قبل أي التزام آخر، وهذا هو «المثقف النبي». ما بين «المثقف العضوي» و«المثقف النبي» تتبدى صور عديدة ومتناقضة.
«بندا» نفسه هو من صك عبارة «خيانة المثقفين». «المثقف الخائن»، هو أحد تجليات أزمات المثقفين. كأي خيانة فإن أثقالها لا يصعب الإمساك بحقائقها.
إذا ما تفشت خيانات الأفكار فإن الثقة تتبدد ويدخل المجتمع في متاهات بلا نهاية. المشكلة الحقيقية في «المثقف المهزوم»، وهو حالم وممزق ومنكفئ.
ينطوي أدب «بهاء طاهر» على شخصيات روائية تجسد قدراً كبيراً من الهزيمة الداخلية. «نشعر أننا شبحان من عصر مات.. نعرف أن عبدالناصر لن يُبعث من جديد، وأن عمال العالم لن يتحدوا».
«لم نقل ذلك أبداً، بل كنا نقول نكسة باستمرار: كنت أقول لكي أقنع نفسي قبل أن أقنعه أن الشعب لن ينسى ما فعله من أجله عبدالناصر». «أقول له.. إن ثورته ستصحو على أيدي الناس مرة أخرى ذات يوم».
هكذا صاغ الأزمة في «الحب في المنفى»، بصياغة درامية أخرى لصورة «المثقف المهزوم» ينتحر المأمور «محمود عزمي» في نهاية رواية «واحة الغروب»، تحت وطأة شعوره بأنه خان كل شيء في حياته.
لم يخن الثورة العرابية، لكنه تخاذل في التحقيقات التي أجريت معه بعد هزيمتها، تنكر لها وسب زعيمها «أحمد عرابي»، للحفاظ على وظيفته ضابطاً في البوليس. في شعوره بالخيانة نوع من النبل لا يستشعره آخرون يسبون معارك أوطانهم التي دفعت ثمنها دماً.
صورة «المثقف الانتهازي» تصدرت أعمالًا أدبية وفنية عديدة، أهمها ما كتبه «نجيب محفوظ».
«أأنت اشتراكي مخلص؟».
«طبعاً».
«لمَ من فضلك؟».
«للثورة أعمال لا يسع الأعمى إلا الإقرار بها».
«والبصير؟».
«إني أعني ما أقول».
«إذن فأنت ثوري اشتراكي؟».
«بلا أدنى شك».
«مبارك، خبرني الآن أين نقضي ليلتنا».
هكذا تقمص «سرحان البحيري» الانتهازي والمتورط في فساد مالي وأخلاقي دور المناضل الاشتراكي في روايته «ميرامار».
في رواية «اللص والكلاب» تبدت صيغة أخرى من نفس القماشة السياسية والإنسانية، لخصتها شخصية «رؤوف علوان»، الذي أقنع «سعيد مهران» بأفكاره التقدمية، قبل أن ينقلب هو على هذه الأفكار، ويدفع اللص التائب إلى قتل أبرياء دون قصد.
العلاقة مع السلطة إحدى الإشكاليات الكبرى في النظر إلى دور المثقف. في رأي «إدوارد سعيد» أن الاقتراب من السلطة ينفي صفة المثقف، الذي هو بالتعريف ناقد لها.
رغم التعسف في إطلاق الأحكام، فلكل حالة ظروفها، مثل العلاقة ما بين «شارل ديجول»، الرجل الذي قاد المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي و«أندريه مالرو»، وزير ثقافته صاحب رواية «الأمل» عن الحرب الأهلية الإسبانية التي ألهمت أجيالًا.
أسوأ أنواع المثقفين من يطلق عليهم في الحديث اليومي المصري: «الطبالون»، وهم ورثة «الطبلخانة» الذين كانوا يتصدرون مواكب أمراء المماليك بالطبول والدفوف.
يصعب أن يجمع المثقفون على موقف واحد في قضية واحدة، لكن عندما يحدث مثل هذا الإجماع يتغير التاريخ. حدث ذلك في جميع الثورات المصرية والمنعطفات السياسية بلا استثناء واحد.
كان التجلي الأخير اعتصام المثقفين في مبنى وزارة الثقافة قبيل (30) يونيو. بدا المشهد جليلاً، اجتماعات وحوارات طوال الوقت، غناء وعروض باليه في الشارع كما لم يحدث من قبل.
تصدر ذلك المشهد روائيان كبيران «بهاء طاهر» و«صنع الله إبراهيم»، وتدفق عليه فنانون ومبدعون من كافة الأجيال والاتجاهات الوطنية، طلباً للدولة المدنية الديمقراطية الحديثة.
بالتعريف.. الثقافة قضية حرية تفكير وإبداع وبيئة عامة تشجع على النقد والحوار بندية.. ولا يوجد مدخل آخر لدرء خطر انكفاء المثقفين على المستقبل المصري.

لنــا كلـــمة
كاريكاتـــــير