شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 11 ديسمبر 2018م00:32 بتوقيت القدس

«رائحة الرماد»

14 نوفمبر 2018 - 07:13
عبد الغني سلامة
شبكة نوى، فلسطينيات:

«رائحة الرماد»، الرواية الأولى للكاتبة والإعلامية الفلسطينية نوال أسعد، صادرة عن دار الرصيف للنشر والتوزيع، 2018، تقع في 224 صفحة من القطع المتوسط.
تنتمي لكلاسيكيات الأدب الفلسطيني، الذي يتناول حياة شخصيتين أو عائلتين فلسطينية ويهودية، من خلال تتبع مصائرهما، والأثر الذي تحدثه فيهما الأيام وتوالي الأحداث ومعادلات الصراع، مع المقاربة بين الهولوكوست والنكبة، والبحث عن الجوانب الإنسانية في كلا الطرفين.
وخلافا للأدب الصهيوني، الذي قلما يشير إلى الجانب الإنساني في الفلسطيني، ويغفل متعمدا السياق الكولونيالي للمشروع الذي وجد اليهودي نفسه متورطا فيه، وصار مستعدا للدفاع عنه، حتى لو خالف إنسانيته، ومارس مع الفلسطيني ما مارست عليه النازية.. ستجد في الأدب الفلسطيني إنصافا لليهود في مأساتهم الإنسانية التي تعرضوا لها في شرق ووسط أوروبا خلال فترة الاضطهاد اليهودي، وستجد أنسنة لليهودي، مع كشف التبدلات التي أحدثتها الصهيونية في شخصية اليهودي بعد هجرته إلى فلسطين، بحيث تظهر منه الوجه القبيح الاستعماري، حين يتحول إلى جندي مستعد للقتل لأتفه الأسباب. 
هذه الرواية تختلف عن مثيلاتها في الأدب الفلسطيني، بكونها تبدأ من فترة أبعد زمنيا من فترة الهولوكوست في بولندا وألمانيا النازية؛ ومن مكان مختلف.. إذ تبدأ من أوكرانيا، في فترة الاضطهاد اليهودي الأول 1882، عقب اغتيال القيصر واتهام اليهود بتورطهم في الاغتيال، ثم تمتد مرة ثانية إلى العام 1917، عام انتصار الثورة البلشفية، التي ترافقت مع محاولة فاشلة لنيل الأوكرانيين استقلالهم السياسي والانفصال عن الاتحاد السوفييتي.. في تلك الفترة يتهم الأوكرانيون اليهود بأنهم معادون لثورتهم وموالون للبلاشفة.. الحقيقة أن المجتمع اليهودي آنذاك كان منقسما على نفسه بين مؤيد ومعارض. 
في هذا الفضاء الزمني الممتد على مدى نحو مائة عام، وفي أمكنة متعددة بين أوكرانيا وبريطانيا وفلسطين.. تدور أحداث الرواية. بأسلوبها الشيق تنتقل بنا نوال أسعد مع العائلتين؛ عائلة «بيروتوسكي» اليهودية، تتنقل بين أوكرانيا، وفلسطين ولندن.. عائلة عبد الرحمن الفلسطينية هي موجودة أصلا في فلسطين، وتنقلها يظل في حيز الوطن؛ بين صفورية والخليل والقدس وبيت محسير.. وتنجح ببراعة في جمع خيوط الرواية، ومزج أحداثها على نحو مقنع، وبحبكة متقنة، وأسلوب لغوي بسيط وغير متكلف، وصولا لنهاية غير متوقعة، نهاية تجعل من البدايات والأحداث أمرا منطقيا، لا بد أن يحصل بطريقة أو بأخرى.
الرواية فيها الكثير من المفارقات المدهشة: كان يمكن لديفيد أن يكون جارا طيبا وصديقا محتملا لساره أثناء إقامتهما في لندن.. لكنها سيصيران عدوين، في قلنديا، بعد أن يشارك ديفيد بقتل صديقة سارة أثناء سهرة لطيفة كانتا تتمتعان خلالها بالرقص والنبيذ، فإذا برصاصة تستقر برأس سلمى، وتترك عينيها شاخصتين ترسمان سؤالا كبيرا: كيف ولماذا تنتهي حياتي في لحظة؟!  
كان يمكن لعائلة «بيروتوسكي» أن تظل في أوكرانيا تعيش بسلام، وتصنع الخبز لأهل الحي، لولا التحريض الطائفي الشعبوي في زمن كان العالم بأسره يعيش لحظة مخاض مجنونة.. وكان بوسع هذه العائلة أن تهاجر إلى بلد أوروبي آمن، وتواصل حياتها بشكل طبيعي، لولا الدعاية الصهيونية التي ورطت يهود العالم بمشروعها الاستعماري العنصري، لتحولهم إلى جنود ومستوطنين وقتلة.. في بلد لم تطأه أقدام أجدادهم في أي يوم من أيام التاريخ.
ربيكا، التي يهجر أهلها من وطنها أوكرانيا وتجد نفسها في مستوطنة قرب طبريا، تتعرف إلى جندي إنكليزي وتتزوج منه، وتعود معه إلى لندن، بعد رفضها المشروع الصهيوني. ورفضها أن تفعل بالفلسطينيين ما فعلوه «القوازق» بأهلها.
في صندوق أثري تهديه ربيكا لابنتها كاتيا (المتعصبة لدولة إسرائيل)، فيه رسالة تظل لغزا غامضا، إلى أن ينكشف في نهاية الرواية.. الرسالة تفيد بأن ربيكا، تعرضت للاغتصاب من قبل جنود أوكرانيين، المفارقة أن الحاخامية لا تعترف بيهودية أبناء اليهودية التي تعرضت لاغتصاب من قبل الأغيار.. ما يدل على هشاشة تعريف من هو اليهودي؟ وهشاشة الدعائم التي تقوم عليها العنصرية الصهيونية.
يقع عبد الرحمن (والد سارة) في عشق صفية، لكن الهجرة والنكبة تحول بينهما، تتطور الأحداث، ويلتقيان بعد غياب طويل، ويتجدد الحب، لكن شبانا فلسطينيين غاضبين يحرقون بيت صفية، لتموت حرقا، ويموت حب عبد الرحمن، سيكون حبهما ضحية الاحتلال مرة، وضحية التخلف المجتمعي والفقر مرة ثانية.
ترتبط سارة بصديق إنكليزي، لكنهما ينفصلان على خلفية تفجيرات لندن، وحين عودتها للوطن، تكتشف حبها القديم لعلي، ويتزوجان في وسط أجواء دموية، بينما صديقتها مضرجة بدمها، في إشارة إلى انتصار الحب على القتل، وتواصل الحياة رغم كل الظروف.
كما تطرح الرواية العديد من الأسئلة الإشكالية:
بعد عودتها، تسأل سارة نفسها: هل يمكن أن الإسرائيليين أحبوا هذه الأرض كما يحبها الفلسطينيون؟ 
بعد هجرته إلى فلسطين، في البداية يسأل ديفيد أمه أسئلة تحيره: كيف أميز بين الفلسطيني واليهودي؟ فكلاهما يتشابه في الملابس والملامح؟ لماذا نتعامل مع الفلسطينيين بوحشية؟ ولماذا التفرقة، مع أن الفلسطينيين يدفعون الضرائب (يقصد سكان القدس وفلسطينيي الـ 48)؟ ويطرح أسئلة مشابهة لقائده في الوحدة العسكرية: ويسمع دائما نفس الجواب: الفلسطينيون لا يستحقون الحياة.. لا يوجد حل إلا ببقاء إسرائيل قوية ومتفوقة، إما القضاء على الفلسطينيين، أو ترحيلهم إلى البلاد العربية. 
تمر الرواية سريعا على أهم الأحداث التي ألمت بفلسطين: على مدى قرن، وفي ثناياها سنجد قصص حب، وكراهية، وغيرة، وانتقام، وصراع على الأرض، وصراع داخلي على المفاهيم، وتبدل القيم الاجتماعية في فترة الانتفاضة الأولى. 
تنتهي الرواية بمشهد مثير، سامي الطفل الذي عقدت لسانه صدمة وفاة أمه وغياب أبيه، الذي يظل صامتا طول الرواية، ينطق في مشهدٍ صدمه، حين أراد لعمته سارة ألا تتحول إلى قاتل، فتترك سارة ديفيد مضرجا بدمه، ويوصله سامي إلى الباب، طالبا منه ألا يعود.. ثم يتصاعد صوت الرصاص من بعيد، في إشارة ذكية إلى استمرار الصراع.. ودون أن نعرف هل ستغير هذه الصدمة وعي ديفيد، فيترك البلاد ويعود إلى لندن كما أراد له والده؟ أم سيظل جنديا ومشروع قاتل كما أرادت له أمه؟
ستناقَش الرواية مساء اليوم في متحف درويش.

لنــا كلـــمة
كاريكاتـــــير