شبكة نوى
اليوم الاربعاء 14 نوفمبر 2018م11:38 بتوقيت القدس

قميص خاشقجي

06 نوفمبر 2018 - 06:51
عبير بشير
شبكة نوى:

التسونامي السياسي الذي ضرب المملكة السعودية على خلفية الجريمة البشعة والمصير الوحشي الذي تعرض له الصحافي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول، كان من القوة والتكثيف والتدفق والعلو، ربما بحجم علو المملكة العربية السعودية ومحورية دورها. وكشف الانهيار الكاسح الذي عاشته دول ومجتمعات في الإقليم، على وقع الخريف العربي، عمق الأزمة التكوينية التي تعيشها مجتمعاتنا وهي عدم جهوزيتها لتلقي فكرة التغيير دون انفجارها. هذا ليس طبعا تبريراً للأنظمة الديكتاتورية، بل توضيح مكاننا على خريطة الطريق.
ولم يشهد العالم قضية اتسعت دائرة تكهناتها، وقفز على استنتاجاتها، وسط  تسريب هائل للمعلومات، كما حظيت به قضية خاشقجي التي تم تحويلها ببراعة ضد المشروع السعودي الجديد. وتوالت التسريبات الإعلامية من تركيا لكيفية حدوث الاغتيال داخل القنصلية، في مشهد أقرب إلى أفلام الرعب المقززة والتي تقشعر منها الأبدان منه إلى المسلسلات التركية، أو حتى إلى الأفلام الهوليودية الخيالية.
مقتل جمال خاشقجي بسكينة حافية، وتغييبه عن المشهد الإعلامي، وهو يحمل راية نبيلة هي راية الحريات يستحق النقاش، والنقاش هنا لا يدور على نبل القضية وضرورتها بل على شروطها السياسية لا الإعلامية، غير المتوفرة في عالمنا العربي.
• غادر جمال السعودية إلى منفاه الاختياري- واشنطن- مدافعا عن حق الأحزاب الإسلامية وخصوصاً الإخوان المسلمين بالمشاركة السياسية. لم يعد جمال كاتباً سعودياً وعربياً مرموقاً بل بلغ العالمية، عالميته جاءت من عالمية وأهمية البلد الذي جاء منها، وكونه خرج من قماشة النظام السعودي، رغم أنه لم يعرف نفسه يوماً بأنه معارض، بل كان يرفض هذه التسمية. فهو الصحافي والمستشار الذي تدرب على الولاء لسياسات المملكة قبل أن ينتقل إلى واشنطن. هو إذاً صحافي يذهب إلى الاعتراض في واشنطن، من صالونات السلطة السعودية.
أصبح جمال يكتب في أهم صحيفة أميركية مؤثرة في صنع القرار في واشنطن، انتقال جمال من المحلي إلى الإقليمي ثم إلى العالمي بسرعة البر، وفرض عليه ذلك، أن يواصل الكتابة الناقدة للنظام السعودي، ومع كل مقالة ناقدة جديدة اتسعت الفجوة بينه وبين أصحاب القرار في الرياض.
كان استهداف السعودية متوقعاً، لأنها الدولة القاطرة التي تقود عملية التغيير، منذ صعود نجم بن سلمان، والتي ستمس مساحة جغرافية وبشرية شاسعة من إندونيسيا إلى كاليفورنيا، وتعيد صياغة مفاهيم سياسية ودينية معتدلة على حساب النظام القديم في المنطقة الإسلامية. من هنا نستطيع فهم فلسفة المشروع المضاد الذي يقول إن مشروع التحديث في السعودية مبالغ فيه، وهو ليس إلا مشروعاً شخصياً لحكم فردي، أقرب ما يكون إلى زعيم قبيلة، وليس إلى رجل دولة، تؤازره مؤسسات ناظمة ومستقلة.
وتحولت قضية الصحافي السعودي، جمال خاشقجي، لجوكر سياسي، وورقة ابتزاز إعلامي، أكثر من كونها مجرد قضية جنائية عادلة ومحقة، وذات رائحة سياسية، وبدا تناول القضية أشبه بحفلة هستيرية عالمية، وصادف أن مقتل خاشقجي حدث على مقربة من موسم انتخابي أميركي، وبحالة عداء عميق بين الجمهوريين، رهط الرئيس ترامب، والديمقراطيين، خصومه الألداء، فصار العداء للسعودية، حليفة ترامب، جزءاً من استهداف ترامب. أما موقف «الجزيرة» وأخواتها، والمنصات الإعلامية الإخوانية، فهو معروف في ظل تشكيل بن سلمان رأس الحربة في محاصرة قطر، وإجهاض المشروع الإخواني في المنطقة. ولنتذكر أن جمال خاشقجي كان من أبرز دعاة قيام تحالف سعودي- تركي، وضمنيا إخواني، على رغم التباين الشاسع في الرؤى بين البلدين، والذي لم يبلغ حجم القطيعة، خصوصاً أن تركيا أصبحت الملاذ الأخير للإخوان المسلمين، بعد سقوط نظام محمد مرسي في مصر.
وقد قارن ضاحي خلفان، نائب رئيس شرطة دبي، بين أسلوب التفاعل المحدود الذي تعامل معه «احرار العالم» مع مقتل محمود المبحوح، القيادي في حركة حماس، وبين التفاعل العالمي على مقتل الإعلامي السعودي، جمال خاشقجي: «أحرار العالم من قادة أوروبا وأميركا ما وجدناهم يتحدثون عن معاقبة قتلة المبحوح لأن خصومته مع إسرائيل لكن رأيناهم شرفاء جداً في الدفاع عن خاشقجي..هؤلاء إنسانيتهم تعبر عن مصالحهم لا عن مشاعرهم الإنسانية.
ولعب أردوغان لعبة مشبوهة منذ الإعلان عن اختفاء الخاشقجي، فقد سربت أجهزته الأمنية معلومات عن أدلة بالصوت والصورة، بحوزتها لكيفية قتل الصحافي بتعمد وإصرار، ثم تقطيع جثته في القنصلية السعودية، وكانت قناة التسريب الرئيسية صحيفة «صباح» شبه الرسمية التي تملكها شركة يديرها صهر الرئيس التركي.
 والحال أن مصداقية الرئيس التركي محدودة جدّاً في الحقيقة في نظر كل من تابع انعطافاته التي لا تحصى، سواء في السياسة المحلية التركية أو في الملف السوري أو أخيراً في شأن الإفراج عن القس الأميركي. 
ومن بين ردود الفعل المصدومة إزاء موت خاشقجي، يقف الأمير تركي الفيصل كحالة خاصة. قال الأمير، الذي يعد بمثابة أحد أعمدة المؤسسة الحاكمة السعودية، خلال مقابلة أجريت معه إنه يشعر بـالصدمة حيال خسارة خاشقجي، الذي لطالما حظي برعاية تركي الشخصية، وكان مستشاره الشخصي، لكنه يقف خلف الملك سلمان وولي العهد خلال هذه الأزمة..
 وتهكم تركي على من يظنون أن تغييراً سيطرأ على ترتيب ولاية العرش، في إشارة إلى التوقعات التي أطلقها البعض حول إمكانية استبعاد الأمير محمد بن سلمان من ولاية العهد. وأضاف تركي ان السعوديين في الواقع يدعمون ولي العهد بسبب الهجوم الذي يتعرض له حالياً، وكلما زادت الانتقادات الموجهة لولي العهد، تنامت شعبيته داخل المملكة. وهذا لأن السعوديين يشعرون بأن قائدهم يتعرض لهجوم ظالم من جانب وسائل الإعلام الأجنبية، وبأن ثمة شعوراً لدى السعوديين بأن هذا الهجوم يستهدف السعودية والعائلة المالكة، وليس محمد بن سلمان فحسب.

لنــا كلـــمة
كاريكاتـــــير