شبكة نوى
اليوم الاربعاء 14 نوفمبر 2018م11:32 بتوقيت القدس

وعد بلفور،،، ظلم تاريخي ما زال يعيشه الفلسطينيون

02 نوفمبر 2018 - 12:27
شيرين خليفة
شبكة نوى:

غزة :

"نعم أعرف ما هو وعد بلفور"، بهذه الكلمات استهلت الطفلة سجى شاهين "14 عامًا" من مخيم جباليا للاجئين الفلسطينيين شمال قطاع غزة حديثها، وأضافت إنها تعلمت ذلك في المدرسة ومن أهلها.

تقول سجى :"صحيح مرّ 101 من الأعوام على وعد بلفور، ولكن علينا كأطفال فلسطينيين أن نعرفه جيدًا، فبسببه أصبحنا لاجئين ونعيش في مخيمات حتى الآن، بعد أن كان أجدادنا يعيشون في بلادهم، أنا مثلًا أجدادي هاجروا من قرية بربرة، لم أرها ولكن أعرف الكثير عنها مثلما أخبروني".

وعد بلفور هو اسم تصريح وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور عام 1917 بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين والذي أرسله إلى صديقه اليهودي روتشيلد، ولم تكتف بريطانيا بهذا الوعد بل إنها سهّلت وصول اليهود إلى فلسطين أثناء الانتداب البريطاني وعلى مدار 30 عامًا حتى قيام ما عُرف لاحقًا بدولة إسرائيل بعد تدمير آلاف المدن والقرى الفسلطينية وقتل آلاف الفلسطينيين.

عودة إلى سجى التي كانت تتحدث برفقة مجموعة من زميلاتها عن وعد بلفور الذي تسبب في مأساة ملايين الفلسطينيين حتى الآن، والتي تقول:"نحن تحتلنا إسرائيل ولكن السبب في ذلك هي بريطانيا التي سمحت لهم بالهجرة إلى بلادنا".

جريمة بريطانية

والحقيقة أن بريطانيا تسببت وبشكل كبير إلى جانب قوى دولية في تقديم فلسطين على طبق من ذهب للعصابات الصهيونية وصولًا إلى النكبة عام 1948، تقول الناشطة السياسية هدى عليان إن هذا الوعد المرفوض من قبل الشعب الفلسطيني هو أبشع انتهاك ارتكب بحقنا، فقد تسبب في تشريد الفلسطينيين وتوزيعهم على دول الشتات، والعالم بأسره وليس بريطانيا فقط يتحمل مسؤولية إنهاء معاناة الشعب الفلسطيني.

وتؤكد عليان إن وعد بلفور المشؤوم والذي يتوافق مع صفقة القرن اليوم باستكمال القضاء على ما تبقى للشعب الفلسطيني من آمال في إقامة دولته المستقلة، وهو وعد كان هدفه تعزيز مشاعر يهود العالم وخاصة أمريكا للتعاطف مع بريطانيا لتسيطر بدورها على الأماكن المقدسة في فلسطين وتأمين قناة السويس إلى الهند بعد الحرب العالمية الاولى، ونحن بعد أكثر من مائة عام لا نملك إلا النضال بكل الطرق ضد الاحتلال.

وتضيف عليان :"بريطانيا مطالبة بالاعتذار، ودعم حقنا في الحصول على دولة كاملة السيادة وتعويض اللاجئين"، واعتبرت أن الدبلوماسية الفلسطينية أيضًا مطالبة باتخاذ المزيد من الخطوات الضاغطة على المملكة للاعتراف بالخطأ التاريخي الذي ارتكبته.

وأمريكية أيضًا

من جانبه تحدث الباحث والمؤرخ د.ناصر اليافاوي، عن المرحلة التي سبقت وعد بلفور، إذ كان للولايات المتحدة أيضًا دور فيه، فأثناء الحرب العالمية الأولى (1914) سعى سياسي أمريكي بارز اسمه مستر آيس للضغط باتجاه المشاركة في الحرب ولم يجدوا أمامهم سوى اللوبي الصهيوني، فعملوا على إرضاء اليهود من خلال وعد بلفور، وهذا الرجل هو من أتباع المسيحية الأنجليكانية التي تحمل فكر أن وجود إسرائيل يمهد لظهور ما يسمى المسيح المنتظر والخلاص يكون عن طريق اليهود، الذين سعوا لإرضائهم كونهم يملكون مفاتيح اقتصاد العالم متمثلة في أسرة روتلشيد.

وأضاف أن أسرة روتشليد لعبت دورًا في تدشين أول كيان سياسي نظري لإسرائيل، حين قدّم بلفور وعده لروتشيلد خلال حفل حضره دهاقنة الفكر الصهيوني والماسوني، تم إصدار الوعد وتوجيهه لعائلة روتشيلد الغنية لأن العامل الاقتصادي كان مهمًا فهم بحاجة لليهود لتمويل الحرب العالمية الأولى، والثاني سياسي إرضاء لليهود وللتخلص من بعض المدارس المسيحية التي ظهرت في أوربا آنذاك.

وأوضح اليافاوي إن وعد بلفور تمت الإشارة إليه في اتفاقيات سايكس بيكو  و سان ريمو واتفاقية سيفر ولم يذكر التاريخ هذا بشكل كامل، وعيّنت بريطانيا اللورد هربرت صموئيل كمندوب سامي لها والانتداب تعني حسب قرار عصبة الأمم تجهيز سكان البلد إداريًا وسياسيًا لإقامة دولة، وبقراءة جيدة لمبادئ الرئيس الأمريكي ولسون وقتها والتي تدعي مبدأ حرية الشعوب في تقرير المصير، فهم كانوا يجهزون اليهود وليس الفلسطينيين، فهناك بند يقول أن على الدولة اليهودية أن تحمي حقوق الأقليات من غير اليهود، فهم اعتبروا كل الفلسطينيين أقليات وكان عدد سكان فلسطين حينها قرابة 700 ألف، وهذا تناقض في مبدأ عصبة الأمم.

وشرح بأن الانتداب البريطاني أعدم الفلسطينيين فقط، وعند اعتقال القادة محمد جمجموم وعطا الزير وفؤاد حجازي كان موشيه ديان معتقلًا معهم ومعه بعض اليهود كنوع من الادعاء البريطاني أن هناك موضوعية في اعتقال المشتبكين، ولكن تم تهريب ديان على يد هربرت صموئيل وإعدام القادة الفلسطينيين الثلاثة، أما ديان نفسه فقد فر الى العراق وانضم للجيش البريطاني وقاتل ثورة رشيد عالي الكيلاني وهناك فقد عينه.

البعد الاقتصادي

أما البعد الاقتصادي الثاني حسب المؤرخ اليافاوي فكان قناة السويس التي أرادت الدول الغنية السيطرة عليها من خلال فلسطين، فمن يتحكم في فلسطين سيتحكم في مصر وقناة السويس، إضافة إلى تأسيس إمارة شرق الأردن (بعد خلاف الملك عبد الله والملك فيصل في الحجاز) وتقديمها للأمير عبد الله عام 1922 كي تستوعب الفلسطينيين حين يتم طردهم من ديارهم وهذا قبل أكثر من ربع قرن على النكبة وهو ما قدمه تشرشل بالأمير عبد الله خلال اجتماع بالقدس عام 1921، والذي أصبح ملكًا عام 1946.

وحول المطالبة الفلسطينية المستمرة باعتذار بريطانيا، أكد اليافاوي أنها لن تعتذر فهذا سيكلفها تعويض الفلسطينيين عن 101 عام من التهجير كما ستتعرض لخطر اقتصادي نتيجة سيطرة عائلة رتشيلد على الجنية الاسترليني، كما أن الاعتذار عادة يقدم للأقوياء ونحن الآن لسنا كذلك في ظل الانقسام والتراجع العربي، ولكن الرئيس محمود عباس يواصل المطالبة بالاعتذار لإحراج بريطانيا ودفعها للاعتراف بالدولة الفلسطينية.

مزّق الشرق الأوسط

بدورها قالت الباحثة سماح كساب إن وعد بلفور المؤلف من 67 كلمة باللغة الانجليزية، والمتضمن في الرسالة التي وجهها آرثر بلفور الى الممثل الاعلى للطائفة اليهودية البريطانية اللورد والتر روتشيلد من تشرين الثاني/نوفمبر1917 نصراً كبيراً لرئيس الصهاينة في المملكة المتحدة حاييم ويزمان الذي أصبح فيما بعد أول رئيس لدولة اسرائيل، وفتح قبل قرن من الزمن الطريق لإقامة دولة إسرائيل وزرع بذور الصراع الفلسطيني الإسرائيلي الذي ما زال يمزق الشرق الأوسط حتى اليوم.

وأضافت أن بريطانيا مسؤولة عن نكبة الشعب الفلسطيني نتيجة العقلية السياسية الاستعمارية البريطانية التي لم تكن تأبه لإرادة الشعب الفلسطيني، وتعمّدت الخداع والكذب، وتنكرت لعهودها للفلسطينيين والعرب، ومارست على الأرض إجراءات تعلم أنها ستؤدي إلى نتائج كارثية للفلسطينيين، وتعمدت قمع الشعب الفلسطيني، ،،،، فهي تنكرت لمهمتها كقوة انتداب وتعمّدت تبني سياسات ظالمة تجاه الفلسطينيين وتعيين مسؤولين وموظفين بريطانيين مؤيدين للصهيونية في فلسطين.

 في الوقت نفسه؛ رفضت بريطانيا بإصرار تشكيل حكومة فلسطينية ولو تحت إشرافها، كما رفضت عقد انتخابات برلمانية تمثّل بشكل صحيح سكان فلسطين، وتحكمت في كافة الوزارات والمؤسسات السياسية والاقتصادية والتعليمية والقانونية بفلسطين، كما عملت على إعادة تشكيل وبناء النظام القضائي والقانوني بما يتوافق مع سياسة بريطانيا في فلسطين، وبما يعطيها الغطاء لقمع الثورات والانتفاضات، وحرمان الفلسطينيين من حقوقهم، وتسهيل الهجرة والاستيطان اليهوديين، وتحويل ملكية الأراضي وإعطاء الجنسية "الفلسطينية" لكل المهاجرين اليهود كما تذكر كسّاب.

بريطانيا فتحت المجال لليهود لبناء مؤسسات الدولة وتقوية أنفسهم، ومنع الفلسطينيين من ذلك، هي السياسة المعتمدة وغير المعلنة أو غير المكتوبة التي تم تنفيذها. فأنشأ الصهاينة الوكالة اليهودية التي كانت تقوم بمهام مشابهة لمهام الدولة في فلسطين، ومن خلالها تم تطوير البنى الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية اليهودية، وهذا كله يثبت حسب كساب أن الحكومة البريطانية قامت بدور متعمد وبشكل واعٍ تماماً وعن سبق إصرار، بجعل فلسطين تحت أوضاع لا يمكن إلا أن تؤدي إلى أضرار كارثية بالشعب الفلسطيني. وتفتح المنطقة على سلسلة من الحروب والصراعات وسفك الدماء والمعاناة.

وأكدت أن على بريطانيا الاعتذار للشعب الفلسطيني كخطوة أولى على أن يتبع اعتذارها مجموعة من القرارات والسياسات للتكفير عن خطاياها تجاه الشعب العربي الفلسطيني وقضيته، سياسات قائمة على الاعتراف بالدولة الفلسطينية والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والعودة والحرية ومناصرة هذه الحقوق فعلا في الهيئات الدولية خاصة مجلس الامن، وممارسة الضغط المتبوع بإجراءات عملية على الكيان الصهيوني للخضوع للحقوق الفلسطينية التاريخية.

لنــا كلـــمة
كاريكاتـــــير