شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 16 نوفمبر 2018م11:28 بتوقيت القدس

غزة وثنائية العدوان والانقسام

20 أكتوبر 2018 - 07:08
محمد السهلي
شبكة نوى، فلسطينيات:

أزمات غزة جزء من الأزمات الفلسطينية، وحلها يبدأ بالتخلي عن السياسات التي أنتجتها تلاشى الحديث الإسرائيلي عن لزوم تقديم حلول «إنسانية» لأزمات قطاع غزة.وتصدرت التهديدات ضد القطاع عناوين خطاب أقطاب حكومة نتنياهو،ضمن جوقة تنوعت فيها الأصوات والدوافع.
وفي المجلس الوزاري المصغر، كما في اجتماعات الكتل البرلمانية لأحزاب الائتلاف الحاكم،كان واضحاً أن استحقاقات انتخابات الكنيست القادمة شكلت محركاً وموجهاً للكثير من تصريحات مسؤولي الأحزاب تجاه غزة،لأن المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية تقدر جيداً أن تداعيات شن حرب مفتوحة ضد القطاع لن تكون تحت السيطرة.
لذلك، وحتى الآن، تسود القناعة لدى مركز القرار الإسرائيلي أن الضغط العسكري على القطاع وفصائل المقاومة ينبغي أن يجري بالمنسوب الذي يمكن أن يحرك ملفات التهدئة بالوجهة التي يريدها الاحتلال، ضمن معادلة «التهدئة مقابل التهدئة»، دون الاقتراب من وجوب رفع الحصار عن القطاع وأهله.
يشكل وزير الحرب الإسرائيلي نموذجاً لماسبق.فهو يعرف من موقعه الحسابات والتقديرات العسكرية والأمنية حول الخيارات تجاه قطاع غزة ، ويدرك في الوقت نفسه المنحي الذي يدفع باتجاهه قوى إقليمية ودولية بما فيها الولايات المتحدة. لكنه في تصريحاته مؤخراً يعيد إنتاج رؤيته السياسية ويجدد تقديم وبرنامجه الانتخابي بخصوص غزة،عبر«الخلاص» من القطاع وعدم الخوض فيما يطرح من مبادرات سياسية تمر بالضرورة عبر تخفيض أزماته.
وبالنسبة إلى ليبرمان، سيكون على صواب في الحالين.في حال تم التصعيد العسكري ضد القطاع، فسيقدم ذلك على أنه موافقة من قبل الحكومة على الاتجاه الذي دفع نحوه.وفي حال عاد «الهدوء» إلى القطاع، فسيقدم ذلك على أنه تراجع فلسطيني تحت وطأة تهديداته. لكن لايبدو أن الدور الذي يحاول ليبرمان لعبه سيعود عليه بالنفع، وخير دليل على ذلك ماتخرج به نتائج استطلاعات الرأي التي وضعته في المرتبة الأخيرة بـ 6 مقاعد متوقعة في الكنيست القادم، وهو العدد ذاته الذي حصلت عليه عضو الكنيست أورلي ليفي ـ أبكسيس المنشقة عن حزبه.
بالاتجاه نفسه يمضي رئيس«البيت اليهودي» نفتالي بينيت، الذي يدعو إلى اتباع سياسة« القبضة الحديدية» تجاه قطاع غزة، لكن صوته يخفت في اجتماع المجلس الوزاري المصغر وهو يستمع إلى تقديرات المؤسسة الأمنية.
كل من ليبرمان وبينيت يعزفان على وتر واحد، وهو صلاحيات نتنياهو حول قرار«الحرب والسلم» من زاوية تحميله مسؤولية أية تطورات غير سارة بالنسبة لإسرائيل في ملف قطاع غزة. ولذلك، خفف نتنياهو مؤخراً من تهديداته ضد غزة، ووضع تقديرات المؤسسة الأمنية في المقدمة في رهان على نجاح مساعي التهدئة بالشروط الإسرائيلية.
حسابات نتنياهو«الغزية» في موضوعة الانتخابات تأخذ إطاراً مختلفاً عما حسبه كل من ليبرمان وبينيت، وإن كان الاتجاه واحداً.فهو أكثر اتصالاً من موقعه ودوره تجاه مسار«الحل الإقليمي» كما طرح في صفقة العصر. ومنذ بداية إطلاق عناوين الصفقة، قدم نتنياهو أمام الرئيس ترامب التقاطعات الواسعة مابين مبادرته«السلام الاقتصادي» ومضمون الحل الذي تطرحه الصفقة بخصوص حل الصراع ومستقبل الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وفيما اطمأن نتنياهو إلى أن مسألة الدولة الفلسطينية مشطوبة من على أجندة إدارة ترامب،كرس جهود حكومته على تسريع الخطوات العملية لتطبيق الحل الإسرائيلي في القدس والضفة. وتعامل مع قطاع غزة عبر مسار مستقل، رسمته التوافقات الأميركية الإسرائيلية حول أسلوب التعامل مع القطاع.ضمن هذه التوافقات، يعمل الطرفان على «تسكين» الوضع في غزة وفرض التهدئة مقابل تقديم تسهيلات تخفف من وقع أزمات القطاع دون أن يترافق ذلك مع رفع الحصار عنه.

كان ملاحظاً أن جميع الاقتراحات الاسرائيلية لاتؤسس لوضع مريح ودائم لأهالي غزة. بل أن الإجراءات والتسهيلات المقترحة تبقيهم على«عتبة» المطالبة باستمرار هذه التسهيلات.وهذه معادلة احتلالية بامتياز تضع القطاع وأهله بمن فيهم القوى والفصائل الفلسطينية تحت مجهر الرقابة الإسرائيلية. ويتوقع المراقبون ألا توضع هذه التسهيلات في إطار اتفاق ملزم لإسرائيل وبضمانات وازنة، بل ستبقى رهناً بالتقييمات الأمنية الإسرائيلية كما حصل ويحصل في الضفة تجاه العديد من القضايا.
ضمن هذه الرؤية(تجاه مآلات الوضع الفلسطيني)،يقدم نتنياهو نفسه في المشهد السياسي والحزبي الإسرائيلي، ويحرص في خطابه الداخلي على إظهار الانسجام مابين أطراف الائتلاف الحكومي، في الوقت الذي أبقى فيه سهام استهدافاته موجهة نحو المعارضة، كما تبدى خلال افتتاح الدورة الشتوية للكنيست مؤخراً.
يستثمر نتنياهو وحكومته التطابق في المواقف مع الإدارة الأميركية، ويستثمر في الأساس تفاقم الخلافات بين حركتي فتح وحماس تجاه تطبيق اتفاق المصالحة، حتى وصل الأمر إلى طريق مسدود جعل من مسألة التهدئة هدفاً منفرداً عن تحقيق المصالحة، بنظر جهات إقليمية ذات صلة بالملفين.
يمكن القول إن الوصول إلى هذا الوضع المتردي والمعقد كان بسبب التمترس وراء المصالح الفئوية، وتجاوز قرارات الحوارات الوطنية الشاملة والاتفاقات المبرمة التي تم التوصل إليها في هذه الحوارات من أجل إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة. ولقد مرت محاولات استعادة الوحدة بمحطات بدا فيها أن استعادة الوحدة باتت قوب قوسين أو أدنى. لكن التفاؤل السياسي والشعبي بقرب تجسيد هذا الأمر على الأرض سرعان ماتبخر بفعل انفجارات الألغام التي لطالما زخرت بها نصوص الاتفاقات الثنائية بين حركتي فتح وحماس. 

قضايا قطاع غزة وأزماته جزء عضوي من الأزمات الفلسطينية المتراكمة،وحلها بالاتجاه الصحيح يبدأ بالتخلي عن السياسات التي أنتجتها وفاقمتها على الأصعدة السياسية والتنظيمية والاقتصادية ـ الاجتماعية. ولقد خرج المجلسان الوطني والمركزي بقرارات فتحت الطريق أمام مغادرة هذه السياسات،فدعيا إلى تطبيق اتفاق المصالحة بدءاً بتمكين الحكومة الفلسطينية من دورها في قطاع غزة،جنباً إلى جنب مع إلغاء جميع القرارات المجحفة التي اتخذتها القيادة الرسمية الفلسطينية تجاه القطاع وأهله.وعلى الصعيد السياسي، قرر المجلسان وجوب مغادرة اتفاق أوسلو وقيوده السياسية والأمنية والاقتصادية، وفي المقدمة التنسيق الأمني مع الاحتلال وبروتوكول باريس الاقتصادي.كما دعيا إلى مغادرة سياسة الرهان على الولايات المتحدة في التسوية السياسية، والذهاب بدلا من ذلك نحو تدويل القضية والحقوق الوطنية وتفعيل دور فلسطين في المؤسسات الدولية، وتقديم شكاوى نافذة أمام محكمة الجنايات الدولية ضد جرائم الاحتلال وتقديم طلب العضوية الكاملة لدولة فلسطين في الأمم المتحدة.
فكلما مر الوقت دون تنفيذ هذه القرارات، كلما كان الطريق أمام الاحتلال وحلفائه معبداً لتطبيق مشروعهم في شطب الحقوق الفلسطينية.

لنــا كلـــمة
كاريكاتـــــير