شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 16 نوفمبر 2018م11:29 بتوقيت القدس

المجاورة الحكائية: ملتقى الشارقة الدولي للراوي

14 أكتوبر 2018 - 05:53
فيحاء عبد الهادي
شبكة نوى، فلسطينيات:

في لقاء مبدع وخلاّق، في الشارقة، بين 16-20 أيلول 2018، وقبل انعقاد ملتقى الراوي الدولي، الدورة الثامنة عشرة؛ التقى حكّاؤون وحكّاءات عرب مع باحثات وباحثون في الحكاية، وفي القصة الشعبية، وفي التراث، كي يتحاوروا، ويتبادلوا التجارب، ضمن مجاورة حكائية، هدفت إلى طرح موضوع نظري "الحكايات الخرافية"، وموضوع تطبيقي "القص الشعبي".
تم تنظيم المجاورة ما بين معهد الشارقة للتراث، والملتقى التربوي العربي، ومسرح البلد، و"برنامج حكايا" في الأردن.
ما الذي ناقشه المشاركون والمشاركات في الأيام الخمسة المكثفة؟ وهل حققت المجاورة أهدافها؟
انفتح السؤال على السؤال، والفكرة على الفكرة، والتجربة على التجربة؛ ليحدث نقاش جدي وعميق وممتع في آن. تعلّم الكل من الكلّ، عبر النقاش وتبادل التجارب. 
اقترب الباحثون والباحثات من عالم الحكّائين والحكّاءات، لتتداخل العوالم، ضمن تجربة تبادل الأدوار، التي نجح فيها البعض بامتياز، وفُتحت عينا من فاجأته التجربة على الإمكانيات الغنية للتجربة، حيث يدخل الباحث والباحثة عالم الحكاية الثري، ويساهم الحكّاء والحكّاءة في التجربة النقدية للعروض.
على ضوء النقاش الثري؛ انفتحت شهية الباحثين والباحثات للمزيد من البحث، وانفتحت شهية الحكّاءات والحكّائين للمزيد من الحكي. أما معهد الشارقة للتراث فقد انفتحت شهيته لتنفيذ أقصى ما يمكن تنفيذه من أفكار وتوصيات ومشاريع، قبل موعد الدورة القادمة للمجاورة.
*****
لم يشعر المشاركات والمشاركون بالملل خلال ساعات النقاش الطويلة، التي بلغت ثماني ساعات يومياً. لعبت الترويقة الصباحية، والمبارزة الحكائية، والحكاية المرتجلة، والمقبّلات الحكائية قبل الغذاء، ثم الحكاية ما بعد القيلولة، بالإضافة إلى العروض الحكائية القصيرة التي تخللت النقاشات؛ دوراً كبيراً في كسر أي ملل يمكن أن يفكر به، من يقضي ساعات طويلة في غرفة واحدة، للحوار وتبادل التجارب.
استمع المشاركون إلى تجربة المجاورة في مهرجان حكايا في الأردن، وإلى حديث ممتع عن القصة الإماراتية الخرافية وتعدد معانيها، وأطلّوا على موضوعين في المغرب: القصّ الشعبي بين الأماكن الخاصة والعامة، والعمارة والتمثلات العمرانية في الحكايات الخرافية، وناقشوا طويلاً مفهوم الحكاية التراكمية، التي قدمت من الكويت، ومن فلسطين، وسبروا غور الحكاية الشعبية عبر تعريفها وتفريقها عن الحكاية الخرافية والأسطورة "هناك خلط بين الأسطورة والخرافة، الخرافة ليس لها خلفية واقعية، ولا يمكن أن تحدث (مثل جبينة ونص انصيص، وقصص الجان والعفاريت). قصص اليونان عن الآلهة الخرافية. الأسطورة لها جذور في الواقع مع مبالغة". كما وقفوا لدى المرأة/البطل في القص الشعبي، وتعرّفوا إلى رمزية الخرافات والأساطير الأمازيغية الجزائرية بين غربة الحكاية واغتراب اللغة، ووقفوا لدى مقاربات لأداء الراوي الشعبي، لباحث عراقي، والبعد الأيديولوجي للحكاية الخرافية، لباحث من اليمن، وناقشوا طويلاً موضوع الكتابة الخرافية المعاصرة، ضمن تجربة كاتبة من الإمارات، ثم ناقشوا الداء والدواء في فنون الأداء، كما قدمها باحث سوري.
قدّم بعض الحكّائين والحكّاءات سيرة حكواتي وحكواتية. كما عقدت ورشة عمل حول الظاهر بيبرس، بعد تقديم مدخل لسيرة الملك الظاهر بيبرس، تحضيراً لعرض يتناول السيرة.    
*****
كانت هناك مشاركة واسعة، ضمن المجاورة الحكائية لحكّاءات إلى جوار الحكّائين، ولباحثات إلى جانب الباحثين، وكان لافتاً مشاركة النساء الواسعة كحكّاءات محترفات.
هي محاولة لترسيخ مكانة المرأة في الحكاية الشعبية كراوية يتمّ الاعتراف بها، في الفضاء العام.
*****
ما هو السبب في محاولة حصر دور المرأة في الفضاء الخاص؟  لماذا لا تستقر في الذاكرة الشعبية أسماء نساء لهن إنجازات فاعلة في المجال العام؟ 
إذا رجعنا إلى السبب في هذه الظاهرة وجدنا أنها تعود إلى صورة المرأة التي رسخت في الذاكرة، والتي لا تخضع غالباً إلى أسباب منطقية بقدر ما تخضع إلى مجموعة من القوالب الفكرية ذات الطابع الأسطوري.
ربطت الثقافة الشعبية ربطاً محكماً بين شخصية المرأة والخيانة، وبين المكر والمراوغة والخداع. 
كما أن مفهوم "الطبيعة الأنثوية الدائمة" عند الحديث عن المرأة مطبوع بوضوح في أذهان الناس، فالمرأة "ضعيفة"، و"جاهلة"، و"عاطفية"، وهي لا تستطيع التحكم في أفعالها، كما أنها غير قادرة على الاختيار الحكيم، خصوصاً في الزواج، لأنه "إن دشَّروا البنت عخاطرها يا بتاخد طبال يا زمار"، ويقال عن الرجل الضعيف: "مثل المرا".
وفي الأساطير القديمة ترد المرأة والحيّة والشيطان وجوهاً للبطل نفسه، أما بالنسبة لخلق حواء من ضلع الرجل، فهي أسطورة منتشرة بكثرة، على طول الشرق الأوسط، تؤكد سيادة الرجل، وتنقص من مساواة المرأة به، وتوحِّد بين المرأة والحيّة والشيطان والجنيّة. وحين نعود إلى القرآن الكريم، لنبحث عن أثر هذه الأسطورة؛ لا نجد أثراً لها؛ إذ إن الله تعالى يؤكد أن مصدر الخلق واحد، وأنه خلق الرجل والأنثى من نفس واحدة: "يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء" .
ومقابل الأمثال والحكايات التي تعبّر عن ميل المرأة للخيانة، والتي تتحدث عن مكرها ودهائها، هناك حكايات تطرح رجاحة عقل المرأة، وهذا يدل على وجود ثقافة مضادة للثقافة السائدة، تحاول فرض نفسها، وتلعب المرأة دوراً بارزاً في هذه الثقافة، يكاد يتساوى مع دورها المادي، على أرض النضال، من أجل توفير الخبز: "لا يعجبك زينها وبياض خلقتها بكره تيجي الحصيدة وتشوف فعلتها".
وهنا تبرز أهمية نشر هذه الثقافة وترسيخها، حتى تقف في مواجهة الثقافة السائدة، التي نال منها العلم الحديث، وعلماء الأنثروبولوجيا، حين دحضوا نظرية "الطبيعة الأنثوية"، حين برهنوا أن "الأمومة"، و"الأبوة"، مفهومان اجتماعيان.
ولذا من الضروري أن نفرِّق بين الثقافة العربية ككل، التي احترمت النساء، ووثقت إنجازاتهن، عبر العصور، وبين الثقافة العربية، التي رسّخت صورة سلبية للمرأة، الأمر الذي ثبَّت كثيراً من هذه المفاهيم، في الثقافة الشعبية الجماعية، وساهم في تكريس صورة نمطية للمرأة، يصعب التخلص منها.
من الضروري أن نكوِّن نظرة نقدية للتراث، تستبعد صورة الإنسان العربي مسلوب الإرادة، وتستحضر المشرق والمبدع من تاريخ الإنسان العربي وثقافته، وفي القلب منها المساهمة الفاعلة للمرأة العربية في مناحي الحياة كافة.

[email protected]
www.faihaab.com
 

لنــا كلـــمة
كاريكاتـــــير