شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 10 ديسمبر 2018م23:53 بتوقيت القدس

الأونروا.. ليست هوية بل مدرسة أولى

02 أكتوبر 2018 - 12:41
وفاء عبد الرحمن
شبكة نوى، فلسطينيات:

لم أدرك معنى كلمة "لاجئة" إلا حين ألبستني والدتي المريول المقلم بالأبيض والكحلي، وألبست صديقة الطفولة-جارتي- "مزنة" المريول الأخضر.. هي ذهبت مع أخواتها لمدرسة وسط البلد، وأنا ذهبت مع أخواتي لمدرسة على طرف المخيم!

مدرسة الحكومة كانت الأقرب لبيتنا، لماذا لا أذهب إليها؟ ولماذا أمشي في زحمة سوق المخيم لأصل للمدرسة؟ لماذا أدخل المخيم أصلا وانا لم أزره يوماً ولا أعرف أي من طرقاته؟

"لأنك لاجئة" ولأن مدارس "الوكالة/المخيم" أفضل من مدراس الحكومة التي تشرف عليها الإدارة المدنية الإسرائيلية- آنذاك-!

هكذا رد أهلي، ولم أقتنع حين دخلت الصف الأول ولم أجد وجهاً واحداً أعرفه، وفي الاستراحة الأولى كنت وحيدة أبحث عن أخواتي، وخائفة من حميمية باقي بنات الصف مع بعضهن.. "بدي صاحباتي"!

"لا غربة مع بنات المخيم"، اندمجت سريعاً لأن المخيم ليس حجارة مصفوفة ومسقوفة "بالقرميد"، بل هو نظام اجتماعي سلس لا عقد فيه، تدخليه وتصبحين جزءاً منه وكأنك مولودة في الغرفة المجاورة، وهكذا كانت المدرسة مخيم صغير!

فهمت ما قصده أهلي، حين سربت لي معلمتي "ظريفة الزريعي لروحها السلام" في الصف الخامس كتيباً صغيراً عن منظمة التحرير الفلسطينية وقالت إقرأيه ولا تخبري أحداً عنه لأنه ممنوع، ولو صعب عليك شيئا تعالي في الاستراحة وسأشرحه لك، وذهبت لها لأفهم معنى الأغاني التي علمتنا إياها في المخيم الصيفي الفائت "موطني-الجلال والجمال في رباك" و "تموت شريعة هولاكو" و " لا راية بيضا رفعنا يا بيروت ولا طلعنا بهامة محنية" و "من سجن عكا طلعت جنازة" و "دمه عربي وقلبه فلسطيني" !

معلمتي استمرت في تمرير الكتيبات "الممنوعة" والمنوعة بين قصص ودواوين شعر وقصاصات مقالات قديمة، وضمتني للمخيمات الصيفية ومنها انطلقت للتمثيل والغناء في الإذاعة المدرسية وصدقت أنني شاعرة ومغنية.
في مدرسة "المخيم" رسمنا خريطة فلسطين، وتعلمنا جغرافيتها وفهمنا لماذا يتابع أهلنا صوت فلسطين من بغداد ودمشق والقاهرة بصوت خافت وكأنهم يسرقون.. ليتشكل وعينا الأول لمعنى الاحتلال ولمقاومة تأخذ شكل مظاهرة أولى طرية ومرتبكة في ذكرى يوم الأرض من كل عام.
في مدرسة "المخيم" نتعلم طرح الأسئلة التي لا نبوح بها على العلن، ولكنها طريقنا لتلمس الهوية وادراك السياق.. لماذا تغلق الناظرة الأبواب لمنعنا من الانضمام للمظاهرة المتوجهة لمقر الإدارة المدنية في وسط البلد؟ لماذا هذا الخوف في عيون أهلنا؟ ونكبر وتكبر الأسئلة، لماذا تبدو المناهج- المصرية في غزة- كارهة لعلي ابن أبي طالب وإن لم تقل ذلك صراحة؟ لماذا تبرر قتل عثمان بن عفان وتشفق عليه في آن؟ - هذه أسئلة كلفتني الطرد من حصة اللغة العربية في المدرسة الإعدادية-!

مدرسة "المخيم" كانت "الجيم الرياضي" الخاص بنا في غياب أندية البنات، كرة طائرة، وكرة سلة، وكرة طاولة.. حصة الرياضة لم تكن تقل أهمية عن حصة التاريخ والرياضيات.. شاركت في فريق المدرسة للطائرة والطاولة، وأتذكر أننا لم نفز بأي بطولة ولكن المهرجانات الرياضية التي تشارك فيها كل المخيمات كانت مهرجانات وطنية ومناسبات تحيي وعي "الأطفال/الطفلات" بهويتهم/ن وارتباطهم/ن بضمير جمعي يتجاوز أسوار المخيم الواحد غير المرئية..!
لماذا أستحضر تلك الذاكرة؟ لأنها قد تبدو شخصية جداً ولكنها جمعية جداً لما يقارب نصف الشعب الفلسطيني بغض النظر عن أماكن تواجده.. ذاكرة لم تنقطع وستستمر طالما استمر اللجوء الفلسطيني واستمرت المخيمات شاهداً على الجريمة الإسرائيلية والتواطؤ الدولي على مدار سبعين عاماً من اللجوء والشتات والنكبة!

الأونروا: وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ليست من منحتنا تلك الهوية الجمعية، وليست المسؤولة عن الذاكرة التي نستدعيها للمخيم ومدارسه وعياداته الصحية وأنديته الرياضية ومراكز الإغاثة فيه، الأونروا ليست مسؤولة عن تحقيق "حق العودة" للفلسطينيين، ولم تنشأ لهذا الهدف أبداً، كان يفترض أن تكون هيئة مؤقتة إلى حين تطبيق قرار 194 (العودة والتعويض)، ولا يجب أن تعاقب إن تحولت لهيئة دائمة أدامت معها المخيمات وأدامت معها "مؤامرة" استمرار النكبة

الهجمة المتصاعدة على الأونروا، لا تعني اسقاط حق العودة، فهذا الحق لم يكن مرتبطا في يوم من الأيام ولن يكون مرتبطا بهيئة منبثقة عن قرار أممي استدامت بسبب التقصير- والتواطؤ- الأممي في تطبيق قراراتها، الخوف الحقيقي هو إعادة تعريف اللاجئ الفلسطيني ومساومة الفلسطيني لنسف روايته التاريخية مقابل رواية صهيونية تمنح حق العودة لكل من هو يهودي بدخول بلاد لا يعرفها ولا علاقة له ولا لأجداده بها وتحرم الفلسطيني الذي لم ينقطع هو- الحفيد- ولا الأجداد عن هذه الأرض والعودة إليها.

الأونروا ليست من يعطي اللاجئ هويته، فالهوية لا تمنحها هيئة، هوية اللجوء هي ضمير جمعي لمعاناة وألم يقابله تصدي وتحدي وصمود، الأونروا منحت الفلسطيني مخيمات لجوء بشعة حاولت تحسين شكلها والخدمات المقدمة لسكانها فقط.

فلا تجزعوا من الهجمة وفي ذات الوقت لا تكنوا وتناموا، فتاريخ أدائنا "السيء" يجب أن يكون ناقوس خطر يدق، فما قد يبدأ كإجراء بسيط (رغم ثقله وقسوته على الملايين)، إلا أنه قد يتحول إلى مذبحة للاجئين ليساوموا على حقوقهم الدنيا..

حقنا أن نخاف من تحول تمويل الأونروا لمسؤولية عربية يتنصل منها المجتمع الدولي- المسؤول الرئيس عن المأساة وتبعاتها- وحقنا أن نسأل عن وظيفة الأونروا بعد سبعين عاما من العمل "الإغاثي" دون أن يرافقه نظام حماية للاجئين في كل أماكن تواجدهم، حقنا أن نرتعب من إعادة تعريف "اللاجئ" بحجج مالية ونحن ندرك أن الأمر لا علاقة له بالخدمات المقدمة للاجئين بل للرواية التاريخية للفلسطينيين والمظلومية التي لحقت بهم.

من حقنا أن ننتقد سوء إدارة الخدمات لوكالة الغوث التي تعتاش على مأساتنا واستمرارها تماما كما ننتقد أداء منظمة التحرير دون الانتقاص من الوظيفة الأساسية لوجودها، فليس كفرا ولا خروجا عن الوطنية أن يحتج العاملون وأسرهم وأن يطالبوا بتقديم تقارير واضحة للمصروفات في زمن الشفافية والمساءلة، نعم نريد وكالة غوث تتحمل مسؤولياتها دون أن تتحول لعبء على مستحقي الخدمات في ظل التدهور اللامسبوق الذي تشهده أماكن اللجوء كافة.

سأدعم وكالة الغوث لأجل حق آلاف الأطفال الفلسطينيين في مدرسة أولى تؤسس للمستقبل، سأدعم وكالة الغوث لتقدم خدماتها الصحية والاجتماعية لمئات آلاف الفلسطينيين المحرومين في كل أماكن لجوئهم، ولكنها أبدا ليست هوية ولا بطاقة تعريف.. هويتنا الجامعة وحقنا في العودة ليس بطاقة "مؤن"، بل جينات نتوارثها وسنورثها إلى أن نعود.

 

لنــا كلـــمة
كاريكاتـــــير