شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 11 ديسمبر 2018م00:36 بتوقيت القدس

التابوهات تقتل رئيسة مؤسسة حقوقية بالبصرة وملكة جمال بغداد

01 أكتوبر 2018 - 09:02
دجانة أبو الرب
شبكة نوى، فلسطينيات:

ضمن مسلسل الانتهاكات والفظاعة المستمر بحق الإنسان في العالم العربي بشكل عام، وبحق النساء بشكل خاص، اغتيلت امرأتان في العراق خلال الأسبوع الماضي (الأخير من أيلول/ سبتمبر 2018). وأعتقد بالنظر إلى المعطيات التالية أنهما قتلتا، واحدة بسبب السياسة، والثانية بسبب الدين.

 

الأولى سعاد العلي، هي رئيسة مؤسسة "الودّ" الحقوقية، وكانت منخرطة مؤخرًا في المسيرات الشعبية المطالبة بإنصاف أهالي البصرة الذين لديهم مخزون نفط بإمكانه جعل البصرة (جنة)! في حين وصل بهم الجحيم إلى اشتعال ماء الشرب لشدة تلوثه، ما أدى إلى مئات الإصابات والوفيات بالبصرة نتيجة تلوث المياه. وقابلية الماء للاشتعال هذه ليست مزحة، فقد تداولت وسائل الإعلام مؤخرًا، مقاطع فيديو لأهالي البصرة يقدحون ولاعات السجائر بجانب الماء النازل من الصنبور في البيت، فيشتعل الماء. هذا إلى جانب مئات آلاف العاطلين عن العمل والجوعى في هذه المحافظة النفطية، بسبب الفساد والدمار الذي ينخر العراق على شتى الأصعدة.

 

سعاد، نزلت إلى الشوارع وشاركت بالمظاهرات العارمة للمطالبة بحقوق أهل البصرة، وبرصاص الأمن العراقي سقط عشرات المتظاهرين الذين بدورهم أحرقوا مبنى محافظة البصرة واستهدفوا مواقع مهمة مثل السفارات الإيرانية والأمريكية للضغط على الحكومة كي تحسن أحوالهم المعيشية.

أما سعاد العلي التي كانت مؤثرة في هذا الحراك الشعبي داخل محافظتها وظهرت في مقابلات إعلامية من الشارع وسط الجماهير الغاضبة، تطالب بالإصلاح ومكافحة الفساد، فقد اغتالها مجهولون داخل سيارتها في هذه المحافظة التي ناضلت سعاد لإنصافها، استخدم القتلة أسلحة كاتمة للصوت ولم ترَ الكاميرات وجوههم رغم تنفيذ جريمتهم في وضح النهار ما دفع محللون للجزم بأن المنفذين مدربين جيدًا على حمل السلاح وتفادي كاميرات المراقبة، بالتالي اغتيلت سعاد ضمن حملة ممنهجة للقضاء على أبرز وجوه المظاهرات المطالبة بحقوق البصريين.

 

الثانية، تارة فارس، فتاة حالمة، فازت بلقب ملكة جمال بغداد وحصلت على لقب وصيفة ملكة جمال العراق، وهي "مودل" ووجه إعلاني لعلامات تجارية عدة، لها ملايين المتابعين على السوشال ميديا، دائمة السفر والترحال، لا تزور العراق مسقط رأسها كثيرا؛ فهي منشغلة بأحدث موضات الأزياء والمكياج، لأن هذه طبيعة عملها ولأنها فتاة كغيرها من "البشر" تحب الحياة، والحياة ابتسمت لها- لكن مؤقتًا، فهي مواليد 1996 أي لم تتجاوز سنتها الثانية والعشرين.

 

تارة، بالإضافة إلى ما سبق، لها آراء تثير الجدل وصورها الجريئة تفصح عن أسلوب حياتها البعيد عن المفاهيم التقليدية للتديّن، كما تنتقد ظواهر مرتبطة بالدين مثل زواج المتعة، لها آراء متحررة تدعو إلى أن يعيش كلٌ على حريته وهواه بدون أن يقتحم مساحات الآخرين، ليس لها علاقات بالسياسة وربما يعنيها أمر أظافرها أكثر مما تعنيها السياسة، وألف باء حقوق الإنسان أن كل فرد حر باخيار اهتماماته.

لكن؛ يكفي أن تكون تارة جميلةً وفاتنة وحرة في محيطها المصاب بالكبت والهوس الجنسي لتصبح مذنبة وهدفًا للقتل بالنسبة للدواعش الذين لم ينحصروا يومًا بكيان سياسي منظّم إنما هم منتشرون كأفراد في كل العالم العربي بسبب تفسيرات متطرفة للدين الإسلامي، تلقيتُ بعضها في المدارس والمساجد أيام الصغر قبل أن يسمع العالم بتنظيم الدولة الإسلامية- داعش.

تارة، قتلها مجهولون أيضًا، وهي في سيارتها وسط بغداد، بعد تكفيرها واتهامها بالدعارة ونشر الفساد، وبعد التعبير عن القلق من "انحرافها" على "بنات المسلمين" كما عبر معلقون كثر من بين متابعيها الملايين. وفي جولة سريعة على أخبار مقتل تارة عبر صفحات وكالات الأنباء العالمية يلاحظ أن معلقين كثر ما زالوا يشتمونها حتى بعد موتها!

ونوه تقرير لبرنامج "شباب توك" مع جعفر عبد الكريم على الموجة الألمانية الذي يعد من أبرز البرامج المحاربة للأفكار المتطرفة الناتجة عن تصورات دينية بالعالم العربي- إلى أن ناشطات ونشطاء رفضوا الإدلاء بآرائهم وتحليلاتهم في حادثة مقتل تارة خوفًا على حيواتهم، وأخيرًا وافقت ناشطة على المقابلة بشرط إخفاء هويتها الحقيقية، وترى "ماسة" (اسم مستعار) خلال المقابلة مع شباب توك كما  يرى نشطاء عبر السوشال ميديا، كما أرى، أن تارة فارس الجميلة المسالمة البريئة، قُتلت لأنها تلبس وتعيش بحرية فيما يتنافى مع التدين الرجعي المنتهك لأبسط حقوق الإنسان والمستحوذ للأسف على الغالبية المسيطرة مجتمعيا في العراق خاصة، وفي معظم دول العالم العربي.

 

التحقيقات ما زالت مستمرة في اغتيال المرأتين وغيرهما بالفترة الأخيرة في العراق، وغالبًا ستتوصل التحريات إلى اللا شيء في ظل الفساد الذي يعم ويطم هذا البلد الحزين.

لكننا لسنا بحاجة إلى نتائج التحريات لنستطيع القول: العالم العربي فقد أو قتل امرأتين، ذنبهما أنهما جميلتان وُجدتا في مكان قبيح، فمن الحتمي أن يرفض القبحُ الجمالَ؛ كون الثاني أبلغ إظهار للأول الذي لا يستمر إلا بقتل كل ما يظهره. فباستعارة لـ تارة من قول الشاعر "والحسنُ يظهر حسنَه الضدّ"، تارة كانت الضد للقبح، "والقبحُ يظهر قبحَه الضدّ".

سعاد ماتت بسبب الدفاع عن الحق في الحياة بما خالف السياسة السائدة. وتارة، ماتت بسبب ممارستها الحق في الحياة بما خالف الدين السائد، أو بما خالف نمط التدين الخاضع لأحكام العادات والتقاليد البالية.. كله واحد!

 

هذه التفاصيل، كفيلة بحمل الشتائم واللعنات على قتلة هاتين الجميلتين وأفكارهم الموبوءة، أما الحزن فعارمٌ ويخنق بقية الكلام..

 

الراحة والسلام لـ سعاد العلي، وتارة فارس، وكل النساء الكثيرات اللائي يخسرن حيواتهن في سبيل الدفاع عن حقوق الإنسان، وفي سبيل ممارسة هذه الحقوق. خسارة.

لنــا كلـــمة
كاريكاتـــــير