شبكة نوى
اليوم الثلاثاء 16 أكتوبر 2018م01:15 بتوقيت القدس

عشرون عاماً على البرلمان الصوري والقوانين

23 سبتمبر 2018 - 06:08
ريما نزال
شبكة نوى:

يستحيل فتح النقاش حول قانون الأحوال الشخصية دون العودة بالذاكرة إلى تجربة «مشروع البرلمان الصوري» عام 1998. لم تستشهد الفكرة، صالحة وحيّة بدروسها وعِبَرها واحتياجاتها. ما زالت تُشّكِّل أداة قياس ونموذجاً لطبيعة الصراع الذي سينشأ لدى نقاش أو تمرير أو إقرار القانون المذكور، بين الاتجاهات المؤمنة بمجتمع المساواة والكرامة والعدالة وبين الاتجاهات الإقصائية المُستبدة. 
قبل عشرين عاماً، وفي إطار مشروع استهدف فتح النقاش والتوعية حول المرأة والقوانين وأهمها قانون الأحوال الشخصية، قامت المعنيَّات بتشكيل برلمانات صورية على أساس المناصفة بين الرجال والنساء، ستة عشرة برلماناً في نطاق ستة عشرة محافظة. في وقت أفرزت فيه الانتخابات التشريعية الأولى عام 1996، مجلساً تشريعياً ضم خمس عضوات فقط من بين ثمانٍ وثمانين عضواً.
المفاجأة أن الأطراف الأصولية لم تتعامل مع المشروع على أساس من صفته المؤقتة..! كما لم تتعامل مع «البرلمان» باعتباره صُورياً.. مسرحية واقعية استشرافية، تؤدي شخصياتها أدوارها بِمثالية القيم والمبادئ، بل تم التعامل معه كبرلمان حقيقي يؤدي دوره في وضع القوانين وتشريعها. وفي الواقع كانت تنزع عن البرلمانَيْن، الحقيقي المنتخب والصوري الرؤيوي، أحقية وضع القوانين وتشريعها، بمعنى أن القانون الذي نحن بصدده، لا يندرج ضمن صلاحيات المجلس التشريعي واختصاصه. 
قرروا وأد الفكرة وشُن هجوم على صورة البرلمان وأصحابه، اتهامهم بتغريب الثقافة واستيرادها.. قالوا ما لم يقله مالك في الخمر، لتحريض الرأي العام واغتيال الشخصية الاعتبارية للحركة النسائية. 
بعد عشرين عاما ننطلق مجددا نحو القانون، في ظروف أخرى مغايرة، ليطرح السؤال نفسه، ماهية الثوابت والمتغيرات بعد عشرين عاماً..والأصوب ربما سؤال التغيرات الاجتماعية بعد ربع قرن من تأسيس أول سلطة فلسطينية لها صلاحيات إصدار القوانين، التغيرات على البيئة الاجتماعية والسياسية، لجهة الاجابة عن القدرة على الدفع بقانون عصري وديمقراطي، ينطلق من المرجعيات الفلسطينية والكونية التي صادقت عليها الدولة منشئة التزامات..لجهة فحص المعالم والسمات ونقاط القوة والضعف في أبعادها المحلية، والتدقيق في تأثير التحولات الخارجية الجارية في المحيط العربي على الواقع المحلي..! 
في الإجابة الأولية، لا بد من ملاحظة أثر الانقسام على البيئة الاجتماعية والسياسية، ملاحظة عمليات التحول والانتقال باتجاه مظاهر أسلمة المجتمع التي بدأت بالاتضاح بموازاة حسم السيطرة والهوية على قطاع غزة، وامتداد الأثر في الضفة الغربية.
لقد ضاعف الانقسام من مشاعر الشحنات الدينية لدى أطراف الانقسام، الطرف العقائدي كان معنيّاً بإظهار الهوية الأيدولوجية لتبرير الانقسام من الزاوية الفكرية والاجتماعية، بعد تقديم تبريره السياسي. وفي سبيل ذلك، ذهب نحو توضيح الهوية من خلال التشدد في مظاهر الدين على حساب محتواه ومقاصده الإنسانية. صدور تعاميم بإلزامية اللباس الشرعي: في المدارس والجامعات والمحاكم ومنع الاختلاط وصولا الى وضع قانون العقوبات من منطلقات ماضوية غير متبعة باستثناء السعودية. 
في الطرف الآخر، نجد أن بعض رموز السلطة الفلسطينية في المؤسسة الدينية، تعلن عن احتكارها مسؤولية اصدار قانون الاحوال الشخصية..إعادتنا إلى مفهوم أصحاب الاختصاص ضمن المفهوم الماضوي، في الوقت الذي توسّع المفهوم ليشمل الأكاديميين والمختصين بالعلوم الاجتماعية والاقتصادية وأصحاب المصالح وفي مقدمتهم النساء، وهو الأمر الذي تم إقراره من قبل القوى السلفية قبل عشرين عاما في إطار الصفقة التي تمت في نابلس، بين ممثلات البرلمان الصوري وحلفائهم من الأحزاب والفصائل السياسية في ذلك الحين مع القوى الأصولية..الذي اعتبر أحد مكاسب البرلمان الصوري. 
بعد ربع قرن، لا بد من ملاحظة أثر الانقسام والتشرذم السياسي الذي يُخشى أنه قد تَحول الى ثابت، الخشية من حصول التطبيع مع وجوده، إضافة إلى ثبات أثر الاحتلال الممتد، تتراجع الديمقراطية الفلسطينية نحو الخلف، ومحدودية الأنشطة الخاصة بالمطالب والإصلاح. لقد ساهم الانقسام بخفض مستوى وثقافة المشاركة، وألحق مساساً جوهرياً بمشاركة المرأة في هيئات صنع القرار، تحولت إلى إحدى القضايا الثانوية من قبل الأحزاب السياسية كما في البنى والهياكل الرسمية، في سياق التراجع العام للمشاركة السياسية عموماً.  
كذلك، لا بد من تحديد ما تمخضت عنه التحولات الجارية في المنطقة العربية التي أدت إلى انفجار الصراع الداخلي، بغض النظر عن تداخلاته لاحتياجات المقال وخصوصيته. لقد شهدت التحولات إلى إقصاء النساء عن المشهد العام قبل أن يلتقطن أنفاسهن ويتقدمن بالمطالب والدفاع عنها. وفي هذا المربع، لا يمكن التعتيم، إيجابية حالة الجدل الدائر وطابعه الحقوقي والقانوني والمطالب الاجتماعية التي تحمل عناوين جادة اعتُبِرَت في مراحل سابقة من «التابويات»، نقاشات الدولة المدنية وفصل الدين على الحكم.. 
هل من طريق أقصر للوصول للتطلعات..انه ما يجدر الذهاب إليه ونحن نُطلق فيه الجدل لاستكمال الجهد الذي وصلنا به إلى وضع مسودة أولى لقانون للأحوال الشخصية الموحد..وحتى ذلك الحين، ينبغي بناء التحالفات المنسجمة مع الرواية والرؤية.
هل من ضوء في نهاية النفق؟ حتى ذلك الوقت سيتحرر الكثير من الحبر، لأن العمل ينبغي أن يتم بالفضاء العام، الاشتباك الفكري الراقي.. لا يوجد ما نخاف منه في ابتغاء الحرية والكرامة والتغيير.

لنــا كلـــمة