شبكة نوى
اليوم الثلاثاء 16 أكتوبر 2018م01:53 بتوقيت القدس

بعد أن غيبه الموت

"نوى" تعيد نشر مقابلة صحفية مع الراحل (خيري منصور)

19 سبتمبر 2018 - 05:59
محمّد السمهوري
شبكة نوى:

غيب الموت، أمس الثلاثاء، الشاعر والكاتب الأردني من أصل فلسطيني خيري منصور، بالعاصمة الأردنية عن 73 عاما.

ونعى الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب منصور: "إن رحيل خيري منصور خسارة كبيرة للأدب وللصحافة والثقافة العربية بشكل عام، فقد ظل صادقا متمسكا بمبادئه ووفيا لقناعاته حتى لحظة رحيله، كما عبر عن القضية الفلسطينية التي أثرت على قصائده وعلى إنتاجه الأدبي والنقدي والثقافي".

ولد منصور في قرية دير الغصون الواقعة قرب طولكرم عام 1945، وأكمل دراسته الثانوية في الضفة الغربية قبل أن يلتحق بالجامعة في العاصمة المصرية القاهرة. من أبرز دواوينه الشعرية (غزلان الدم) و (لا مراثي للنائم الجميل) و(ظلال) و(الكتابة بالقدمين).

ومن أبرز مؤلفاته النقدية (الكف والمخرز) وهي دراسة في الأدب الفلسطيني بعد عام 1967 في الضفة والقطاع و(أبواب ومرايا: مقالات في حداثة الشعر) و(تجارب في القراءة).

 إليكم المقابلة:

 

الكاتب والمثقف الفلسطيني خيري منصور

القاهرة اعادة انتاج وعي المدينة في داخلي

القسوة قشرة صلبة تخفي نعومة مريرة

فلسطين من أعسر الاختبارات التي قدمها التاريخ للمثقف والناشط السياسي في العالم

حوار – محمد السمهوري

يعتبر الكاتب والمثقف الفلسطيني خيري منصور من ابرز الاصوات الفلسطينية الشمولية في الثقافة العربية، حيث انعكست ثقافة المدن العربية واخرها القاهرة الذي عاد لها ليتقط ذاك الفتى الذي درس فيها ويمضي مكملا فعله الثقافي والانساني من مدينة تفتحت مداركه على الحياة ومسيرة نضوجه المستمر فيها.

في هذا الحوار المتعدد الاطراف والافكار يكشف المثقف والشاعر والكاتب خيري منصور عن جوهر الثقافة الشخصية حين تلتصق بالسياق الحياتي وتشتبك مع اليومي، فمثقف بحجم الكاتب خيري منصور يختصر الازمان في تجارب وعِبر فلسفية تناقش ماهية الحياة والظروف التي يعيشها الانسان العربي والعالمي، فهو القارىء النهم لما انتج من ثقافة عالمية وعربية على وجه الخصوص، وهو الذي يلم في قصيدته او مقالته الكون باحثا عن حل لازمة، واضعا رؤاه الفكرية والثقافية كبعد انساني ضد العذابات التي نالت من الانسان وكرامته.

 في هذا الحوار يتناول حياته وثقافته وافكاره ومدنه وكتبه ويضعها تحت عين القارىء، انها حكاية جمر الكتابة ووهج الفعل الثقافي الانساني تختصر في مسيرة قامة ادبية عربية يبدأها بحديثه عن مسقط الرأس والحليب الاول والطفولة التي لا تنتهي هناك في قرية دير الغصون في مدينة طولكرم "علاقتي بالمكان اشكالية، لسبب اساسي انني قروي، حدث اول اشتباك بيني وبين اصغر مدن العالم (طولكرم)، وهي مدينة بجانب قريتي (دير الغصون)، حين اكتشفت وجود مقهى وسينما ومكان لبيع الصحف".

المدن لاول مرة والاشتباك الذي لن ينتهي فيما بعد والذاكرة التي ستستمر في تسجيل الاحداث الشخصية والعامة كما يقول "كانت الصورة عن المدن لدي قاصرة، وكان الاشتباك مع العاصمة المصرية (القاهرة) اواخر الستينات، فتبادلنا اعادة الانتاج، هي اعادة انتاج صورة المدينة في ذاكرتي، وانا اعدت انتاج وعي المدينة في داخلي، على الرغم انه سائد في تلك الايام مديح المدن الكبرى، وحقيقة الامر ان السبب كان ترجمة اعمال شعرية انجليزية يهجوا فيها الشعراء المدن العملاقة، لأنها تسحق الانسان".

القاهرة اذن هي المكان والزمان المضيء، وهي المحج لكل كاتب وطالب علم ومعرفة كما يوضح الكاتب خيري منصور هنا علاقته بالقاهرة "بينما المدينة العربية لم تكن استكملت الاضاءة في ضواحيها، ثم عثرت منذ الاتصال الاول في المدينة على ان في تكويني الشخصي نزوع نحو حرية وافاق لا تفي بها القرية. لأن في القرية الناس تعرف بعضهم، لهذا نتجول الى زنزانة، المدينة عكس القرية تتعامل معك انك نكرة، دون أي وزن لأي ردود افعالك وتجليك".

ويقول في هذا السياق "المدن لها ظاهر متشابه. هو الظاهر السياحي والخدمي.. فنادقها، شوارعها، مؤسساتها، معالمها السياحية، هذا كله مرمي على قشرة المدن".

ويوضح "لكن في جوهرها مختلف ولكل مدينة مفتاح سري قد تملكه امرأة او مثقف، هناك اناس يعيشون ربع قرن في مدينة لكنهم لم يلامسوا حقيقتها، العلاقة مع المدن قد تكون عذرية، اذا احتفظ القروي ببكارته، هناك مثل انجليزي يقول (من السهل ان اخرج من القرية، لكن من يخرج القرية مني".

اكتشاف المدن يبدأ من الروائحها "وللمدن روائح، تصور ان يفتح باب الظائرة.. للمدينة روح تتكشف في روائحها، في مدريد يتدفق التبغ الى انفك، في المدن الصغرى في فرنسا يتسلل الياسمين، ومدن ترسل لها زفير مطابخها".

المدن بالنسبة للشاعر منصور هي نساء، منها يتعرف المرء على جوهر المدينة ويكتشفها ويبني حواره معها "ثمة شبه عميق بين المدن والنساء، ولا بد ان تتفاعل في سمات كل منهما كي تتعرف على الجوهر الحقيقي، لأن كما تستخدم النساء المساحيق، المدن ايضا تستخدم الاقنعة والمساحيق، واحيانا يكفي ان تقشر الرخام لنكتشف اعشاش الدود في الجص، ويصعب ان تسأل شخص ما هي مدينتك، الصوفي العربي قال "اغلى المدن تلك التي نسيت فيها قلبي" وانا لست صوفيا انا انسان حسي حتى النزيف لذلك اغلى المدن تلك المدن التي نسيت فيها صباي، أي تلك التي فرطت عنقود العمر".

ويتابع في هذا الجانب موضحا "ولتبديد الالتباس احب ان اقول مفهوم المدينة في تاريخنا العربي الاسلامي، هو لغير صالحها، فقد هجاها منذ نشؤها المتدين والحاكم والرحالة، باعتبارها مفسدة، وحسب دراسة للدكتور طريف الخالدي (ام القرى هي ام المدن)، المدينة منظور لها بارتياب لهذا لم تتشكل الان طريق الحضارة العربية الاسلامية، سواء في بغداد العباسية، او فيما تبقى من الشام المهاجرة التي نسميها اندلسا، الشام المهاجرة لأن الروح الاموية في ذروة عنفوانها تقطرت في ذلك الفتى (عبد الرحمن الداخل او صقر قريش) فشيد دولة خارج النطاق الجغرافي لعقيدته وامته".

وخلص القول الى انه لا  يعتقد ان هناك عربي لا زال على قيد تكوينه لا يصاب بالدوار وهو يتهجى عبارة (لا غالب الا الله) في السقوف المذهبة في قصر الحمراء.

تنوعت ابدعات وكتابات خيري منصور فمن المقال الى القصيدة الفلسفية والبحث، والكتابة الفكرية ويقول "اعتقد ان أي خطأ مطبعي يحذف الفارق بين الشارع والشاعر، كلاهما مليء بالاوتار، أي خطأ مطبعي يحذف الفارق بينهما، الشارع هو المكان المطلق، لأنه يذهب ليعود بعكس الازقة التي تذهب ولا تعود لهذا هو (المكان واللامكان) يكون فيه الاشتباك البشري في ذروته بين المارة، واجمل ما فيه انه غير مملوك لأحد، لهذا اطلقوا على من لا بيت له (ابن الشوارع)".

وفكرة الشارع بالنسبة للمثقف منصور مهمة يبني عليها الكثير من الاحداث والمواقف وحتى الالتباسات "طالما انجبت الشوارع مبدعين كبار بدأ من هنري ميلر في نيويورك وهو صديق سائقي الشاحنات الى شوارع شارلي بيل الفرنسية التي انجبت ارثر رامبو، الى ارصفة دمشق التي انجبت محمد الماغوط. وارصفة القاهرة وبغداد التي انجبت رواد الحداثة".

ويبين هذه العلاقة بقوله "صلتي في الشارع تتراوح بين وضوح صباحي وغموض مسائي، الشارع عندما يقفر في الليل يذكر الغريب في منفاه، لكنه في ظاهرته المندلعة والمزدحمة يساوي بين الناس، في الشارع لا يعادل ديمقراطية الا ديمقراطية الليل والبحر والموت".

تعريف الاشياء يهدف الى توضيح العلاقات بينها، فالاشياء التي قد لا ينتبه لها احد هي جوهر ما يفكر فيه الاديب الفلسطيني منصور "الفارق بين الشارع والطريق، هو الفارق بين الرقص والمشي، والطريق له غاية، اما الشارع مكتفي بذاته، وفي الحالتين  فإن المسافة سواء كانت في الشارع او الطريق هي الاهم في الوصول، وهذا اجمل ما عبر عنه "كفافي" في قصيدة "الطريق الى هيثاكة" والشاعر بريخت (الطريق الى بيلارس) والطريق هي التي تعد الابرص في الشفاء، والمحروم بالوصال، والفقير بالغنى، لكن تلك المدينة اصابها الزلزال. وانا برأي من الافضل ان نقيم في المسافة، لأن الوعود اجمل من تحقيقها".

الزمن

جوهر الثقافة التي يتكىء عليها المثقف خيري منصور واسع النطاق ومتمهاي في احيان كثيرة مع فكره الوجودي الانساني فتعريف المفاهيم يؤدي الى هضمها واستيعباها والعيش معها ضمن اتفاق مبيت وتصالحي "لنتفق اولا ان الزمن نسبي، وهناك زمن نفسي، مقابل الزمن الفيزيائي، الزمن كإنسان غير فيزيائي على الاطلاق، لذلك ليست له تقاويم منتظمة، يطول فيه اليوم ليصبح شهرا، وقد تضيق فيه السنة لتصبح يوما، بعض الناس الماضي يكون بالنسبة اليهم مستبد بحيث يصابون بنوع من "النوستولوجية" تجعلهم اكثر تمسك بقرائن الماضي، وانا واحد من هؤلاء، اذكر على سبيل المثال ان بعض الشعوب العريقة كان لها طقس يومي هو انها تعقد مأتما لحظة الغسق حين تغيب الشمس، ويموت النهار".

ويضيف "دائما يتردد في ذاكرتي صدى ما قاله ادغار ال مبو (ما مضى لن يعود)، الماضي قد يندفع في الذاكرة لسبب رائحة او نكهة شيء ما، تعرف ان اهم الروايات "البحث عن الزمن المفقود" لمارسيل بروست، كل الرواية لأن انفجر في حلقه طعم كعكة مغموسة في الشاي، انا نفس الشيء يتجمد عندي كل شيء واعود اليها أي الرائحة "الاب، الخيول، الشواء الاول الخ.."، معظم الاساطير في التاريخ كانت تقسم الزمان الى اربع حقب، والانسان يعتقد ان الزمن الاول قد ولى، لأن ايام عافيته مرتبطة بالاول، فالمستقبل كل ما فيه من وعود مرتبط بالموت، الذين لم يموتوا في المستقبل هم الميتون.

الذات

صبي الاسرار هو كتاب السيرة الذاتية للفتى الذي اعاد شريط الذاكرة نحو مسقط الرأس قريته ومدينته الحاضنة لها طولكرم فذاته كما يقول هنا "كل هذا متعلق في طفولتي، واي شيء اتحدث عنه هو تكرار لسيرتي الذاتية (صبي الاسرار)"، في هذا الكتاب سجل كل ما رأه طفلا وصبيا وشابا، اعادت نشره مجلة الهلال المصرية ضمن الكتاب الشهري قبل سنوات. 

الثقافة والكتابة

العربة بالنسبة للكاتب الفلسطيني خيري منصور تحتاج الى اكثر من حصان، فهو متعدد الابداعات الادبية والصحافية "هناك من يقود حصان واحد وباتجاه واحد، وهناك عربات تحتاج الى قطيع احصنة، اذا كان مقصود تعدد انشطة الكتابة فانا لا اجد اطلاقا أي مشكلة في ذلك، خصوصا في الثقافة الانسانية الحديثة، حيث لم تعد حقول المعرفة منعزلة، انا اميل الى القصيدة المثقفة اكثر من الشعر الفطري، بعد عدة الفيات لم يعد بامكاننا ان نكتب كما الانسان الاول، فقد خسر الانسان البكارة في كل شيء، وقد يكون يعيش في اليوم الثامن من اسبوعه التاريخي".

الانثى

يعرف الكاتب منصور الانثى بشكل مختلف عن السائد، "الحضور اللغوي لبعض الظواهر قد يكون غياب حقيقي لها، الانوثة وليست الانثى، انوثة مبثوثة، في الزهرة والوردة، في النسمة "الهواء" في صدى صوت اسمعه من بعيد، في قليل من الملح تنساه ظفرة امرأة على وسادة، في صهيل فرس قلقة في حديقة الجيران، في انين صخرة اصابها المخاض، في قشعريرة في صدع شجرة في بواكير الخريف، في ملمس قميص ناعم ارتديه، في ابتسامة عابرة لشخص لن اراه ثانية، في زغب الليل الاسمر الذي عبثا احاول طرده عن سترتي، في حفيف امرأة جاءت لتقول لن اجيء".

 

الكتابة

البحث عن سؤال الكتابة جدواها هو جوهر تفكير الكاتب منصور، وفي هذا الجانب يقول "كنت لسنوات طويلة ضائع في ثنائية هذا السؤال وهو اما ان اكتب او اعيش لأن العمر لا يتسع لاثنين معا، لكن الكتابة حياة، واذا كنا لا نستطيع ان نمد في اعمارنا فإن المتاح ان نعمقها، فإذا كان النهر لا يقطع مرتين، فإن نهر الحبر يقطع مرات عديدة، الكتابة صرخة، اعانيها في كل مرة كما كانت افتضاض كل مرة لبكارة منها الخوف والمغامرة منذ السطر الاول في أي كتابة ينصهر الرفيق والطريق والزاد، وعليك ان تجترح طريق في غاية او محيط. لكن مهنة الكتابة تعرضت الى عدة اهانات في التاريخ منذ تلبية لاشواق السلطة، او بديلا ضعيفا للفعل، انها الفعل ذاته، خصوصا انني انتمي لثقافة دينيه (كن فيكن) أي ان الكون يستجيب الى الكلمة".

الاعتبار لها مهم في هذا الزمن كما يقول خيري منصور "انها مهنة بحاجة لان يرد لها الاعتبار ما من مهنة مثلها علق عليها الطفيلييون وافسد فيها الطنين الحفيف، انها في الوطن العربي تبدو كما انها حفلة تنكرية، لأن هناك من يزعم ان الغراب حمامة ترتدي ريش السهرة الاسود، الاحاسيس المكثفة، علاقتنا في العالم علاقة وداعية، وانا لست بليد ليكفي انني خالد، انا عابر في هذا العالم. الايقاع السريع هو تعبير عن هذا العبور".

البيت

يرى الكاتب منصور ان البيت فكرة قابلة للتمرد "بحيث يكون اوسع من العالم بما فيه من (الكتب، الموسيقى، الاحلام،) خصوصا في هذه الفترة التي اصبحت فيها التلوث وبائيا (السمع والبصر والحس)، ليس بمعنى ذلك ان البيت صدفة سلحفاة يحملها المرء على ظهره، والعزلة ليست انسحابا الا بالمفهوم المادي الجدلي، لكنها اقتحام لكي اكون على تصادم مع العالم، عزلة مطفأة اسحابية وعزلة عالية مضاءة بسخاء، لا يوجد مسافة في حنيني للاشياء الحديثة، لا احن الى هنا احن الى هناك، لا احن الى هذا، احن الى ذلك، رغم ان هناك انواع من الحنين، وهو الحنين الى حالم يحدث بغير. أي الحنين الى المستقبل، ثمة من تحرروا من احلامهم واخليتهم بحيث يبدون عائدون الى المستقبل ليروا ذكرياتهم عنه، وبالمناسبة المستقبل هو (حاصل جمع ممكنات الحاضر)".

عزلة

العزلة تأخذ اشكالا وتعريفات مختلفة، يجابه الكاتب خيري منصور عزلته بمفهومها المختلف قائلا "لم انسحب من أي مكان، انا حيث انا واعيش كما اريد، لكن ساهمت اوضاع سياسية واقتصادية في خلق مستنقعات للثقافة لا اطيقها، واساسا انا اضيق في الاطر وبالاقواس

والتعريفات".

دبي

ولمدينة دبي وقع خاص لدى الكاتب منصور، فيرى ان بعدا معرفيا تكتنزه هذه المدينة "انا على صلة مبكرة مع نادي الصحافة ومشروع جائزة الصحافة العربية، سواء من خلال لجان التحكيم او المشاركة في الفعاليات المرتبطة بمنتدى الاعلام العربي، وتشرفت بجائزة الصحافة (المقال) قبل 4 اعوام، ان العمران ليس له بعد واحد (الابراج والحديد)، وان العمران له بعد معرفي وانا بالنسبة لي وجدت مشروع المعرفة في دبي اعلى من أي برج من ابراجها، ويسعدني ان تكون لي مساهمة مع العديد من المثقفين العرب في مشروع معرفي سميته قبل فترة وفي برنامج "اهل المعرفة" (مشروع اغاثة لوطن عربي يجب ان يعلن انه منكوب)".

الحدية

المعروف عن شخصية الكاتب منصور حديته في الحياة وهذا ما فسره على نحو مختلف في هذا الحوار "الحدية لها علاقة باندفاع الوعي لمفارقة الواقع، الحدة تولد من افتراض الوعي والواقع، ربما لو كنت اعيش في بيئية اخرى ربما كانت الحدة اقل".

الاستشراق

(الاستشراق والوعي السالب) هو عنوان كتاب خاض منصور فيها بحثا مطولا صدر قبل سنوات حاكى وقدم تفسيرات حول اشكالية الاستشراق "الاستشراق فيه شيء ايجابي، لدي اهتمام مبكر في الاستشراق (الشرق – الغرب) هناك مسألتنا ساهمت في تحريضي حين وجدت اطروحة مبكرة عن الاستشراق "عمر فاخوري/ 1929) لم يهتم فيه احد، علما ان بعض الاطوروحات موجودة. اثاراني لدى ادوارد سعيد التعميم الكولونيالي، علما ان هناك استشراق ومنه الالماني منهجي وايجابي، كان البحث في كتابي "الاستشراق والوعي السالب" عن الفوارق، والجانب الاخر وهذا ما اعنيه في الوعي السالب هو ما يبرأ الشرقيون والعرب من اراء المستشرقون عنهم، واول ما نبهني الى ذلك الدكتور فرانس فانون في كتابه "المعذبون في الارض" والمفكر الجزائري مالك ابن نبي، الاثنان عالجة ظاهرة التبني التي تمارسها الضحية، او نتماها مع الافكار، وصورتها في مرايا الاخرين".

واضاف حول هذا الموضوع "وكان من الطبيعي ان يعطي اهتمام خاص في اواخر القرن التاسع عشر، وهو عقلانية، لكنها تعرضت لعدة اجهاضات متعاقبة، بحيث تبدو الان كما لو انها بحاجة الى احياء، وكان من الطبيعي في كتاب كهذا ان استعرض كتب الرحالة الاوروبيين الى العالم العربي من امثال "نيبور، وادوارد لين، والروائي الفرنسي فلوبير في رحلته الى مصر، واخرين" مهدت بعض تلك الرحلات لطلائع الغزو للمنطقة وخصوصا حملة نابليون على مصر، وساهمت تلك الكتب والرحلات في صياغة صورة اسطورية للشرق، وهذا ما يسميه ادوارد سعيد "الشرق بدعة الغرب" أي ان الشرق ابتكر في خيال الغرب".

ثنائية الحياة والكتابة

هو عنوان كتاب صدر هذا الكتاب عن دار الهلال ضمن سلسلة نشر الكتاب الشهري، يقول عنه  "كنت افكر منذ زمن بكتابة تجاربي في القراءة قبل تجاربي في الكتابة، انا قارىء اولا وربما اخيرا، وقمت في هذا الكتاب بتخيل سيناريوهات لاعمال روائية ومسرحية، اشارك فيها المؤلفين بحيث اهدم الجدار بين النص والمتلقي، ويصبح المتلقي شريكا في النص وليس مستهلكا له، من امثلة الاعمال التي قدمتها (وداعا للسلاح/ ارنست همنجواي) و(رباعية الاسكندرية/ لورانس درل)، ومسرحية اسبانيا (كاسونا) ورواية (الغريب/ البير كامي) وغيرها، تجربة كانت طريفة، ففي الغرب حظيت القراءة ربما اكثر من الكتابة بان تتحول الى تجارب في المشاركة واعتقد ان هذا الكتاب يندرج في هذا السياق، واتمنى ان يكتب المثقفون العرب عن تجاربهم في القراءة كما يكتبون عن تجاربهم في الكتابة، لأن الله يحب ان يرى اثر نعمته على عبده ؟"

الحب

وعن الحب يقول الشاعر منصور "ضاقت مسافة الشعر في الحياة بقدر ما اتسعت في اللغة وكأن في الامر تعويض ما. فالحياة المعاصرة ذهبت بعيدا في واقعيتها السلحفائية، بحيث بدت الكائنة ذات الاجنحة مطالبة بالاعتذار عن التحليق، من هنا فقد الحب سحره، ورومانسيته القديمة، اذا كان الموت اكبر بكثير من مساحة القبر، فالحب اكبر بكثير من مساحة السرير".

القسوة

وهنا يقدم تعريفا مغايرة عن القسوة "اعتقد انها خادعة، فانا اول ما تعرفت عليه من النباتات (الصبر) وهي نبته قاسية، وهذه القسوة للدفاع عن هشاشتها وعذوبتها، ولا اظن ان قسوة المحارة مجانية . انها للدفاع هن اللؤلؤة، فالقسوة احيانا تكون قشرة صلبة تخفي نعومة مريرة.

زكم هي هذه اللغة عبقرية، تلك التي جعلت من اللسع دفاعا عن العسل".

 

نشرة اخبار

ويرى الكاتب منصور ان تورط ما يتعلق بنشرة الاخبار مقرون برصده للاحداث عبر اكثر من مقال يومي في غير جريدة عربية "رغم تورطي مهنيا بمتابعة نشرات الاخبار، الا ان قلبي يضطرب في كل مرة، قبيل الاستماع اليها للتأكد من خلوها من أي اشارة، فنحن منذ سنوات محكومين بنشرة واحد تشبه النشرة الجوية، زخات المطر/ رصاص، والرعد والبرق/ صواريخ/ والمطر/ دماء، واذا كان هدنة ليوم واحد من الحروب فهي فرصة لخبر عن الاعاصير والزلازل".

الانتظار

ويرى الانتظار ما هو الا فقد "ادركت اخيرا ان الانتظار لا يكون كما يبدو لنا، لشخص او لشيء بمفرده، واذا كان الانتظار ثقيلا فإننا في اللاوعي ننتظر من القادم كل اللذين انتظرناهم ولم يأتوا قبله، نحن لا ننتظر شيء او فرد، انما ننتظر كل ما فقدناه، لكن ذلك نادر وما ندركه. لأنه مترسب في اللاوعي".

الموت لدينا منه ما يكفي ويفيض.

 

السلطة والحرية

الاشكالية التاريخية والحاضرة دائما بين السلطة والحرية، المثقف والسلطة، وهنا يعرف الكاتب منصور هذا التشابك "ما يغيب عنها احيانا ان للثقافة سلطتها رغم ان سلطة الثقافة في العالم العربي محكومة من الوقف عن التنفيذ وممنوعة من الصرف، سلطة الثقافة اخلاقية، ملتزمة وليست الزامية، بعكس السلطة الالزامية التي هي سلطة السياسة، التي تفقد نفوذها اذا فقدت انيابها، وغالبا ما تنتهي الى ذلك كما ينتهي الذئب العجوز، لقد خسر التاريخ كثيرا بسبب تغيب سلطة الثقافة لصالح السلطة النقيضة، وها هو المشهد امامك، بعد عدة الفيات من الحضارات والعقائد والفلسفات والتطور العلمي، يعاد الانسان الان الى الكهف، والى ثقافة الغياب، ويموت بالمجان وكأن التطور المعرفي والتكنولوجي يقابله تقهقر اخلاقي".

فلسطين

القضية ببعدها الانساني والتاريخي والجغرافي والثقافي وحتى والوجودي هي الوطن الام للكاتب منصور، وهي بالنسبة له اخذت ابعاد متعددة وتفسيرات مختلفة "فلسطين اكبر بكثير من ان تختزن كمسقط رأس، فهي مسقط روح ايضا، وهذا ما يجعلني افهم فلسطينية شاعر مثل (رتسوس او اجلا فلك)، وهذا ما يجعلني اتفهم فلسطينية (جوزيف بوفيه) الفرنسي، فلسطين الان اسم حركي للحرية والعدالة، لهذا هي مستقبل اكثر مما هي ماضي، واذا كنا نتحدث عن حقنا بالعودة اليها، فهذا لا يحرمنا من الحق في ابداعها، فهي قادمة ايضا لأن الانسان الانسان الاكثر انسجاما مع اداميته قادم ايضا، فلسطين واحد من اعسر الاختبارات التي قدمها التاريخ للمثقف والناشط السياسي في العالم، فكل صمت على ما يجري فيها هو تواطأ مع القاتل، وقد يكون من اهم ما انجزه الفلسطينيون بعيدا عن الشعارات هو انهم انهوا تاريخ الضحية الخرساء، فالضحية الان ابلغ من جالديها، وهذا تكذيب لاطروحة الاستيطان، لان فقد الابادة الذي اقترحته الصهيونية على القرن العشرين انتهى، الى خرافة ثامنة في سباعيتها الاسطورية".

ويواصل قوله "رغم اهمية التوثيق المادي والمعنوي لكل ما هو عربي واسلامي في فلسطين، الا ان الحلم يتجاوز الذاكرة وبالتالي يتجاوز المتحف الى الحديقة. فالمتاحف تزار ولا يقيم الانسان فيها، وفلسطين حديقة ومكتبة وروضة اطفال، ودار وسجن ايضا، لأننا لا نريد فلسطين معقمة غير ارضية او يوتوبيا، فالفلسطينيون بشر ايضا ومملكتهم من هذه الارض".

الخيمة والمنفى والعودة هما الثالوث الذي يعيش داخلهم الانسان الفلسطيني كما يرى الاديب منصور "اعتقد ان الثقافة الفلسطينية او الثقافة في فلسطين، تضررت بشكل مزدوج فهي اضافة الى تعدد المنافي وصعوبة الرصد والتراكم، تعرضت الى اعريف اختزال، بحيث يبدو النص الفلسطيني مقروأ قبل ان يبدأ، لأن هناك معجم مقرر على الجميع، وهو ثالوث (الخيمة والمنفى والعودة)، الفلسطيني انسان يعيش تفاصيل الحياة كلها سواء في وطنه او منفاه في الخيمة او في البيت. يعيش الصدق والكذب، يخطأ ويصيب، يحب ويكره، فلماذا يحرم من حريته في التعبير عن كل ما يدور في ذهنه ويصبح مجرد انسان يضع يده على خذه وينتظر العودة".

ويضيف في السياق ذاته "هناك ادب كتب في فلسطين افقر القضية، لأنه تغذى منها، وهناك ادب اغناها لأنه غذاها، دائما اكرر عبارة لارسطو "الكتب اهم شيء في التاريخ .. لكن بعد الانسان" سيبقى الانسان بالنسبة لي هو الذي ينتج الكتب، تأثرت باشخاص، ومفاهيم، ولأنني بدأت القراءة مبكرا وفي مختلف فروع المعرفة يتعذر عليّ تحديد كتاب او بضعة كتب اثرت في تكويني، قد يكون هناك صفحة في كتاب فلسفة من مغامرات الافكار "وايت هيد" مثلا او مقطع في قصيدة فرعونية، او رواية صدرت قبل يومين، سهل علينا ان نعرف حدود البحر، لكننا لن نعرف حدود المطر، الا اذا كان هناك من يدجنون البحر في زجاجات".

كائن ليلي

حياة الكاتب منصور تختصر على الليل، فهو على علاقة غير محببة للنهار، وهنا يقدم تفسيرا لهذه الفكرة "انا لا أعلم اذا كان هناك سبب عضوي لهذه المسالة، وبدأت معي مبكرة. نزوع حميم الى الليل، ربما لأن النهار للجميع، ولكل منا ليله الخاص، وربما لأن الليل يتيح لنا ان نصغي الى اصوات لا نستطيع الاصغاء اليها في ضجيج النهار، وربما لأننا نلتقي مع انفسنا وجها لوجه في الليل، على اية حال، الليل لم يتبدل لأنه مضاء بالكهرباء.. صحيح ان الاشباح قد ذهبت مع الليل القديم، لكن من يتفرغون للسهر يكتشفون بمرور الوقت ان للعتمة اشعاعها، وان للقمر اسرار غير تلك التي تعلنها الشمس".

لنــا كلـــمة