شبكة نوى
اليوم الجمعة 21 سبتمبر 2018م13:31 بتوقيت القدس

موظفو أونروا

بين اللحظات الأولى لقرار الفصل وتقليص خدمات اللاجئين

13 سبتمبر 2018 - 16:35
تقرير : رفيف اسليم - حرره: سالم الريس
شبكة نوى:

غزة:

تخيل أنك جالس على مكتب في العمل أو مع الأسرة في المنزل، يأتيك صوت تنبيهي قصير يعطيك إشارة بأن هناك رسالة إلكترونية نصية قد وصلتك على هاتفك النقال، تفتح الرسالة لتتفاجأ بأن إدارة عملك قد أنهت خدماتك بشكل نهائي أو تم تحويل عقد عملك من عقد ثابت إلى عقد يومي.

في تلك اللحظة، كيف ستفكر؟ وما الذي قد يخطر على بالك؟ أو بالأدق، كيف ستتلقى الصدمة؟!

تحويل العقود

“حسن” شاب متزوج وله أبناء، يقطن في قطاع غزة، يعمل موظفاً في وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين “الأونروا”، منذ 15 عاماً، كان جالساً في منزله يتصفح شبكات التواصل الاجتماعي، فجأة تأتيه رسالة نصية، تخبره بتحويله من موظف بعقد ثابت لنظام العقد اليومي في عمله ببرنامج تقيم الفقر.

رسالة نصية قصيرة، أدخلته في دوامة كبيرة من التفكير وطرح التساؤلات على نفسه “كيف يعني حولوني؟ طيب راتبي أكيد بدو يقل للنص، كيف حوفي التزاماتي؟ وكيف حتمشي أمور حياتي؟ طيب ليش عملوا معي هيك؟”.

“حسن” وهو اسم مستعار، رفض ذكر اسمه حتى لا يتم فصله بشكل نهائي، كان أحد الألف موظف الذين تم اتخاذ قرار الفصل بحقهم مؤخراً، حيث أعلنت الأونروا عن  إنهاء عقود 125 موظفاً بشكل تام، وتحويل عقود 580 موظف آخر إلى نظام دوام جزئي، ومنح 285 موظف الاستمرار بعملهم حتى نهاية هذا العام فقط.

وجاءت هذه التقليصات إثر العجز المالي الذي تحدث عنه “روبرت تيرنر” مدير عمليات الأونروا السابق في قطاع غزة، ومدير العمليات الحالي “ماتياس شمالي”، والمقدر بـ50 مليون دولار، خاصة بعدما أعلنت واشنطن عن حجب 65 مليون دولار من إجمالي منحة قيمتها 125 مليون دولار كانت مقررة أن تدفع لميزانية الأونروا، والتي يستفيد منها أكثر من مليون و300 الف لاجئ في قطاع غزة.

قرار الفصل والتقليصات الأخير بسبب العجز الذي يتحدث عنه مسؤولي وكالة الغوث، لم يكن مقنعاً بالنسبة لـ “حسن”، حيث وصف قرار تغيير عقده بالقرار التعسفي، معللاً ذلك بأن برنامج الفقر مازال مستمراً.

وقال “قضيت نصف عمري تقريباً وأنا أعمل في السلم والحرب وتحت الضغط، لأجد نفسي في النهاية أُقصى من وظيفتي بطريقة مُهينة، عاجزاً أمام دفع التزاماتي التي تقتطع  أكثر من نصف الراتب، والتي ستنهي مصيري بالسجن لأن المَدِينين لن يقتنعوا أن راتبي تقلص للنصف، كما وأنني أُمنع من العمل بوظيفة أخرى”.

فصل نهائي

قد يكون حال “حسن” ومن تم تحويل عقودهم من ثابتة إلى يومية أفضل حالاً من غيرهم –على الأقل في الفترة الحالية-، “جملات حنون” عَملَت كمدرسة في مدرسة دير البلح الإعدادية التابعة لوكالة الغوث طيلة 14 عام، هي متزوجة ولها أبناء، تعتمد أسرتها اعتماداً كلياً على دخلها الشهري.

في الـ25 من يوليو من العام الحالي، أي قبل أيام من الآن، تلقت رسالة نصية إلكترونية تفيد بإنهاء عقد عملها بشكل نهائي دون سابق إنزار واضح وصريح لها من قبل إدارتها، وتقول “وجدت نفسي بين يوم وليلة أفقد وظيفتي كمعلمة، والتي أعيش منها منذ 14 عاماً”.

“جملات” ولأنها كانت تعتقد أنها تعمل في مكان ووظيفة آمنة رغم الظروف الصعبة التي يمر بها سكان قطاع غزة بشكلٍ عام، شرعت مؤخراً في بناء منزلها، وكتبت على نفسها شيكات أقساط لمحال تجارية أخذت منهم أغراض البناء، واليوم هي ملزمة بدفع 3 آلاف دولار خلال الشهرين القادمين، وتقول “لا أعلم الآن من أين سأدفع وما هو المصير الذي ينتظرني إن بقي الحال كما هو”.

وتستغرب لماذا تم إنهاء عقد عملها رغم أن وكالة الغوث لم تلغي خدماتها التعليمية التي تقدمها لأكثر من 240 ألف طالب وطالبة من أبناء اللاجئين في قطاع غزة، متسائلة “هل يعني إنهاء عقودنا نحن المدرسين والمدرسات المثبتين يعني بداية لإنهاء البرنامج التعليمي للاجئين في القطاع؟”.

وبحسب الموقع الرسمي لوكالة الغوث، فإنها تقدم خداماتها التعليمية من خلال 252 مدرسة لقرابة ربع مليون طفل لاجئ، في ظروف قاتمة، وتعلن الأونروا أن سنوات من نقص التمويل أدت إلى إبقاء النظام التربوي في غزة يعمل فوق طاقته.

عقود ليست آمنة

“16 عام وأنا بعمل مرشدة نفسية في وكالة الغوث، 16 عام كنت بفكر عقدي، عقد آمن وصعب حد يفصلني من وظيفتي”، هكذا بدأت “فدوى سبيتان” كلامها بعدما تسلمت قرار فصلها بشكل نهائي كسابقتها “جملات”.

وتقول “لم أتوقع أن أكون ضمن من تم فصلهم مؤخراً من وكالة الغوث، لأنني أعمل منذ أكثر من عقد ونصف كمرشدة نفسية ضمن برنامج الطوارئ نظام العقد A”” وهي عقود آمنة، بحسب علمي، ولكن ما اكتشفته حديثاً لا يوجد شيء آمن في الفترة الحالية”.

“فدوى” متزوجة، وتعيل أسرة مكونة من 6 أفراد، الأمر الذي يضع أعباً كثيرة عليها بشكل شهري ويضطرها الاستدانة في بعض الأحيان لتوفير احتياجاتها واحتياجات أسرتها، ولكن منذ أن صدر قرار فصلها بدأت حياتها تنقلب رأساً على عقب، حيث بدأت مطاردتها من بعض المدينين لها، مطالبين بمستحقاتهم.

وبحسب اعتقادها فإن قرار الفصل الذي تعرضت له هي وزملائها قرار جائر سيؤدي إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والمعيشية لسكان القطاع، وخاصة في حال توقف خدمات برنامج الصحة النفسية الذي تقدمه الأونروا للاجئين، وخدمات الارشاد النفسي والمجتمعي، وتقول “إن لم تتراجع الوكالة عن قرارها، فسوف يتحول القطاع لقبر كبير، ليس لي ولأسرتي فقط، بل لجميع الغزين الذين يسكنوه”.

توقف الخدمات الأساسية

وتعمل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين على تقديم الخدمات الأساسية للاجئين الفلسطينيين “كالتعليم والصحة والإغاثة والخدمات الاجتماعية والقروض الصغيرة وتطوير المخيمات والبنى التحتية”، منذ عقود، حيث تعتبر هي الجهة الدولية المسئولة عن أوضاع اللاجئين المعيشية والمتكفلة بتقديم الخدمات لهم، والسؤال الذي يطرح نفسه الآن، ماذا ستقدم الأونروا في ظل استمرار تقليص خدماتها؟ وكيف ستتأثر تلك الخدمات عقب قرار فصل جزء من موظفيها؟

“آمال البطش” نائب رئيس اتحاد الموظفين العرب في الأونروا، تؤكد إن قرار التقليصات الأخير سيؤدي إلى تراجع الخدمات المقدمة من قبل وكالة الغوث الدولية إلى 50%، خاصة برنامج الدعم النفسي الذي تم إيقافه ضمن أول سلسلة البرامج التي طالتها التقليصات والذي يعتمد عليه أكثر من ربع مليون طفل لاجئ في مدارس الأونروا، مضيفة أنه سيتم أيضاً تقليص أو إنهاء برنامج تقيم الفقر الخاص بالمساعدات الغذائية والذي يستفيد منه أكثر من مليون لاجئ فلسطيني في القطاع.

وحول الخدمات الصحية التي يعتمد عليها غالبية اللاجئين، أشارت إلى أن التقليصات ستطالها أيضاً، وتمثل حالياً بتقليص الأدوية المقدمة لأصحاب الأمراض المزمنة، وفي رأيها أن التخوف الحالي هو أن يضطر المفوض العام للأونروا بتأجيل العام الدراسي، والذي سينعكس سلباً على تقديم الخدمات التعليمية.

وفي رأي البطش، لم تكن الاجتماعات التي عقدتها الأونروا، لبحث أزمتها الاقتصادية تثير قلق موظفيها بالرغم من الأخبار المتداولة في الشارع، حتى تم إرسال رسائل نصية لعدد من الموظفين تخبرهم بفصلهم أو تحويلهم لنظام العقد اليومي لتقلب حياتهم رأساً على عقب خلال لحظة واحدة، ويضطرون لمواجهة مصيرهم المجهول في ظل الأوضاع الاقتصادية الحالية.

وحول فصل الموظفين والطريقة التي تلقوا بها قرار إنهاء خدماتهم، تقول “الوكالة لجأت للتقليصات بسبب الأزمة المالية التي تمر بها، بالرغم من أن فصل الموظفين لن يساهم بحل الأزمة بل إلى تفاقمها، هكذا أعتقد”.

فساد سياسي

قد تكون فعلاً وكالة الغوث لتشغيل اللاجئين تمر في أزمة أو ضائقة مالية، لكن غالبية الموظفين المفصولين لم يكونوا متوقعين أن تقرر إدارتهم انهاء خدماتهم برغم الاجتماعات العديدة التي كانت تعقدها بحث الأزمة، ولم تكن تلك الاجتماعات تثير قلقهم بحسب تعبيرهم.

لكن السؤال الأهم الآن هو، هل فعلاً إدارة وكالة الغوث أخذت قرار فصل جزء من موظفيها بسبب الأزمة المالية التي بدأت تعاني منها مؤخراً؟ وهل يحق لها ذلك؟ وهل يحق للولايات المتحدة تقليص دعمها؟

المحلل السياسي “طلال عوكل”، قال أنه لا يحق لوكالة الغوث الدولية أن تقلص خدماتها المقدمة للاجئين، كما لا يحق للولايات المتحد الأمريكية أن تمنع الدعم المستحق لها، فهذا يعتبر فساد سياسي دولي مرتبط بدولة عدوانية لا تعترف بحقوق الإنسان، كما يعتبر قرارها، تطاول على هيئة الأمم المتحدة ذاتها خاصة في ظل تواطئ المجتمع الدولي مع الأحداث الحالية، والذي يستطيع بالفعل تغطية العجز في نفقات الأونروا لكنه لم يحرك ساكناً.

وبحسب رأي عوكل، فإن قرارات الأونروا الأخيرة هي قرارات موضوعها سياسي بحت، وتخطط له إسرائيل منذ سنوات، وقبل وصول الرئيس الأمريكي الحالي “دونالد ترامب” لسدة الحكم، وقد نجح هذا التخطيط بالفعل مع تواطئ السياستان معاً، مؤكداً على أن وكالة الغوث ومنذ بضع سنوات تعلن عن عجز في ميزانيتها وتقليص خدماتها تمهيداً لوصولها إلى هذه المرحلة ولإنهاء وحصر قضية اللاجئين  الذين خرجوا من فلسطين عام 1948من 40 ألف لاجئ لـ 10 آلاف لاجئ فقط.

ومع العلم أن وكالة الغوث في قرارها الأخير اتخذت قرار فصل ألف موظف من موظفيها في قطاع غزة البالغ عددهم أكثر من 10 آلاف موظف، ولكن يبقى التساؤل مفتوحاً، هل ستتوقف قرارات إدارتها إلى هذا الحد؟ أم ستكون هناك قرارات لاحقة أكثر مأساوية؟ ومن سيقف أمام الفساد السياسي الذي تمارسه الولايات المتحدة الأمريكية ليقول لها، كفى؟

نقلًا عن موقع غزة أون لاين

كاريكاتـــــير