شبكة نوى
اليوم السبت 22 سبتمبر 2018م17:08 بتوقيت القدس

فلسطين تنتصر في باراغواي

07 سبتمبر 2018 - 16:04
هاني عوكل
شبكة نوى:

على الرغم من اعتراف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل أواخر العام الماضي، إلا أن أغلب دول العالم لم تُحرك ساكناً من الموقف الأميركي وفضّلت إبقاء سفاراتها في تل أبيب وعلى أن يخضع مصير القدس بشكل نهائي إلى مفاوضات سلام بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني.
عدا الولايات المتحدة الأميركية التي نقلت سفارتها من تل أبيب إلى القدس في الرابع عشر من أيار الماضي، قامت كل من غواتيمالا وباراغواي بنفس هذا الإجراء ولم تتقدم أي دولة أخرى بنقل سفارتها إلى القدس.
أسباب الفعل الأميركي هذا معروفة للجميع، إذ من المهم تجاوز دوافع الرئيس ترامب للتأكيد على عمق علاقة بلاده مع إسرائيل، علماً أنه لم يتوقف عند هذا الإجراء فحسب، بل زاد عليه بالتشكيك في قيام الدولة الفلسطينية وخنقها اقتصادياً والسكوت التام عن كل الاستيطان الإسرائيلي وإلغاء الثوابت الفلسطينية تباعاً.
الأهم في هذا الإطار من ترامب وسياسته يتعلق بموقف باراغواي التي نقلت مؤخراً سفارتها من القدس إلى تل أبيب، في بادرة وُصفت بأنها صفعة للدبلوماسية الإسرائيلية التي تسعى كل الوقت إلى إقناع الدول من أجل السير حذو الموقف الأميركي.
قرار باراغواي الذي اتخذه رئيسها الجديد، ماريو عبده، شكّل صفعةً قويةً للجهود الحثيثة التي تبذلها تل أبيب من أجل الاعتراف بالقدس عاصمة أبدية لها، علماً أن عبده الذي خلف هوراسيو كارتيس صاحب قرار نقل السفارة إلى القدس في أيار الماضي، ينتمي إلى نفس الحزب المحافظ الذي ينتمي إليه كارتيس.
الإنجاز الذي تحقّق بفعل نقل سفارة باراغواي تقف خلفه وزارة الخارجية الفلسطينية وعلى رأسها الدكتور رياض المالكي الذي التقى بالرئيس عبده وشرح له تداعيات الوضع الفلسطيني، وفي القلب منه وضع القدس والموقف الدولي منها.
فعلاً إنه إنجاز مهم وانتصار يحسب للدبلوماسية الفلسطينية التي تجتهد على الساحة الدولية من أجل تأمين موقف متضامن مع عدالة قضيتها، في الوقت الذي لا تتوقف فيه إسرائيل عن الذهاب شرقاً وغرباً لتوسيع شبكة علاقاتها بالدول.
مثل هذا الإنجاز ينبغي تكراره مع الدولتين، الولايات المتحدة وغواتيمالا، ولو أن فرص المراهنة على الموقف الأميركي تكاد تكون معدومة، في ظل السلوك التصعيدي الذي ينتهجه الرئيس ترامب ضد القضية الفلسطينية.
موضوع الساحة الدولية والاشتباك مع إسرائيل تحت سقفها هو أمر ضروري للغاية، ويحتاج إلى تنشيط دور السفارات الفلسطينية في الخارج لنقل الموقف الفلسطيني الراسخ إزاء الثوابت الفلسطينية وحق تقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة وحقها المشروع في القدس عاصمة لها.
إسرائيل لم تهدأ في السعي إلى تحسين صورتها أمام العالم، وكثيراً ما تستخدم أدواتها الاقتصادية وعلاقاتها التجارية لتطوير مستوى الشراكات مع الدول من شرقها إلى غربها، ولذلك تجدها مع الأسف تحظى بمكانة ومعاملات تفضيلية عند الكثير من الدول.
في بحر الأسبوع الماضي، كان الرئيس الفلبيني يزور تل أبيب ويعلن من هناك عن توجه لشراء السلاح الإسرائيلي بأسعار تفضيلية، وشخص مثل رئيس الوزراء نتنياهو يدرك أن تنشيط العلاقات الثنائية والجماعية مع الدول يأتي من وتر المصالح المشتركة.
الفلسطينيون يدركون تماماً الحاجة إلى توظيف الجهد الدبلوماسي للتصدي إلى السياسات الإسرائيلية التي ترفض الاعتراف بحقوقهم، ذلك أن هامش المناورة الذي يمتلكونه هو أقل بكثير مما تمتلكه إسرائيل.
القصد من ذلك أن السلطة الفلسطينية ترزح تحت الاحتلال ولا يوجد هناك اقتصاد وطني قوي وأوتوماتيكياً لا يوجد تجارة بينية وصادرات بالمعنى الحقيقي، ولذلك فإن سلاح الفلسطينيين بالخارج يكمن في الكلمة ومواصلة النضال الدبلوماسي، هذا إذا أضفنا أن عنصر الاحتلال يفترض أن يُشكّل في حد ذاته ميزةً للفلسطينيين في التأكيد على حقوقهم المشروعة.    
نحتاج إلى لمّ الشمل وتوحيد خطابنا وسلوكنا والتكاتف حتى يمكن أن نقنع العالم بعدالة قضيتنا، إذ صحيح أن الخارجية الفلسطينية كان لها دور ملموس في إقناع باراغواي بتغيير موقفها 180 درجة في مسألة نقل السفارة، لكن ثمة أسباباً أخرى تتعلق بموقف أسونسيون نفسها من نقل السفارة، ساعدت الخارجية الفلسطينية في تحقيق ما تريد.
ربما واحدة من هذه الأسباب متصلة بعدم نقل أي دولة أخرى عدا جواتيمالا والولايات المتحدة سفارتيهما إلى القدس، التزاماً بالقرارات الدولية وانسجاماً مع قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة التي صوتت بأغلبية ساحقة أواخر كانون الأول الماضي ضد قرار ترامب بشأن القدس.
قطعاً اهتزت إسرائيل لموقف باراغواي لأنه يضيء على مسألة أن الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي لا تحدده دولة مثل الولايات المتحدة، أو تصرف فرداني من هذه الدولة أو تلك، بقدر ما أنها خاضعة لإرادة الأمم المتحدة ولاتفاقات دولية تدعو الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي للتفاوض والبحث في ممكنات السلام عبر الخوض بملفات حيوية مثل القدس واللاجئين والمياه والدولة الفلسطينية.
تل أبيب سارعت بعد إعلان عبده إلى إغلاق سفارتها في أسونسيون احتجاجاً، وأبدت انزعاجها الشديد من هذا الفعل الذي قالت: إنه سيؤثر على العلاقات الثنائية بين البلدين، وقد تُقبل على إجراءات تصعيدية على خلفية هذا القرار.
فلسطين بعدالة قضيتها وآخر احتلال استيطاني في جسدها يجعلها قادرة على توجيه اللكمات القوية التي تهز إسرائيل في الداخل والخارج، لكنها مكشوفة على انقسام داخلي لعين يضعها في مرحلة ربما تُصنّف على أنها من أصعب المراحل في تاريخ القضية الفلسطينية برمتها.
الأقرباء من ربعنا العرب على انقسامهم وعلاقاتهم الملتبسة يشككون اليوم في قدرتنا بالفعل على المضي بالقضية الفلسطينية إلى ما تستحقه، فما بالنا الغرب والشرق ودول بعيدة لا تربطها بفلسطين أي روابط سوى أنها تسمع خبرها في الإعلام.
النهوض يستلزم تجاوز الجراحات وعوالق مرحلة انقسامية مؤلمة ونازفة، ولا بد لطرفي الانقسام من تجنب المصالح الشخصية والنظر إلى الأعلى وأن تعود القضية إلى الحضن العربي، لأن فلسطين وشعبها يستحقون الحرية والكرامة، ذلك أن عنوان التحرك الفلسطيني الخارجي وموقف باراغواي يستحق التصفيق ويضعنا في سؤال: ماذا بعد؟

[email protected]

كاريكاتـــــير