شبكة نوى
اليوم الاحد 23 سبتمبر 2018م21:39 بتوقيت القدس

أزمة الثقة تطيح بالعقل السليم

06 سبتمبر 2018 - 07:11
طلال عوكل
شبكة نوى:

على الرغم من أن الفصائل الفلسطينية اتفقت على وقف الحملات الإعلامية حتى يتسنى للجهد المصري، متابعة الملفات الفلسطينية المرتبطة بعضها ببعض شديد الارتباط، إلاّ أن ذلك الاتفاق، لم يستمر ليوم واحد. كل في الساحة الفلسطينية يتربص بالآخر، ولا يترك لنفسه دقيقة للتفكير فيما يقال، وفحص ما إذا كان فيه شيء من الوطنية. إذا كان الفلسطينيون لا يستطيعون ضبط ألسنتهم، ولو لبعض الوقت، فكيف لهم أن يتفقوا على ما هو أهم وأخطر؟ من الواضح أن الأمور عادت إلى نقطة الصفر، فلا تهدئة متفقاً عليها وطنياً، ولا مصالحة قابلة للتحقيق بما أنها المدخل الوطني الطبيعي والضروري لمعالجة كافة المشاكل والأزمات الاجتماعية والمعيشية، والسبيل المؤكد لمواجهة صفقة القرن. القاهرة عادت وأعلنت وقف دورها فيما يتعلق بالتهدئة، وباتت على قناعة بأن المصالحة تحظى بالأولوية الوطنية، لكنها لم تتخل عن دورها وجهدها في متابعة ملف إنهاء الانقسام، الذي يصرح بعض المسؤولين الموثوقين أنه وصل إلى طريق مسدود.
طريق المصالحة مسدود، وكل الطرق الأخرى مفتوحة خاصة فيما يتعلق بإسرائيل، وبالحسابات الفئوية الخاصة، وكلها مرتبطة بالسلطة، سلطة القرار وسلطة المؤسسة، التي يقول فيها الجميع، إنها سلطة بلا سلطة.
البعض عاد إلى لغة مكرورة عن الشرعية، فـ «التشريعي» لم يفقد شرعيته والرئيس فاقد الشرعية، وحماس لن تتخلى عن الحكم في غزة، يتجاهل هؤلاء مدى قوة ومعنى وتأثير الشرعية، ويتجاهلون متطلبات الشرعية إلاّ بعدها الانتخابي، الذي لا يكفي واقعياً، لحيازة الشرعية القادرة على الفعل والتأثير، ثم يتوجع هؤلاء من الإجراءات التي يتخذها الرئيس غير الشرعي من وجهة نظرهم.
بعد ما نشرته الصحافة الإسرائيلية عن لقاء للرئيس محمود عباس مع وفد إسرائيلي من حركة السلام الآن، والذي ضم بعض الصحافيين اندلعت معركة جديدة، لم تكن في حسبان الحراك الجاري حول صفقة القرن.
الحديث عن عرض أميركي لإقامة كونفدرالية بين الأردن والفلسطينيين وأقول الفلسطينيين، وليس دولة فلسطينية، ورد الرئيس على ذلك، باشتراط كونفدرالية ثلاثية تشمل أيضاً إسرائيل، هذا الحديث شكل مادة لإعلان مواقف، والقاء التهم، والتخوين وتقديم التنازلات دون أن يكلف هؤلاء أنفسهم عناء التوقف حول أبعاد العرض، والرد عليه. الحسابات تتم بناء على افتراضات تتصل بالنوايا وليس بالحقائق. البعض أراد من الرئيس أن يقول لا كبيرة وواضحة، في وجه ترامب، وهو لو فعل ذلك، لن يلقى مدحاً من أطراف الصراع والانقسام الفلسطيني. في تحليل أبعاد العرض والرد عليه، نقف على طبيعة التناقض الواضح بين سياستين، السياسة الأميركية تقصد كونفدرالية أو تريد أن تسميها كذلك بين ما يتبقى من سلطة الحكم الذاتي بعد أن تصادر إسرائيل أكثر من 60% من أراضي الضفة المحتلة عدا القدس، وبين دولة الأردن.
ينفذ الرئيس ترامب بالضبط وبأمانة وحماسة منقطعة النظير المخططات الإسرائيلية حرفياً، والتي بات كل الفلسطينيين يدركون طبيعتها، وأهدافها من الألف إلى الياء.
عرض ترامب عملياً يكشف عن فصل آخر لم يتم الإعلان عنه من صفقة القرن، التي تستهدف عزل غزة، وتأهيلها لكي تكون فيها الدولة أو الكيان الفلسطيني، تمهيداً لإزاحة ما يتبقى من الضفة باتجاه الأردن. الرد الذي قدمه الرئيس يعبر عن حنكة سياسية، فاشتراطه أن تكون الكونفدرالية ثلاثية، يحمل طبيعة الرد السياسي الحاسم، وينطوي على استفزاز ومناكفة للطرف الأميركي.
لن يوافق الأردن، وقد جاء رده سريعاً، إذ من غير المعقول أن يضيف إلى الوجود الفلسطيني الغالب على المجتمع الأردني ثلاثة ملايين فلسطيني من الضفة الغربية، وبالتالي فإنه لا يقبل الترحيب بالدب في كرمه. عدا عن ذلك فإن الأردن والفلسطينيين، وكل من يقف على طبيعة المخططات التوسعية الإسرائيلية، يعرف ما الذي سيؤدي إليه تطبيق قانون القومية، والكوارث التي ستلحق بفلسطين والأردن من وراء الممارسة على أساس هذا القانون العنصري، ذلك أن إسرائيل تخطط لسنوات طويلة قادمة.
إسرائيل هي الأخرى لا يمكن أن تقبل بمثل هذا الاقتراح الذي قدمه الرئيس محمود عباس، لا إن كانت هناك دولة فلسطينية، ولا إن بقيت سلطة حكم ذاتي، ولا حتى بدون هذه أو تلك، ففي المساحة الجغرافية التي يشملها اتفاق الكونفدرالية، ستكون للفلسطينيين الأغلبية، الديمغرافية على اليهود وعلى الأردنيين. فوق هذا وذاك فإن الكونفدرالية تتطلب قيام دولة فلسطينية، إذ لا يمكن لسلطة أو منظمة، أن تكون شريكاً، وحتى لو بقي الأمر في حدود علاقة كونفدرالية بين الفلسطينيين والأردن لأن إسرائيل لن تسمح بقيام دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967. المشكلة الأكبر فيما نقل عن حديث الرئيس عباس يتصل بموضوع الثقة برئيس الشاباك والتنسيق الأمني، وهو أمر مخالف لقرارات الوطني والمركزي والتنفيذية ومركزية فتح والكل الوطني، لكن الرئيس عاد وغطى هذا الأمر ببعد وطني حين اشترط للقاء ترامب إلغاء قراراته، وتغيير طاقمه التفاوضي، وكان ذلك تأكيدا على عمق الموقف الفلسطيني من صفقة القرن وتوابعها.

كاريكاتـــــير