شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 19 نوفمبر 2018م11:36 بتوقيت القدس

تقصير رسمي تجاه محاربتها 

مخالفة إنضاج الفواكه مستمرة في غزة  

04 سبتمبر 2018 - 05:54
تحقيق: محمد الخالدي
شبكة نوى، فلسطينيات:

انقضت عشرة أشهر إضافية على علم الجهات المسؤولة في قطاع غزة، بوجود مخالفات صحية في عملية إنضاج الفواكه (الموز والمانجو والأفوكادو)، من دون أن تتخذ أي من الإجراءات الوقائية أو تكبح جماح التجار، الأمر الذي يضع علامات استفاهم كبيرة حول دواعي التقصير عن أداء الدور الرقابي.

وعقب بحث واستقصاء، تبين أنه لم يتم عمل أي تحقيق وزاري من قبل الجهات المعنية خصوصاً وزارة الزراعة حول عمليات الانضاج غير الآمنة في القطاع، مع العلم أن المادة (رقم 2) من قانون الزراعة الفلسطيني، تنص على أن الوزارة ملزمة بتعزيز الأمن الغذائي الفلسطيني، والمشاركة في الحفاظ على الصحة العامة.

غير أنه من الواضح أن هذه المواد ظلت حبراً على ورق، لاسيما في ظل حالة التيه بين المسؤوليات المشتركة بين الأطراف ذات العلاقة في حماية المستهلك الفلسطيني، والتي تشترك فيها هيئات حكومية مختلفة، كوزارة الاقتصاد، والزراعة، والصحة، والهيئات المحلية والبلديات، إضافة إلى النيابة العامة.

ونشر قبل نحو عشرة أشهر، تحقيقا صحفياً مصوراً يكشف عن مخالفة واضحة في إنضاج التجار للفواكه في قطاع غزة، حيث جرى الكشف عن استخدام شركات انضاج الفواكه في القطاع مادة تدعى حجر "كربيد الكالسيوم" التي تمنع عدد من الدول استخدامه، في عملية الإنضاج واستخدام غاز جاهز في اسطوانات غير آمن يدعى "الاستيلين".

ومن المعلوم أن غزة تستورد غالبية الفواكه، عبر الاحتلال الاسرائيلي، وتصل هذه الفواكه غير ناضجة وذلك تجنبا لتعرضها للتلف نتيجة رحلة الاستيراد، بحيث تتم عملية الإنضاج داخل غرف ضخمة أشبه بالثلاجات، ومن ثم توزع على أسواق القطاع .

وحاول بعض أصحاب شركات الإنضاج في حينه تبرير استخدامهم لمواد حذرت منها دراسة صادرة عن جامعة "بيهار الزراعية"- بأنه عائد لعدم توفر الغاز الآمن المسموح به في القطاع والذي يُدعى "الايثلين"، نتيجة منع سلطات الاحتلال.

ويستخدم حجر "كربيد الكالسيوم" من خلال وضعه في وعاء من الماء داخل غرف الانضاج الضخمة للفواكه تحت درجة حرارة معينة، حيت يتم تفاعله مع الماء منتجاً عدة غازات منه غاز "الاستيلين" المشابه لعمل "الايثلين" الآمن، إلا أنه ممنوع استخدامه في عدد من الدول.

وينفي بعض أصحاب شركات الانضاج، مسؤوليتهم عن عملية الإنضاج، متذرعين بأن ملكية هذه الفاكهة تعود إلى شركات إسرائيلية وأنهم يتولون مسؤولية إنضاجها وبيعها لأسواق القطاع. 

وزارة الزراعة في غزة وعلى لسان وائل ثابت مدير عام وقاية النبات، أكدت أن غاز "الايثلين" الآمن في الانضاج متوفر في قطاع غزة، في ذات الوقت الذي أكد فيه مدير التسويق والمعابر في وزارة الزراعة تحسين السقا، أن الوزارة لا تشرف على شركات الانضاج ولا تقوم بمتابعتها.

في السياق ذاته، أكد أسامة نوفل مدير عام التخطيط والبحوث في وزارة الاقتصاد بغزة، بشكل قطعي عدم دخول الغاز الآمن "الإيثلين" إلى القطاع.

ومن الواضح أن التناقض الحاصل في مواقف الأطراف مجتمعة من مسألة استيراد الغاز الآمن من عدمه، يكشف عن وجود خلل في آليات الرقابة.

وفي الوقت الذي قالت فيه بلدية غزة، إنها سعت جاهدة إلى كبح جماح عملية الإنضاج غير الآمنة، لكن شركات الإنضاج لا تقع داخل حدود صلاحية مراقبة مفتشيها، نشر الطب الوقائي في وزارة الصحة بياناً في الثالث والعشرين من أكتوبر 2017، على صفحته على موقع "فيس بوك"، جاء فيه: "في جولة تفتيشية بالأمس واليوم على أماكن إنضاج الفواكه في قطاع غزة تم زيارة جميع أماكن ثلاجات الفواكه التي تقوم بعملية الإنضاج، وتبين أن جميعها يقوم باستخدام غاز الإيثيلين وهو غاز أمن وغير ضار بالصحة، حيث تم التحري وعمل تفتيش كامل داخل كل منشأة وتبين عدم استخدام غاز الاستيلين أو كربيد الكالسيوم الضار بالصحة.. كما تم اخطار جميعهم بعدم استخدام الغاز الأخير لضرره الكبير على صحة الإنسان وفي حال وجد ذلك عند أي منشأة فسيتم إغلاقها بالكامل حسب الأصول باتباع الإجراءات القانونية".

في ضوء ذلك، وقبل نشر بيان الطب الوقائي بيوم واحد، تمكن معد التحقيق من مقابلة رئيس قسم مراقبة الأغذية في الطب الوقائي بمحافظات قطاع غزة لدى وزارة الصحة المهندس زكي مدوخ وذلك بعد محاولات لإجراء المقابلة معه، من أجل الوقوق على حقيقة الدور الرقابي الذي تمارسه الوزارة على عملية إنضاج الفواكه.

في بداية الأمر، حاول مدوخ الحصول على أسماء الشركات التي تقوم بعملية الإنضاج، وهو ما وافق عليه معد التحقيق، مشروطاً بفتح تحقيق رسمي حتى يتم محاسبة المخالفين. غير أن مدوخ ذكر أن اختصاصه، كرئيس لقسم مراقبة الأغذية في الطب الوقائي ينحصر في تقديم الرأي الفني فقط.

ولفت مدوخ إلى أنه من الصعوبة القيام بعملية فحص مخبري للحكم على صلاحية الفاكهة والغاز المستخدم في إنضاجها، نظراً لعدم وجود أجهزة فحص، وأكد في الوقت نفسه استعدادهم للقيام بأخذ عينات وفحصها عبر إحدى الجامعات المختصة بالفحص المخبري، غير أن ذلك لم يحدث قبل نشر البيان الذي طمأن فيه المواطنين بسلامة الفواكه المنضجة وأن الغاز المستخدم هو غاز "الإيثلين" الآمن، حيث لم يتضمن البيان الذي أصدره الطب الوقائي الأجهزة المستخدمة في فحص الفواكه المنضجة على اعتبار أن الوزارة لا يتوفر لديها أجهزة للفحص المخبري، تؤهلها للحكم على سلامة الفاكهة المنتشرة في السوق المحلي.

وتنص المادة (19) من قانون الصحة العامة رقم (20) لسنة 2004م، على أن المنتج الغذائي يعتبر غير صالح للاستهلاك الآدمي إذا : حدث تغير في  خواصه الطبيعية من حيث الطعم أو المظهر أو الرائحة. أو إذا ثبت بالتحليل حدوث تغير في تركيبته الكيماوية أو إضافة مواد كيماوية غير مسموح بها أو تلوثه بأحد الملوثات الكيماوية أو البيولوجية أو الإشعاعية. 

فيما نصت المادة (27) في باب العقوبات من القانون الصحة العامة، على أن كل من عرض أو باع منتج مخالف للتعليمات الفنية الإلزامية، يعاقب بالسجن لمدة لا تزيد عن ستة أشهر أو بغرامة لا تتجاوز خمسمائة دينار أردني أو ما يعادلها بالعملة المتداولة قانوناً، أو بكلتا العقوبتين.

وعلى الرغم من ذلك، أكد بعض أصحاب الشركات أنهم يستخدمون الغاز المتاح في السوق المحلي، والمتمثل في "الاستيلين" وأحجار "كربيد الكالسيوم"، دون علمهم بمدى خطورة ذلك على صحة الإنسان.

وعليه، قام معد التحقيق بالتواصل مع إحدى أكبر شركات تصنيع الغاز في غزة، لمعرفة سلامة وصلاحية الغاز الذي تقوم بتوزيعه على شركات إنضاج الفواكه، إلا أنها رفضت الإدلاء بأي معلومات حول هذا الموضوع بشكل قطعي.

بدوره، أكد الدكتور أحمد المغاري خبير التحاليل البيئية الكيميائية ومدير مركز "بيرزيت" للفحوص بغزة، على أن مادة "كربيد الكالسيوم"  كمادة عضوية كيميائية تُكون خلايا مسرطنة إذا تعرض لها أو تناولها الكائن الحي خلال رسوبها أو تبقيها في الثمار نتيجة عملية الانضاج.

وبين المغاري أن تلك المادة تحتوي على نسب ليست بالبسيطة من مادتي "الزرنيخ" و "الفوسفيد" وهذه المواد تتحول إلى مركبات غازية أكثر خطورة وهي سامة، تؤدي إلى فشل كلوي أو فشل في وظائف الكبد وتكسير كريات الدم الحمراء أو تؤدي إلى تكون "الصفراء".  

أمام هذا الواقع، كان لابد من الوقوف على دور وزارة الزراعة في وقف هذا التجاوز الذي يرتكبه أصحاب شركات إنضاج الفواكه، حيث نفى تحسين السقا مدير عام التسويق والمعابر في وزارة الزراعة بغزة، عن وزارته مسؤولية متابعة عملية إنضاج الفواكه، ونسبها إلى وزارة الاقتصاد، مشيراً إلى أن دور وزارة الزراعة يقتصر على متابعة حالة تلك الثمار على المعبر فقط، وإذا ما عبرت للقطاع تصبح من مسؤولية "الاقتصاد".

مع العلم أن ما قاله السقا، يتنافى مع قانون الزراعة الفلسطيني في المادة رقم (2) من الفصل الثاني، والذي نص على قيام وزارة الزراعة بتعزيز الأمن الغذائي الفلسطيني والمشاركة في الحفاظ على الصحة العامة.

في المقابل، رد طارق لبد المتحدث باسم وزارة الاقتصاد الوطني، على سابقه بالقول "إن هذا الملف لا يتبع أبداً لوزارة الاقتصاد بل تتحمل وزارة الزراعة مسؤوليته، مضيفاً: كل المرافق والشراكات التي تستورد منتوجات زراعية لا تأخذ إذن استيراد إلا من وزارة الزراعة وتصريحهم تصريح "زراعي"، وعملية الانضاج التي تتم داخل الشركات والمواد التي تستخدم في تلك العملية هي مسؤولية وزارة الزراعة أيضاً".

وأكد لبد، أن دور وزارة الاقتصاد يقتصر فقط على المتابعة إذا ما أصبحت الفواكه المنضجة في الأسواق المحلية. وبذلك يضع وزارته أمام مسؤولية الرقابة على المنتجات الزراعية في السوق والتي من بينها الفواكه، فيما كان قد سبق وأن نفى عن أنفسهم المسؤولية عن عملية الإنضاج.

وعرف قانون حماية المستهلك رقم 21 لسنة 2005م  في مادته رقم (1): كل منتج صناعي أو زراعي أو تحويلي أو نصف مصنع وأية مادة أخرى تعتبرها الوزارة سلعة لغايات تطبيق أحكام هذا القانون

وعليه، فإن المادة (3) من قانون حماية المستهلك والمتعلقة بحقوق المستهلك الفلسطيني تنص في الفقرة الأولى على حق المواطن في الحفاظ على صحته وسلامته عند استعماله للسلعة أو الخدمة من حيث الجودة والنوعية، أما المادة (11) فقد أوجبت على مزودي السلع الذين يتبين أن سلعهم قد تضر بسلامة المستهلك وصحته فعليها أن تقوم إبلاغ الجهات المختصة وإعلام الجمهور بواسطة وسائل الإعلام عن هذه العيوب وتحذيره من المخاطر التي قد تنتج عنها، وسحبها من الأسواق، والتخلص منها وتعويض المشترين والمتضررين.

وبهذا، تتجلى صور التقصير والتقاعس عن تحمل الجهات المسؤولة عن القيام بالدور المناط بها قانوناً. في الوقت الذي سيظل فيه المواطن يواجه خطر عملية إنضاج الفواكه غير الآمنة.

 

لنــا كلـــمة