شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 19 نوفمبر 2018م11:45 بتوقيت القدس

مركز المسحال.. تذكارات

27 أغسطس 2018 - 06:04
عاطف أبو سيف
شبكة نوى، فلسطينيات:

مررت مع أفراد عائلتي عن مركز المسحال المدمر إثر القصف الإسرائيلي في جولة التصعيد الأخيرة، أيضاً كأنني أراه هكذا للمرة الأولى.  ركام المكان الذي كان واحداً من أبرز معالم مدينة غزة الثقافية طوال ربع القرن الماضي. مثل أشياء كثيرة يذهب في سجل الزمن. لا يظل منه إلا ذكريات أثيرة عن لحظات مضت، تذكارات تخز في العقل تستيقظ كلما مررت في المكان أو خطر على بالك. الأماكن لا تغادرنا، لأنها تبقى جزءاً من حكاياتنا حول أنفسنا، ذكرياتنا عن ماضينا، لذا فإننا نتعلق بها بقدر تعلقنا بكل تلك القصص وهذا الحنين للزمن الذي نتوق إليه، وتكاد تكسر رقبتنا ونحن ننظر للخلف نحاول استرجاعه. 
كومة من الأخيلة المكسرة كما يقول إليوت في رائعته «الأرض الخراب». في مطلع قصيدته التي اعتبرت من عيون الأدب العالمي يبكي إليوت نيسان، يندب قسوته لا لشدة هذه القسوة بل لأنها تذكرنا باللحظات الجميلة، بالذكريات التي تنزف ونحن نشحن أرواحنا بطاقتها العجيبة على العودة للماضي. نيسان أقسى الشهور، ينزف ليلكاً من الأرض الخراب. الذكريات والشخوص والحكايات والمواقف بحلوها ومرها تمتلك سحراً عجيباً يستطيع دائماً أن يعود بالزمن للوراء. لكن أيضاً علينا التذكر أن الزمن لا يعود، نحن فقط نعيد تركيب اللحظات حتى نعيش فيه. نستحضر روحه مثل باعثي الأرواح من مراقدها، لذا فإن الذكريات حين تنطلق من عقالها قد يكون لها قوة مدمرة ليس تماماً مثل الأرواح الشريرة لكن ليس أقل خطورة منها. 
أفكار كثيرة وصور أكثر تتزاحم في عقلك وأنت تقف هناك تنظر إلى كومة الخراب التي صنعتها الطائرة الحربية عن عمد وتقصد دمرت المكان. لا منطق في أي شيء. الحرب لا منطق لها ولا غاية تبتغي من محاولة فهم ما يجري فيها. لكن ثمة مفاعيل خفية في كل عدوان وحرب، منطق خاص بالقاتل قد لا يكون صحيحاً وقد لا يعجبنا، وهو دائماً غير صحيح ولا يعجبنا، لكنه موجود وهو وراء كل تصرف يقوم به. فالحرب ما علمتم وذقتم، كما يقول زهير بن أبي سلمي في معلقته الخالدة، والقاتل هو القاتل.
خلال عدوان العام 2014 كتبت في يومياتي التي صدرت باللغة الإنجليزية بعنوان «الزنانة تأكل معي» في الليلة التي دمرت فيها الطائرات الإسرائيلية المجمع الإيطالي: إنهم يقتلون الجمال. الأماكن الجميلة تستفز القاتل. الأماكن ذات الأثر في سيرة المكان تستفزه. الجمال بكل معاييره يستفزه. الجنرال المدجج بوهم التفوق، المأسور ببطولات واهية تشتعل روحه غيظاً وهو يرى أن شعباً أعملت فيه آلة القتل ما أعملت، وأسالت من دمائه ما أسالت، وحاولت مسحه وطمسه وجعله نسياً منسياً، أن شعباً كان يراد له أن يصبح حكايات من الماضي وربما متحفاً في جادة من ضواحي المستعمرات يصار فيه إلى تصوير الانتصارات الزائفة، أن هذا الشعب يحب الحياة ما استطاع إليها سبيلاً عملاً بوصية شاعره الخالد، بل يذهب أكثر من ذلك أنه يقاتل من اجل أن يكون هذا ممكناً. شعب يصر على الحياة والحب، على الشعر والقصة، على المسرح والسينما، على الغناء والرقص، ويستخدم كل ذلك لا في دعاية رخيصة، بل كجزء طبيعي من تكوينه استمراراً لمجد أجداده الكنعانيين وهو يرتلون تسابيح الآلهة في معابدهم شعراً، وفي كتابة الأحرف التي كان لأجدادهم الفينيقيين البحارة فخر ابتداعها وفي نظم أجدادهم فحول الشعراء في النواحي. الجمال يقلق القاتل، يثير فيه شهوة من نوع آخر. يحس أن كل ما فعل طوال سبعين عاماً ونيف منذ حاول اقتلاع هؤلاء من أرضهم وطردهم في جهات الأرض الأربع، كان عبثاً، لقد فشل في مهمته. الجمال عدو القاتل لأنه يعني أن القضاء على محبي الجمال أمر مستحيل. كيف يمكن لمركز ثقافي أن يشكل تهديداً على أمن دولة نووية، فقط بالقدر الذي يشكل فيه هذا الصرح تحدياً من نوع مختلف. فهو ليس مصنعاً للسلاح ولا مخزناً للقنابل ولا مستودعاً للرصاص، ولا هو ثكنة عسكرية على الجبهة المتقدمة، فهو ليس أكثر من مركز ثقافي يقول فيه الشعراء وتصدح فيه الشاعرات، ويقف على خشبته الممثلون وترقص الفتيات الدبكة على صوت اليرغول. لكل هذا فهو أخطر من كل شيء على القاتل. إنه يذكره أن الضحية تقاتله بالحياة، تلاحقه شهوة القتل عنده بإصرارها على الحياة، بتمسكها بها. 
يافا طفلتي التي لم تبلغ السادسة، سألتني عن «درويش» وكانت تقصد الفنان علي أبو ياسين. قالت، «بابا عمو درويش كان بالمسرح». يومها كان علي أبو ياسين يقوم بتأدية دوره بروعة منقطعة الوصف في المونودراما التي كتبتها بعنوان «المصور»، وحين ذكر اسم يافا التي هُجرت عائلته منها قالت يافا، «بابا عمو درويش بقول اسمي». على ذات الخشبة أدى عشرات الأدوار وأخرج عشرات أخرى. اختلاجاته وتنهداته وهو يقوم بأدواره بشكل لافت، مازلت تخرج من تحت ركام المبنى المحطم مثل أخيلة إليوت. عدت إلى البيت وتأملت صورتي أنا وعلي والمخرج حسين الأسمر خلال بروفات مسرحية «روميو وجوليت في غزة». الأطفال يذكرون مقطعهم الأثير في المسرحية اللازمة التي تتكرر في خلفية المسرحية على المقهى بين شابين يصران على مواصلة نقاشهما الذي مضى عليه أشهر دون ان ينتهي. تعال نتناقش. وضحكوا. وأنا ظل صدى ضحكة علي وهو يمثل المشهد أمام الشبان خلال البروفات يتردد في أذني بنفس القدر الذي ظلت دموعه وهو يقرأ مسودة «المصور» ويتنهد وهو يؤدي مشاهدها قراءة ونحن نجلس حول الطاولة.
يمكن إنكار الزمن لكن عودته محتمة. كما تهرب الريح من قربتها المثقوبة، أو كما تفيق الأرواح فوق وشم كأنه بيت درس. أيضاً الأماكن لها أرواح تفيق، تتنفس، تبكي كما تفرح، وتنتشي وتنكسر، لكنها تظل باقية.

لنــا كلـــمة