شبكة نوى
اليوم الاحد 23 سبتمبر 2018م18:23 بتوقيت القدس

مسيرة العودة الكبرى

أيام عصيبة تمرّ على عائلات الصحافيين/ات في غزّة

26 أغسطس 2018 - 17:13
مرح الوادية
شبكة نوى:

غزة:

كنّا ننتظر يوم الجمعة بشغف لقضائه مع العائلة، صرنا نحمل همّه منذ انتهاءه، صار يوم حاسم في حياتنا"، بهذه الكلمات يتحدّث المصور الصحفي محمّد أسعد عن يوم الجمعة الذي تحوّل إلى يوم دامي في حياة الفلسطينيين في قطاع غزّة
منذ بدء أحداث مسيرة العودة في الـ30 من آذار/مارس للعام الجاري، وجنود الاحتلال تستهدف الصحافيات والصحافيين الفلسطينيين العاملين في الميدان، على طول حدود مناطق قطاع غزّة، بالرغم من اتخاذهم إجراءات السلامة، وتمييزهم أنفسهم بالدروع الواقية والخوذ الدالة على عملهم الصحفي، والستر الخاصة بهم والمكتوب عليها كلمة "صحافة" بالخطّ العريض.

من الميدان

محمّد، يعمل مصورًا لصالح وكالات بريطانية وأمريكية، يقول: إنه يحاول أن يخفي قلقه من الخطر الذي يقع عليه في ميدان العودة وعدم مشاركته مع عائلته حتى لا "يزيد الطين بلّه"، بمعنى ألا يزيد من خوفهم عليه بعد تعرضه للإصابة بقنابل الغاز مرات عديدة، وبعد قتل جنود الاحتلال للصحافيين منهم: ياسر مرتجى، وأحمد أبو حسين خلال فترة وجيزة
ويضيف: "لا أحب الإفراط بلحظات الوداع صباح كل جمعة بالرغم من احتياجي لها كثيراً، فلا أريد أن ينتاب عائلتي قلقا أكبر، خاصة أن اتصالي معهم خلال فترة العمل يكون مقطوعًا، لكني أحاول بين فترة وأخرى أن أظهر على فيسبوك، فأرفق بعض الصور من المكان لأوجه رسالة اطمئنان أنني بخير".
حياة الصحافيين الاجتماعية في غزّة "متدهورة" هكذا يصفونها، فهي منطقة خصبة للأحداث الميدانية.

 

 يوضح محمّد أنه أحيانًا يكون في زيارة لأقربائه؛ ويقع حدث ما يجبره على المغادرة فورًا للتصوير حتى وإن كانت الزيارة في بداية جلستها، ويحدث معه ذلك مرارًا وتكرارا مما يضعه في موقف محرج أمام أهل البيت، إلى جانب الاعتذار عن معظم المناسبات التي دُعي عليها، بالإضافة إلى كثرة عدد الاعتذارات  التي قدمها لأطفاله عن الخروج في نزهة معهم، وأُجبر على عودتهم للمنزل في منتصف الطريق، وأحيانايكون مجبراً على تركهم ليعودوا بأنفسهم كي يستطيع مواكبة الحدث في لحظاته الأولى.


"اشتقنا لبابا، صرنا نكره يوم الجمعة، لماذا لم يعد هناك يوم إجازة لبابا، نتمنى أن نتناول الطعام معه اليوم"، إنها العبارات الأشهر التي يرددها أطفال المصوّر في يوم الجمعة، والذي تحوّل إلى أكثر الأيام عملًا وخطورة على حياة الصحافيات والصحافيين، والعاملين في الإعلام حتى وإن حاولوا الاحتماء بأدوات السلامة.

الصورة هناك...


الموت يمشي على قدميه بين الناس، ينتشر على هيئة رصاص متفجّر، ورصاص حي، وقنابل الغاز المسيل للدموع ومسيل للدماء أيضًا.

هكذا هو المشهد في المناطق الحدودية شرقي قطاع غزّة، موت يتربّص بكل المتواجدين، فجنود الاحتلال لا تضع نقاط مفارقة بين المتظاهرين، حتى لو كنت مسعف ترتدي الزيَ الخاص بالمهنة، أو صحافي تحتمي بدرع وخوذة، فالجميع مستهدف لا محال
تروي نيفين اسليم وهي مراسلة قناة الغد العربي، أنها بدأت تفقد الكثير من ملامح حياتها الاجتماعية، فعملها لا مواعيد محددة له، دائمًا ما تكون على أهبة الاستعداد لتغطية أي حدث، وعن يوم الجمعة الذي كان يعتبر بمثابة يوم إجازة وراحة، فقد أصبح أكثر الأيام زخمًا في العمل لدرجة أن عائلتها لم تعد تجتمع إلا بالقلق والخوف عليها.

بدءًا من الساعة العاشرة صباحًا حتى التاسعة مساءًا، إنها الساعات الحاسمة في منزل عائلة الصحافية في كل جمعة حتى باتوا يكرهون قدومه.

"ينقبض قلبي وأخاف حين يودعوني كل جمعة بنفس العبارات، خاصة أطفال اخوتي الذين يحزنون ويحذروني ناصحين ألا أذهب خشية أن يقتلني جنود الاحتلال، ورجاءهم أن أبقى معهم في اليوم الذي اعتادوا تواجدي فيه كيوم إجازة".
أمام شاشة التلفاز، تقضي العائلة نهارها أو على الانترنت في وقت انقطاع التيار الكهربائي، تراقب البث المباشر للاطمئنان على حياة ابنتهم التي ينقطع الاتصال بها فور وصولها إلى المناطق الحدودية، حتى شاهدوا إصابتها بالغاز المسيل للدموع واختناقها على الهواء مباشرة في أحد مرات التغطية، ولم يستطيعوا الاطمئنان عليها إلا عبر شخص يعمل في النقطة الطبية بالمنطقة، مما أعاد لهم ذكريات حرب 2013 على غزّة، عندما حوصرت مع طاقم القناة داخل بلدة خزاعة شرق خانيونس جنوبي القطاع، أثناء إعدادها لأحد التقارير خلال وقف إطلاق النار الذي تم اختراقه بشكل مباشر ليجدوا أمامهم عددا من الدبابات تطلق النار عليهم بشكل مباشر حتى فرّوا بأعجوبة.
وعن أدوات السلامة تشير إلى أنها لا تزيد نفعة أمام الأسلحة الإسرائيلية المحرمة دوليًا، "فمنذ بداية تغطيتي لمسيرات العودة في الثلاثين من مارس وحتي اليوم، تعرضت أنا والطاقم المرافق لي للإغماء بسبب الغاز أكثر من مرة، غير ما نراه من إصابات بالرصاص الحي والمتفجر لزملاء لنا تم استهدافهم بشكل متعمد، رغم ارتدائهم للدرع، والسترة الواقية، والخوذة وكمامة الغاز، وهذا الأمر يجعلني دائمًا بحالة توتر كبيرة خاصة في الميدان".

وحسب وزارة الصحة الفلسطينية، فإنها سجلت استشهاد الزميل ياسر مرتجى، والزميل أحمد ابو حسين وإصابة أكثر من 179 صحفيًا بالرصاص الحي واختناق بالغاز خلال تغطيتهم للأحداث الميدانية في مسيرات العودة الكبرى.
وعن تجربة شركات الإنتاج بالعمل، يحكي فارس الغول المدير التنفيذي لشركة ميادين للإعلام والإنتاج التلفزيوني، أنه يغطي أحداث مسيرات العودة منذ اليوم الأول لانطلاقها، ويذهب إلى منطقة خزاعة شرقي خانيونس، وشقيقه يعمل في منطقة ملكة شرقي غزة، ووالدهما يتنقل للعمل في مناطق أخرى من القطاع.
تودّع العائلة أبناءها بتوصيتهم ارتداء الدروع الواقية والخوذ وكمامات الغاز، والبقاء على اتصال معهم بحال عادت الخطوط أو الدخول إلى حساباتهم في فيسبوك ما بين الفترة والأخرى، حتى شاهدت الأم إصابة ابنها "عدي الغول" على الهواء مباشرة، وهو ملقى على الأرض والمسعفين حوله.

"كان الوضع أصعب من أن يوصف، أنا عرفت عن طريق فيسبوك، ولم أستطع الوصول لا له ولا لعائلتي كي أطمئن، كما لم أستطع ترك عملي وبالفعل لم أعرف شيئا عن حالته إلا بانتهاء ذلك اليوم من العمل" يقول فارس.
ويضيف: "منذ إصابة أخي صارت أمي تأتي إلينا للميدان للاطمئنان على صحتنا، كانت تلف الحدود من الشمال للجنوب كي تطمئن علينا بسبب انقطاع الاتصال، وكانت تصطحب ابنتي الصغيرة أحيانًا، وفي الحقيقة تأثرت عائلتي بالأساس بعد استشهاد الزميلين ياسر وأحمد، حتى عائلات كافة الزملاء كذلك".

ويضيف متأثرا: "يوم الجمعة انقلب في حياتنا رأسًا على عقب وتم إلغاؤه من كافة المناسبات في أسرتنا، كلها تؤجل أو يتم تقديمها إلى يوم الخميس لدرجة أننا نعتبرها ليلة وداع، تحسبًا من أن يحرمني الاحتلال تكرارها، بانتزاع روحي أو أحد أفراد عائلتي من الميدان".

الجميع مستهدف


تعرض باص البث الخاص بالشركة إلى الإصابة مرتين على الأقل في منطقة خزاعة ومنطقة ملكة شرق القطاع، كما أصيب فارس عدة مرات للاختناق بسبب قنابل الغاز المسيلة للدموع، حتى باتت طفلته سمر معانقة له منذ وصوله للمنزل قائلة: "روح تحمّم ريحتك غاز يا بابا"، معلقة عليه بسبب انتشار رائحة الغاز والكوشوك الملتصقة بملابسه
لا نبالغ حين نرى أن أحداث المسيرة لا تقل خطورة عن أيام الحرب، ساعات تمرّ ثقيلة على من هم أمام الكاميرات ومن خلفها، وعلى من يتابع الأحداث من خلف شاشات التلفزيون، وأولئك المراقبين لحالتك على فيسبوك يحسبون دقائق نشاطك التي تشعرهم بالطمأنينة فور تحديثها.

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير