شبكة نوى
اليوم الجمعة 21 سبتمبر 2018م13:31 بتوقيت القدس

حين تخونك الحياة فتمضي وقلبك خلفك.. ثلاثة في تابوت واحد!

14 أغسطس 2018 - 05:43
هداية شمعون
شبكة نوى:

أقسى شعور قد يتلبسنا هو خيانة الصديق، هو أشبه بالوخز الذي يوقف جريان الحياة في قلبك، فتقف أنفاسك هكذا دون مقدمات، تبتلع أنفاسك في محاولة لتخرج ذاك السكين من قلبك، كم هو حاد يا الله! مهما فعلت من محاولات عبثية للتوقف عن الشعور تكتشف أنك تخدع نفسك، لقد حاولت أن تصمت، أن تبكي، نعم لقد فاضت دموعك في غسق الليل، تتخفى من أي عيون محبة؛ كي لا تضطر لتشرح بالكلمات العدمية ماذا حدث لك.

كيف يمكنك أن تشرح لأحد أن من كنت تظنه صديقًا، إنما هو من غرز لك سكينا تاركًا إياك لكافة الكلمات والصور العبثية، بينما أنت لازلت تبتسم للحياة! ذلك الصديق الذي طعنك ولازال! وأنت الملدوغ في قلبك لا تعرف شيئًا.. خدعتك الحياة حين قالت إنك صديق، بينما أنت لم تكن شيئًا، أنت مجرد هاوي في بيئة ملغومة بالتقلبات، بالوجوه الغريبة.. كم أنت وحيد الآن!

في مسار حياتك في غزة تتلهف للسفر للانطلاق للطيران، تحاول أن تقفز كما مجاذيب الغابة، على كل الحواجز تتجاهل دائمًا ذلك السجن الكبير، تساند نفسك وتحتضن الحياة من جديد تعتقد أنها صديق دائم فتكتشف أنها ليست صديقة! في غزة تختلف كل النظريات وتهرب الحياة من إلحاحك وتتمنى أنها لم تصادقك يومًا، إنها أيضًا ملتبسة لم يعد الأمر قاصرًا على صدمتك بها، لكنها أيضًا معاقبة ومحجوزة وتبدو قاسية في غزة.. اليوم هربت الحياة من أمامك، ولم يعد بإمكانها أن تقارعك بأي حوار، وأعلنت خيانتها لك جهارًا، ولم تعد تخفي كرهها لك.

يومان داميان في غزة تحولت الحياة إلى تابوت.. فبينما تنام الأم الشابة ايناس وتضع يدها على جنينها واليد الأخرى على رأس طفلتها بيان التي لم تتجاوز الثلاث سنوات، صعقتهما الصواريخ الإسرائيلية في منزلهما الآمن لتلتحم بقايا لحم الأم الحامل مع طفلتها وجنينها وتصبحان ثلاثة ملائكة على الفور، تنظران لجثتهما بلوعة، بينما زوجها يرقد في المشفى بين الحياة والموت التي أصرت أن تصبح تابوت.

تابوت واحد حمل ثلاثة أراوح، فلم يعد الجسد سوى أشلاء.. كيف يمكن للحياة أن تكون خائنة إلى هذا الحد؟ كيف يمكنها أن تقسو على أجمل قلوب، عائلة بأكملها تصبح في غمضة عين كأنها لم تكن؟ هل شعرت الأم الحامل بالوجع؟ كيف أمكنها أن تحتضن الموت دون أن تخاصمه؟ كيف يمكننا أن نتخلى عن تلك اللحظات التي قفزت فيها الحياة الخائنة وهربت من منزلهما الفقير الآمن. المنزل الفقير المليء بالسعادة فقط لأنهم معًا! كيف يمكن لصديق مثل الحياة أن يخذلك ويتركك وحيدًا، إلا من الألم والقهر.. فعل الخيانة قاس كئيب وحارق.. إنه أسوأ من فعل الموت، بل فعل الحياة!

حين تخونك الحياة فتمضي بجانبها وقلبك خلفك لازال يخفق لكن صوته يشبه الأنين، تكاد تسمعه لكنك تتجاهل عمدًا كل السكاكين المغروزة في قلبك.. حين تحب الحياة وتكرهها معًا، هل يمكنك أن تتعرف على نفسك بين الحب والكره! هل يمكنك أن تتقبل الخيانة! هل الخيانات الصغيرة أقل وطأة من الخيانات الكبيرة؟ لماذا يعبث الآخرون بحياتنا تلك التي لا نملك أدنى سيطرة عليها.

تلك المراوغة النكدة التي تتمعن في أذيتنا بوجوه جميلة حولنا.. ماذا تبقى لكي تبقى الحياة عالقة في أعناقنا؟ لماذا نصمت؟ لماذا لا زلنا نحييها! كيف يمكن أن نلقي عليها تحية الصباح، وهي الخائنة التي كسرت ظهرنا ولا زالت! لقد كانت إيناس بيننا تنتظر مولودها الذي اغتيل وقتل بكل وقاحة وقسوة قبل أن يرى الحياة قبل أن تقبله أمه! قبل أن يصبح له اسمًا.. سموا الجنين حياة حين وضعوا بقاياها مع أمها في تابوت صغير ضم ثلاث جثت.. هل يمكنك أن تتخيل تابوتًا فيه ثلاثة جثت فقط: الأم والجنين والطفلة؛ فقط لأنهما أشلاء مقطعة احتضنت بعضها البعض، فلم تقو الأم على ترك طفلتيها للحياة الخائنة وحدهما!

الحياة في غزة لم تعد مغامرة، بل أصبحت واقعًا ثقيلًا لا مسار للخلاص فيها! إنها ببساطة تنزف من فعل الخيانة لأرواح الأطفال والنساء والرجال والشباب. إنها خائنة لأحلامهم ومسؤولة عن لوعتهم وقهرهم وضعفهم وغضبهم.. إنها لا تملك أي أمل رغم أن اسمها حياة.. نعم فقد فقدت الحياة الثقة بكونها قادرة أن تكون حياة، وانهزمت أمام الموت الغادر الذي ينتزع أرواح البشر والبيوت والأماكن الجميلة.. فأصبحت تعانق الموت وتتلفع بثوبه، وباتت خائنة لهويتها وبصمتها، ولم تعد قادرة على الابتسام، فمنذ رحلت أرواح الشهداء وهي تنزف دمًا أسود! لكنها غير مغفور لها أبدًا فعل الخيانة؛ فغزة صانعة الحياة وقاهرة الأوغاد رغم نزفها، إلا أنها من يغزل من الموت حياة!

كاريكاتـــــير