شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 19 نوفمبر 2018م11:07 بتوقيت القدس

مصانع الألعاب النارية "السَرية" خطر يهدد حياة الآمنين

13 أغسطس 2018 - 07:29
أمل بريكة
شبكة نوى، فلسطينيات:

غزة:

يعيش المواطن حيدر حلس من سكان حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، حالة من الحزن؛ بعد أن فقد بلمح البصر اثنين من أبنائه، وأصيب ثالث بحروق شديدة، وقع في حادث انفجار مفاجئ أثناء عملهم داخل معمل صغير لتصنيع وتركيب الألعاب النارية، تعود ملكيته لعائلة "ع".

ورغم مضي عدة أشهر على الحادثة، إلا أن حزن حلس لم يخِف، وقال بصوت مخنوق: "ضيق الحال دفع أبنائي للعمل في هذا المكان الخطر"، ففي الفترة التي وقعت بها الحادثة، كان أبناؤه يجهّزون هم وأبناء عائلة "ع"، كميات من الألعاب النارية، والتي يزيد الطلب عليها بالتزامن مع الإعلان عن نتائج الثانوية العامة؛ لذلك كانوا يسابقون الزمن لتصنيع وتحضير الكميات المطلوبة.

وبيّن حلس أن أبنائه الثلاثة يقتصر عملهم على لف الورق الخاص بصناعة الألعاب النارية، أي بعيداً عن استخدام المادة الخطرة، وذلك مقابل مبالغ مالية قليلة، في المقابل من يجني المال هو صاحب المشروع، وقد حذّر أبناءه مرارًا من هذا العمل، وطلب منهم تركه، لكنهم كانوا يتوجهون للعمل دون علمه؛ مما دفعه للتوجه الى صاحب المعمل، وطلب منه إعفاء أبنائه، غير أن الأخير طمأنه، كما قال.

ذكريات مؤلمة

واستذكر حلس تفاصيل الفاجعة: "كنت جالساً في المنزل حين دوى انفجار كبير هز منطقة الشجاعية، ظننا أن طائرات الاحتلال قصفت هدفاً ما، لكن شعوراً غريباً داهمني، رافقه انقباض في قلبي، صرخت أولادي، وغادرت المنزل فزعاً، فوجدت الناس يجرون، وحين سألت أحدهم ماذا حدث: قال معمل "ع" انفجر، فقلت: "راحوا الأولاد".

وتابع: "هرعت إلى المكان ولم أستطع الدخول إليه، فكان عبارة عن مخزن صغير لا يوجد له مخرج ولا وسيلة أمان، حاولنا إطفاء النيران، لكن حتى وسائل إطفاء الحريق غير متوفرة، ما دفعنا للاستعانة بسيارة مياه تصادف مرورها في المكان".

يتساءل حلس: "لماذا لم يوفر صاحب المشروع وسائل الأمان المتعارف عليها للعاملين، خاصة وأنه يحصل على أموال طائلة من وراء عملهم المتواصل؟ .

وألقى حلس اللوم على صاحب المصنع، والجهات الحكومية التي سمحت له بالعمل، وكذلك على الأوضاع الصعبة، التي أجبرت الناس على العمل في مهن خطرة مقابل أجور زهيدة.

عمل محظور

ومن جانبه أوضح المتحدث باسم الشرطة الفلسطينية بغزة أيمن البطنيجي أن الشرطة قدّمت إخطاراً للتاجر المذكور بالتوقف فوراً عن تصنيع وإعداد الألعاب النارية، ووجهت له خمسة إنذارات، لكنه كان يعمل لأكثر من ست سنوات بشكل سري، فأوقفوه خلالها وصادروا بضاعته ووقّع على تعهد بعدم العودة مرة أخرى لهذا العمل المحظور والممنوع، إلاّ أنه لم يتوقف عن ذلك؛ بدليل تسببه  فاجعة كبيرة وإزهاق أرواح أبرياء، وهو الآن يخضع للتوقيف بموجب القانون.

وأكد البطنيجي أن الشرطة تتابع الموضوع وتلاحق أصحاب مصانع الألعاب النارية، باعتبار أن هذا النشاط ممنوع ومحظور، لما يشكله من خطورة كبيرة على حياة الأبرياء، وحدث ذلك في عدة جولات سابقة تمكنت الشرطة من مصادرتها من الأسواق العامة والمتاجر الخاصة، وحذرت الباعة من تسويقها.

ونوه إلى أن الألعاب النارية تصل المتاجر من مصدرين، إما عن طريق التهريب، أو تكون عبارة عن مواد خام يتم لفها وصناعتها محلياً، حيث يجلب التجار فتية أو أطفالاً؛ ليقوموا بتجميع المواد الخام، وتصنيعها، لتخرج في عدة أشكال منها أقلام ومثلثات الصوت، وغيرها من المفرقعات، التي يتم إنزالها لاحقاً إلى الأسواق لبيعها.

وطالب البطنيجي المواطنين بالتعاون مع الشرطة في مكافحة هذه الظاهرة، والتبليغ عن متجاوزي القانون الذي يحاولون تصنعيها أو تهريبها.

كيف تُصنع؟

أوضح الرائد سليم ماضي مدير هندسة المتفجرات في محافظة رفح أن الألعاب النارية الموجودة بشكل عام وتستخدم غالباً في المناسبات، وهي تصنف من ضمن المواد المشتعلة، بمعنى أنها إن وجدت في حيز مغلق تشتعل مثل البنزين والسولار والمواد الحارقة، والأمر الأكثر خطورة في الألعاب النارية يكمن في حبك الفتيل في شيء مغلق مثل الأقلام والمثلثات والكرتون التي تحتوي على المادة الاشتعالية، وتُحبك بشكل قوي حتى يصدر عنها قوة في الصوت والانفجار.

وأوضح ماضي أن آلية تصنيع الألعاب النارية تشكل خطراً وكوارث بالمحيطين بها، ففي حال وصول الفتيل للمادة الاشتعالية سيحدث احتراق، فالغازات لا تستطيع أن تخرج في حيز مغلق، ومن شدة الضغط يحدث انفجار وقوة في الصوت، يكون ذلك حسب كمية المادة الاشتعالية التي ستضاف، والمدة الزمنية في قيام مستخدميها ما بين الاشعال والرمي وهو من الممكن ان تشكل خطراً، وقد تودي بحياة شخص.

غير أن الشظايا المتطايرة بعد الانفجار فإنها بالطبع ستكون أقل ضررت، ولكن قد تؤدي إلأى إحداث مشاكل في السمع، وجروحات وحرائق باليد.

وبيّن ماضي أن أغلب التجار الذين يعملون في صناعة الألعاب النارية بشكل خفي، يستخدمون المادة الاشتعالية كونها رخيصة الثمن، ويجني من ورائها ربح كبير، متجاهلاً تماماً حجم الضرر بالآخرين، وهم لا يستخدمون المواد المتفجرة بسبب ارتفاع أسعارها مقارنةً بالمواد الاشتعالية.

وبالرغم من ذلك إلا أنها غير متوفرة، فأغلب النماذج التي توصلوا إليها هو قيام هؤلاء التجار بشراء ألعاب نارية مُهربة، ويقوم التجار بتفريغ محتواها لصناعة أحجام صغيرة وبأعداد كبيرة، وبالتالي الحصول على أرباح عالية.

وحذر ماضي وبشدة من تصنيع وتركيب الألعاب النارية في أماكن سرية، قد تكون عبارة عن مخزن أو غرفة في منزل، أو مكان مغلق، ومناطق وسط أحياء سكنية مكتظة، والمصنّعون لا يراعون معايير السلامة المهنية للعمال في حال حدوث أمر خطير، كالذي حدث في منطقة الشجاعية التي أودت بحياة عدد من العمال، بمعامل التصنيع، فهي بحاجة إلى التهوية ومعدات خاصة ومجهزة، وعمال مدربين، بالإضافة إلى الاطفائيات الالكترونية.

ملاحقة المروجين

ومن جهتها أوضحت رباب عاشور " مدير دائرة الاقتصاد بمحافظة خانيونس " بأن الوزارة تمنع بشكل قاطع تداول الألعاب النارية في الأسواق، وقد حظرت تصنيعها أو بيعها، لما فيها ضرر للمستهلك، وأن الوزارة تراقب عملية استيراد الألعاب النارية التي يمنع استيرادها بقرار وزاري، وتُحمّل التجار المخالفين المقتضى القانوني.

أما بخصوص تصنيع المفرقعات والألعاب النارية المحلية الصنع فنوهت عاشور إلى منع ذلك، وملاحقة لكل من يحوزها أو من يقوم بتصنيعها وتداولها للبيع، وقالت: "قمنا بعدة جولات في الأسواق والمتاجر بالتعاون مع وزارة الداخلية قسم " مباحث التموين "، وكل ما يتم ضبطه نقوم بمصادرته وإحالة التاجر المخالف للقانون".

وأشارت عاشور إلى أن جميع التجار لديهم معرفة سابقة بقرار منع التصنيع أو البيع بشكل علني، وما حدث في منطقة الشجاعية شرقي غزة، كان بمثابة مخزن سري ببيت يعود لأحد المواطنين في تلك المنطقة ولم يكن معروفاً لطواقمهم، علماً بأن هذا المواطن عرّض نفسه وأسرته للخطر ويتحمل مسئولية ما قام به.

قوانين ضعيفة

من جهته قال المحامي في مركز الميزان لحقوق الإنسان سمير المناعمة، بأنه يعتري التنظيم القانوني الوطني حالة من التباين فيما يتعلق بتنظيم السماح أو منع استيراد الألعاب والمفرقعات النارية، حيث جاء القانون الأساسي الفلسطيني لعام (2003م) وتعديلاته (الدستور المؤقت) خالِ من أي نص واضح وصريح يسمح باستيراد أو تصنيع الألعاب النارية، غير أن المادة (21) من ذات القانون أشارت إلي أن النظام الاقتصادي حر، وأن حرية النشاط الاقتصادي مكفولة وأن القانون ينظم قواعد الإشراف عليها وحدودها.

ويسمح الأمر العسكري رقم (431) الصادر في الثالث من مارس/آذار عام (1956) عن الحاكم العسكري (المصري) والمُطبق في قطاع غزة بشأن الأسلحة والذخائر، من خلال مادته الأولى، بجواز حيازة المفرقعات النارية بترخيص من الجهات المختصة، ولم ينظم الأمر العسكري التصنيع أو الاستيراد، ولم يحدد أيضاً الجهات المختصة التي يجب الحصول منها على ترخيص.

كما تضمن الأمر العسكري سالف الذكر، العقوبة على الإحراز بدون ترخيص، من خلال المادة (3) التي تعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز ال(10) سنوات، بحق كل من وجد حائزاً أو محرزاً بنفسه أو بواسطة شخص آخر بغير ترخيص مفرقعات أو آلات مفرقعة أو غازات سامة ، مما ذكر في هذا الأمر.

ويعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز خمس سنوات وبغرامة لا تتجاوز ثلاثمائة جنية، أو بأحد هاتين العقوبتين، حسب المادة (4) من الأمر ذاته، كل من استورد أو صنع أو باع أو حصل على مفرقعات أو غازات سامة أو أسلحة أو ذخائر بدون ترخيص من السلطات المختصة.

فيما يمنع قرار مجلس الوزراء الفلسطيني رقم (26) لسنة (2004م) استيراد الألعاب النارية والمفرقعات أو الإتجار بها.

كما تعاقب المادة (477/أ/3)، من قانون العقوبات الثوري لعام 1979م، على إطلاق العيارات النارية أو مواد مفرقعة بدون داع، بالحبس التكديري (من يوم وحتى 10 أيام).

فيما جاء قرار وزير الاقتصاد الوطني رقم (2) لسنة 2003م بشأن حظر استيراد بعض السلع الخاصة بألعاب الأطفال؛ ليمنع استيراد أو إدخال المفرقعات والألعاب النارية حسب المادة (1/ب) منه، كما أوجب على موظفي وزارة الاقتصاد الوطني في دائرة المعابر إعادة أيّ سلعة من السلع المذكورة في المادة (1) إلى الجانب الآخر من المعبر.

وأظهر المناعمة من خلال التنظيم القانوني الوطني المُتعلق باستيراد أو حيازة الألعاب، عدم وجود نص واضح وصريح يُقدم الحماية المباشرة بشأن المصانع أو المخازن الموجودة بين الأحياء السكنية، غير أن أحكام القانون المدني، تحفظ حق المتضرر في حال وقع عليه ضرر من رفع دعوى إزالة ضرر والحصول على تعويض (المادة 179).

ويرى المناعمة بضرورة مساءلة ومحاسبة الأشخاص المتسببين في الحادث، وإصدار قانون موحد، في حال انعقاد المجلس التشريعي حسب الأصول الواردة في نظامه الداخلي، يُنظم كافة أوجه حيازة واستيراد الألعاب والمفرقعات النارية وأماكن تخزينها وتصنيعها، بما يضمن حماية الأرواح والممتلكات العامة، ويُعالج كافة الأوضاع التي لم يرد بها نص.

لنــا كلـــمة