شبكة نوى
اليوم الخميس 18 أكتوبر 2018م09:01 بتوقيت القدس

وتر كمنجة لن يهدأ!

مقاومة فنية على أطلال "المسحال" 

11 أغسطس 2018 - 16:32
مرح الوادية- شيرين خليفة
شبكة نوى:

غزة:
سريعًا؛ تحركت فرقة موسيقية لمجموعة من الشبان تحيي حفلًا غنائيًا تراثيًا على أنقاض مبنى مؤسسة سعيد المسحال الثقافية غربي مدينة غزة، التي دمرتها طائرات الاحتلال الحربية الإسرائيلية بعدة صواريخ أحالت المبنى الذي يشكّل حاضنة مهمة للعمل الثقافي إلى كومة من الركام.
 الشبان الذين تجمّع حولهم مئات المواطنات/ين بمختلف أعمارهم عزفوا السلام الوطني، وغنّوا لغزة، ولرام الله، والمجدل الجليل، وكل بقعة في هذه الأرض، أرادوها رسالة حياة كما أرادوها رسالة لكل الوطن.
 مئات المثقفات/ين تجمّعوا أيضًا، رغم علامات الحزن والصدمة على وجوههم، إلا أنهم مصممات/ين على مواصلة الدرب، بل وإفشال ما أراده الاحتلال من استهداف هذا الصرح الثقافي الذي تأسس عام 1996 كحاضنة لكل عمل إبداعي، والذي يحوي المسرح الثاني في القطاع بعد مسرح جمعية الهلال الهلال الأحمر. تقول الكاتبة هداية شمعون: "إن الاحتلال الإسرائيلي يستهدف كل مكونات ومقدرات المجتمع الفلسطيني ويمثل هويته، سواء كان إنسانًا أم صرحًا ثقافيًا، إنه يستهدف كل ما له جذور ثقافية أو إنسانية أو سياسية أو يجسد اللحمة الوطنية والمشروع الوطني، فالمؤسسات الثقافية هي حامية الحلم الفلسطيني وهي الحاضنة التي تُبقي جذوة النضال والهوية والمستقبل في قلوب الفلسطينيين".
عنوان ثقافة للغزيين
حيث إن الثقافة هي المشهد الأكثر عمقًا الذي يعكس صورة الإنسان الفلسطيني، تلك التي تتمركز كل كتاباته، وأشعاره، ومسرحياته، ورواياته، وكل فنونه الأدبية والثقافية في حلم الحرية من الاحتلال.
 وأوضحت شمعون أن تدمير المؤسسة والمؤسسات التي سبقتها هي خسارة كبيرة وصدمة لكل روادها؛ لأنها تمثل الحلم والأمل لأجيال متعددة، فتكاد تسمع صوت الموسيقى وتحتفي بالعروض المسرحية وتحتضن البروفات على مدار الساعة، فإنها بالتأكيد وجع كبير أصاب الجميع دون استثناء.
وأكدت أن مثل هذه الأعمال هي هدر كبير للجهود الجبارة السابقة، حيث إن فقدان الحاضنة الثقافية هو من أسوأ التقديرات الحالية للتأثير المباشر على الفنانين؛ وسيؤدي لمزيد من التراجع إذا لم يتم إسعافه بحلول عاجلة من وزارة الثقافة لتشكّل بديلًا، أو مزيداً من الجهد والضغط على جهات ثقافية أخرى.
وأردفت أيضا أن الفنانين وأهل المسرح سيعانون من توفر مكان لإعداد طاقم فني، ومن تأدية البروفات طيلة الوقت، فقد فقدوا مكان احتضانهم الأول أما الآن فإنهم يشعرون بالوحدة المكانية.
ذكريات فُقدت
ويكفي أن الذكريات لن تكف عن مداعبة أحلام الفنانين ورواد المركز الثقافي، وهذا بحد ذاته مؤلم حد الوجع.
وذكرت أن المركز كان منارة لكافة الأجيال في تقديم العروض المسرحية وتلقي التدريبات اللازمة من رسم، وفنون، وكتابة، وموسيقى، ومعارض متعددة ومتنوعة، وكان أشبه بالملتقى الدائم لكافة الفنانين.
 وشكل أيضا بصمة لكل الفنانين في بداية حياتهم الأدبية، لذا فإن الدور الكبير الذي كانت تلعبه المؤسسة هو دور مهم وقد لا تلبيه المؤسسات الرديفة الأخرى حاليًا.
 أما الكاتب يسري الغول فيؤكد أن قصف الاحتلال للمؤسسة يحمل عدة رسائل ودلالات، فالموضوع خطير جدًا وهو يأتي في ذكرى رحيل الشاعر الكبير "محود درويش"، ورسالة الاحتلال بأنه سيمسح التاريخ الفلسطيني والحضارة، وهذا أبرز أهدافه.
ويقول: "فالاحتلال يحاول سرقة تراثنا وينسبون الثوب الفلسطيني لهم، ويسرقون مأكولاتنا الشعبية مثل: الفلافل، والشكشوكة، ويدعون أنها تراثهم، وهي رسالة لكل المثقفين الفلسطينيين أنهم لا يحاربون الساسةوالعسكريين فقط بل المثقفين أيضا". 
 وأعرب الغول عن تخوّفه من استهداف الاحتلال لمؤسسات ثقافية أخرى، فقد سبق وتم استهداف مقر المركز الوطني، وقرية الفنون والحرف، وهم يستهدفون الثقافة كلما استطاعوا ذلك؛ لأنهم لا يريدون للثقافة الفلسطينية والمسرح الذي يؤثر بشكل كبير في التعاطف العالمي مع الفلسطينيين؛ لذا يحاولون طمس ثقافتنا.
 وأضاف: "إن الرد على هذا الاستهداف يجب أن ينطلق من المؤسسات الرسمية الفلسطينية، بدعم الثقافة وبتبني طباعة الكتب، والمجلات، وإنشاء المسارح، وإعادة فتح دور السينما في قطاع غزة، وللأسف لا نوليها اهتماماً رغم أنها ركيزة للمقاومة.
ويؤكد أن غياب مؤسسة سعيد المسحال سيؤثر سلبًا على المشهد الثقافي في قطاع غزة، باعتباره حاضنة مهمة؛ لرعاية الأنشطة الثقافية في ظل عدم وجود مسارح ومعارض.
"نحن نزرع الجمال والموسيقى والاحتلال يزرع الحقد" يتحدّث المخرج والممثل المسرحي علي أبو ياسين قائلًا: "مسرح المسحال لم يكن مجرّد مسرح لنا وللفنانين، بل كان بيتنا الوحيد منذ إنشاؤه ونحن نقدم عليه كل أعمالنا المسرحية والفنية فكان مفتوحاً لكل الفنانين الفلسطينيين".
 ويضيف: " إن الاحتلال يحاول اليوم أن يخرس صوت الفن في غزّة ولا أحد يمكنه فعل ذلك، ويحاول قتل الحياة فيها ولا أحد يستطيع قتلها، بل سيقدم الفنانين أعمالهم من فوق ركام المبنى حتى إعادة بناءه.
متابعًا: "بقدر حزني اليوم فإنني سعيد؛ لأن الاحتلال الفاشل يثبت مدى همجيته ومدى عنصريته، ومن يعتدي على المسرح كأنه اعتدى تمامًا على المستشفى، وعلى المدرسة، وبالتالي يجب أن يحاكم دوليًا من قبل اليونيسكو وهيئة الأمم المتحدة".
 يؤكّد أبو ياسين أن هذه هي شريعة الاحتلال الذي يُسكت الصوت الفلسطيني منذ عشرات السنين، وذلك حينما اغتال "غسّان كنفاني"، و"ناجي العلي"، وفي حرب "2009" دمّر الاحتلال مسرح الهلال الأحمر، كما دمّر قبل فترة وجيزة المكتبة الوطنية باستهدافه للكتيبة، ودمّر قرية الفنون والحرف التي كانت تحتوي على العديد من الآثار الفلسطينية واليوم هو يتابع منهجيته بإسكات الصوت والإبداع.

لنــا كلـــمة