شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 11 ديسمبر 2018م00:36 بتوقيت القدس

نساء غزة: الحرب لم تضع أوزارها بعد

10 أغسطس 2018 - 07:36
شيرين خليفة
شبكة نوى، فلسطينيات:

غزة:

"تصيبني صدمة ورعب عند سماع أي صوت مرتفع حتى لو كانت مفرقعات أفراح، حيث لا زلت أخضع لجلسات العلاج النفسي حتى الآن، أربع سنوات مرت على الحرب ولم تتحسن حالتي النفسية بعد"، بهذه الكلمات استهلت السيدة سعاد عبد القادر حديثها لدى تذكّرها ما تعانيه من آثار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة عام 2014م.

تستعيد السيدة عبد القادر شريط من الذكريات المؤلمة والجراح التي لم تندمل بعد، تسكن قرب الحدود الشرقية للشجاعية، وتفاصيل ليلة المجزرة التي ذهب ضحيتها مئات المواطنات/ين، وذكريات القصف المتكرر الذي تتعرض له المناطق الحدودية، ورعب أحفادها الذين يصرخون مع كل ضربة من طائرة أو استهداف من الدبابات الإسرائيلسة بالقرب منهم، كل هذه  التفاصيل جعلت التخلص من آثار الحرب ضربًا من الخيال بالنسبة لها ولباقي النساء، وكأن الحرب لم تضع أوزارها كما تصفها سعاد.

سعاد وصوت المفرقعات

حيث تعاني النساء في قطاع غزة من أعراض نفسية سيئة؛ نتيجة تعرضّهن لتجربة الحرب على قطاع غزة، ويفاقم معاناتهن استمرار القصف الإسرائيلي على قطاع غزة، والحصار الذي لم يتحلحل بأي شكل بعد، كل هذا في ظل تهديدات متزايدة باندلاع حرب في أي وقت تجعل من صدمتهن واقع أصعب للعلاج.

وتكمل سعاد وهي أم لتسعة أبناء: "حين هاجرنا من الشجاعية ليلة المجزرة قفزنا فوق جثث ولا أستطيع نسيان شكلها حتى الآن، ومن ثم لجأنا لبيت ابن عمي في النصيرات بعد استهداف  المنطقة التي يسكنها أهلي، واجتمع في بيته الصغير عدة عائلات هاربة من القصف، حيث اضطررنا لتقسيم البيت، واجتمعت الرجال كلهم في غرفة والنساء في غرفة أخرى، وكان الازدحام شديد ولكن تحمّلنا بعضنا البعض".

وتستذكر سعاد أصعب المواقف التي لم تنساها أبدا، حيث لم تقتصر على ليلة خروجهم من البيت بعد المجزرة، بل عند عودتهم ورؤية بيتها وقد تحوّل إلى كومة من التراب والحجارة، مما جعل ابنها يسقط على الأرض مغشيًا عليه فبيته كان حديث البناء.

أما الموقف الثاني فهو حين عاد ابنها إلى لشجاعية؛ لجلب بعض الملابس لأطفاله أثناء فترة الهدنة التي كسرها الاحتلال، حيث احتجزته داخل البيت، وباشر الاحتلال بقصف المنطقة والبيوت المحيطة ببيتهم، وجلس ينتظر قدوم سيارة اسعاف تنقذه مما هو فيه، حتى حضر أهل بيته إليه وأنقذوه من الموت.

تتشابه تجارب النساء الناجيات من حرب حفرت في ذاكرة كل منهن ترسًا من الوجع، ولا يمكن لهن نسيان ما حدث في ظل تجدد الحال السيء.

نسرين والإصابة

كما وتحدثت السيدة نسرين شخصة "34 عامًا" بحزن شديد تستذكر به لحظة إصابتها بشظايا صاروخ حربي أثناء خروجها من الشجاعية ليلة النزوح.

حيث كانت تحمل طفلها بين ييديها بخوف وترقب، تجري بين أروقة الشوارع وهي تشاهد بأم عينها الصواريخ التي تسقط على المواطنين أمامها فتحيلهم شهداء، وأخرى تسقط خلفها حيث كانت تجري، وكأنها مشاهد من فيلم أمريكي كما وصفت.

وتحاول الحديث بصعوبة وهي ما زالت تتألم من آثار الإصابة في أعلى كتفها، وحرمتها من إرضاع طفلها الرابع الذي أنجبته بعد الحرب، ورغم أن علاجها توفره لها إحدى الجمعيات الأهلية دون انقطاع، إلا أن أكثر ما يؤلمها هو وصول ابنتها إلى الصف الخامس الابتدائي وهي ما زالت تعاني من مرض التبول اللإرادي منذ الحرب حتى الآن مع صعوبة إيجاد حل علاجي لها.

وتسعى نسرين المصابة إلى حماية أطفالها الهاربون دوما من أصوات الصواريخ والقذائف حال سقوطها، حتى يهربون إلى الطابق الأول حيث يجدون حنان جدتهم ، ظنًا منهم أنه ممر آمن للهرب، وتوضح لـ"نوى" أن طفلتها تضطر أحيانا للنوم في حضنها خوفًا من تعرضها للقصف، وما زالوا بحاجة إلى دعم نفسي كبير وحتى الأمهات اللواتي لم تتحسن حالتهن النفسية رغم العديد من برامج التفريغ النفسي التي تم تنفيذها.

وتستذكر شخصة أنها في ليلة المجزرة حين فرّت بأطفالها كانت قد تركت كل شيء خلفها ولم تفكر مطلقًا في حمل شيء، مضيفة :"تعزّ علينا ذكريات أسستها مع زوجي منذ تزوجنا، وبيت رتبت أشياءه قطعة قطعة على مدار عشر سنوات، ولكن عندما وجدت نفسي أمام الموت لم أفكر إلا في نجاة أطفالي وزوجي فقط".

أم محمد والنجاة لمرتين

تشير أم محمد شخصة بإصبع يدها صوب فتحات شقوق الجدار في منزلها نتيجة الدمار الإسرائيلي، خاصة أنهم يتعرضون لتسريب المياه في فصل الشتاء داخل البيت، وتؤكد أنه رغم مشاريع الإعمار فإنه لم يتم ترميم هذه الفتحات في سقف جدار البيت.

والأكثر إيلاما للسيدة خمسينية العمرهو تذكرها يكيفية نزوح معظم سكان الحدود إلى صفوف المدارس ومكوث ما يقارب 70 شخصا في صف واحد حرمهم من امتلاك بعد الخصوصية، والحصول على بعض الراحة.

تقول أم محمد:" كان بيت شقيق زوجي عندنا، ولما اشتد القصف ليلة المجزرة أصيب ابني بتشنج نتيجة الصدمة، حاولت تهدئة أبنائي دون جدوى، كنا نفر من غرفة لغرفة، حتى بزوغ الفجر، حينها حملنا أطفالنا وهربنا".

وتضيف:" كنا نجري في الشارع دون أن وعي منا لشيء، فكانت الجثث تحت أقدامنا الشوارع غارقة بالدماء، والصواريخ فوق رؤوسنا، حتى وصلت بيت أهلي في شارع عمر المختار، حينها أصبت بحالة إعياء شديد، نقلني زوج ابنتي إلى المشفى القريب منهم، وفي الطريق تم قصف برج الإسراء أمام عيوننا، فاضطررت إلى أخذ وضعية الانبطاح على الأرض، وحين استيقظت وجدت نفسي بالمشفى، مصابة بشظايا الصاروخ وسمعت صوت أبنائي يصرخون ويقولون: أمنا بخير، هيها صحيت ما ماتت".

تضيف أم محمد أن أكثر ما عانوا منه أثناء النزوح إلى مراكز الإيواء هو فقدان الخصوصية؛ نتيجة تواجد عدد كبير من الأشخاص جاءوامن مناطق مختلفة، إضافة إلى النقص الشديد في المياه وهو ما لا تطيقه النساء اللواتي يعتبرن توفر أدوات النظافة أولوية أولى من الاحتياجات.

بالنسبة للسيدة شخصة فهي لم تنس رغم مرور أربع سنوات ذكريات عودتها إلى حيّها حيث البيوت ركامعلى الأرض، وروائح الجثث المتحللة المنتشرة وجيف الحيوانات الميتة، وحتى خلية النحل التي كانت في البيت.

فكيف لنساء عاثت الحرب فسادًا في أحلامهن وأمنهن الشخصي وأمن أطفالهن وبيوتهن أن تمر الذكرى دون سرد التفاصيل، التي لم يجدن حتى الآن أفقًا يستندن إليه للقول: إن الحياة ستعود عادية، ففي ظل معاودة الاحتلال استهدافه للمواطنين بين حين وآخر يتساءلن بحنق: هل وضعت الحرب أوزارها أم لا؟

الشارع المؤدي إلى بيت أم محمد من هذا الشارع كان يفر الناس 

 

لنــا كلـــمة
كاريكاتـــــير