شبكة نوى
اليوم السبت 20 أكتوبر 2018م22:05 بتوقيت القدس

بعد مجزرة الشجاعية

أطفال غزّة.. تحت غمامة الحرب والتدمير

03 أغسطس 2018 - 22:04
مرح الواديّة
شبكة نوى:

غزة:

"قد تقوم الحرب.. وقد لن نستطيع الهرب منها.. وقد نفقد ألعابنا ولا نأخذ ملابسنا، وأخيرًا، يقول إنه سيبقى مرتديًا زي برشلونة الذي اشتريته له، والحذاء الجديد كي يستطيع الركض بسرعة.." كلّما حلقّت طائرة إسرائيلية في السّماء وكلّما قصت هدفًا ما، وحتّى عندما يدفع الهواء باب المنزل ليغلقه بقوّة وصوتٍ عالٍ.. تقول مها إن السيناريو السّابق يتكرّر مع طفلها محمّد.

بدا الفلسطينيون يوم التاسع عشر من تمّوز / يوليو عام 2014 في قطاع غزّة، حين ارتكبت إسرائيل مجزرة الشجاعية شرق القطاع، وكأنّهم في كابوس، مرّر لهم شريط ذكريات أليم بمجزرة "صابرا وشاتيلا" التي وقعت في السادس عشر من أيلول / سبتمبر في العام 1982، للكبار الذين عايشوها، وللصغّار الذين سمعوا عنها وقرأوها في المدارس.

وبالنظر إلى أطفال المناطق الحدودية، مع مرور الذكرى الرابعة للحرب الأخيرة على القطاع؛ قابلت "نوى" أمّهات بعض الأطفال من حي الشجاعيّة والذين عايشوا ليلة المجزرة أو ليلة "الشيطان الرجيم" كما يسمونها.

محمّد طه 12 عامًا

لم يكن من السّهل على أمهات القطاع عزل أطفالهن عن الأحداث الجارية حتّى وإن حاولن بذلك. تقول مها "ليلة المجزرة كنت أسمع بعض النصائح وأحاول تطبيقها، مثلًا أحاول أن أشغل محمّد بالرسم ولكن من دون جدوى، مع كل ضربة يزداد توتري ويزداد صراخه، كانت صرخاتنا تتقاطع وزوجي عاجز عن تهدئنا. الذي حدث لنا يعد ضربا من الجنون، الاحتلال كان يضربنا بالمدفعيات التي لا تحدد هدفها، قُصف جزء من منزلنا وبدون وعي، وجدت زوجي حمل ابني ومسك بيدي وصرنا نجري بسرعة جنونية نحو أي مكان آمن".

وتضيف "عند السادسة صباحًا تقريبًا، انتقلت من كابوس الدم المتطاير وهدم البيوت على رؤوسنا، إلى كابوس النزوح والتهجير، محمّد يصرخ ويغطي وجهه بيديه، زوجي يمشي بهدوء وضعف، وأنا أسير بجانبه أشد قميصه حافية القدمين وبثوب الصلاة، كالبلهاء، بصمت تام وصدمة من هول المشهد" مشيرة إلى أنها حتى بعد أربعة أعوام على المجزرة، لا تنفك عن تمرير شريط ذكرياتها هذا بشكل يومي، خاصّة عند النظر إلى عيني محمّد الذي تراه كبر 10 سنوات عمّا كان عليه.

"نار الصاروخ اللي بنشوفه زي نار جهنّم يا ماما؟" سؤال أرعب مها التي لم تعرف ماذا تجيب طفلها، فمنذ إعلان وقف إطلاق النار على غزّة في العام 2014، بات الطفل يعاني من مشاكل نفسية لا تسطيع العائلة أن تعرضه على طبيب مختص بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية، أبرزها "الأسئلة الوجودية التي جواب لها، العصبية المفرطة، الخوف، التبوّل، رسم الطائرات والصواريخ والمدفعيات، رسم شهداء واستخدام الألوان الرمادية في الغالب، انعزاله في كثير من الأحيان والتأهّب باستمرار للخروج من المنزل ما أن سمع الطائرات تقصف!

لمار الحرازين 8 سنوات

يتشابه سيناريو التهجير الذي مارسته إسرائيل على سكّان حي الشجاعية. فقدت لمار منزلها بشكل كامل في القصف، كما دمّر الاحتلال مصنع والدها بشكل كامل، فلا تعويض مادي قدّم للعائلة ولا تعويض نفسي! حتّى صارت انعكاسات والديها تضربها بقوّة كنوع من "فشة الخلق" وفق ما روت والدتها.

وما أن تسمع لمار صوت ألعاب نارية أو رصاص أو يحلّق الطيران في السّماء إلا وتصاب بالهلع وتصرخ "بدها تقوم الحرب، يلا نطلع من البيت، وتحاول بسرعة أن تضع ملابسها التي تحب في شنطة خوفًا من حرقها في البيت ما إن قصف كالمرّة الأولى" تحدّثنا خالتها عهود.

وتتابع "لا تتوقف لمار وشقيقتها إيلين عن محاورتنا بخصوص الحرب، أين ستذهبون إذا قامت الحرب؟ رح تموتوا في الدار؟ أمانة يا خالتو بس تصير الحرب تعالوا خدوا ماما عندكم عشان ما بدها تطلع معنا" وعندما تحاول العائلة إشغالهن ببعض الألعاب أو مشاهدة رسوم الكرتون يطلبون بعض مما يروه ثم نسمعهم يرددون بينهم "بس بابا يصير معه مصاري زي زمان بجيبلنا، لما تروح الحرب وتبطل تيجي بلاش يرجعوا يقصفوهم".

سألنا عن جلسات للرعاية النفسية والدعم الذي ممكن أن يكون قدّم لهم، نفت عهود الأمر تمامًا، مؤكّدة أنها محاولات ذاتية من أسرتهما وبرغم ذلك، لا تنسى الطفلتان أبسط التفاصيل التي عايشنها ليلة المجزرة وفترة الحرب.

أحمد حبيب 10 سنوات

تشكو معلّمته من كثرة أحاديثه عن الحرب أمام زملائه في المدرسة، وفق ما قالت والدته سهام مضيفة "لم يقصف منزلنا في الحرب، لكن الشظايا كانت تخترق بعض الجدران، عايشنا ليلة المجزرة بأصعب مما يمكن وصفه بكلمات واستطعنا النجاة بصعوبة، أحاول قدر الإمكان عدم تذكرها اليوم ومشاركة أطفالي تلك التفاصيل، إلا أنني في كل مرة أسمع أحاديث أحمد صدفة مع أصدقائه في الحارة يظل يتحدث عن أن منزلنا قصف، وهم يصدقونه وهذا ما لاحظته معلمته بالمدرسة وأخبرتني به!".

واجهت سهام طفلها في أكثر من مرة حول موضوع الكذب إلا أنه كان يصرخ بوجهها ويصرّ على روايته حتى أنها عجزت في إقناعه بعد الحديث عنها بشتى الطرق، موضحة "أحاول أن أبعد تفاصيل الحرب التي حدثت ولم تحدث عن مخيلته لكنه يرفض تمامًا، وحتى ظروف غزة لا تساعد بكل أسف نظرًا لاستمرار القصف ما بين وقت وآخر، كما أن البيئة التي نعيش بها أطفالها صاروا مشبعين بتفاصيل موت أصدقائهم بالحي في تلك الليلة، هؤلاء كيف لهم أن يتجاوزا الأمر؟".

وتنبّه سهام من أن المدارس على سبيل المثال لا الحصر تمثّل أحد أهم الأماكن التي لجأت إليها أسرتها في الحرب، ما يساهم في فرصة تذكر تفاصيل المجزرة وتبادل الحديث عنها بين الأطفال الذين نزحوا إليها، أمر تعتبره عزّز من قصة الكذب لدى طفلها لاعتقاده أن القصة التي سمعها في الحرب بعد تجربة مريرة حدثت معه كذاك الطفل الذي جمعته الظروف نفسها به، في واحدة من مراكز الإيواء والتعليم في آن.

لنــا كلـــمة
كاريكاتـــــير