شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 12 ديسمبر 2018م06:00 بتوقيت القدس

في ذكراها الرابعة

هكذا عاد الناجون من "الجمعة السوداء" إلى الحياة

02 أغسطس 2018 - 23:55
شيرين خليفة
شبكة نوى، فلسطينيات:

رفح – شيرين خليفة:

ما إن تزور حي التنّور جنوب شرق مدينة رفح، وتمرّ في شوارعه الترابية، حتى تسمع قصصًا مروّعة لمجزرة "الجمعة السوداء" التي ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي في هذا الحي قبل أربعة أعوام خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وراح ضحيتها 155 فلسطينية وفلسطيني.

في كل بيت حكاية لآلام يرويها من بقوا على قيد الحياة، عن لحظات الرعب التي عاشوها وهم يحملون أطفالهم ويهربون من بيوتهم للنجاة بحياتهم. أشلاء الضحايا التي تبعثرت في الشوارع ورائحة احتراق اللحم البشري، مشاهد الدماء التي غرّقت الشوارع، أصوات صراخ المصابات والمصابين وقتذاك ما زالت تصمّ آذانهم، أزيز الطائرات التي تحوم فوق الرؤوس وتطلق قذائفها، مَن قال إن الناس نسوا شيئًا من كل هذا الرعب؟.

الشاهدة والشهيدة

في هذا الحي، مَن يدخل بيت السيدة أم وائل النملة، ويسمع ضحكاتهم، لن يصدق ما حدث لها. ضحكات لا يتبعها انفراج في العين تشي بما تخفيه القلوب، تخبرك صور الشهداء الثلاثة "يوسف النملة وزوجته ولاء، الطفلة نغم"، جانبٌ من معاناة هذه الأسرة؛ وهناك المزيد.

إسراء، شابة صغيرة "23 عامًا" تجلس على كرسي متحرك فاقدة القدمين، طفلها شريف "6 سنوات" أمامها فاقد لعينه ويعاني من إعاقة بسيطة في قدمه، شقيقة زوجها "شهد" 14 عامًا" طفلة تعاني من حروق في يديها بالكامل، زوجها وائل "27 عامًا" مبتور الساق، ويعاني فقدان فرص العمل بعد الإعاقة.

تروي إسراء ذكرياتها الدموية عن الجمعة السوداء: "يومها كنا في هدنة من الحرب، فجأة بدأت دبابات وطائرات الاحتلال قصف بيوت المواطنين، فورًا حملنا أطفالنا وهربنا من البيت للنجاة بأرواحنا، رفض عمي المغادرة ولكن طلب منا ألا نتكاثف معاً خوفًا من استهدافنا جميعًا".

كانت إسراء تجري حاملة طفلتها وزوجها يحمل طفلهم، ومعهم شقيقات الزوج الثلاث اللواتي استشهدت من بينهن نغم، وأصيبت اثنتين، أما شقيق زوجها وزوجته ولاء وطفله، مجرد وصولهم مدخل حي التنور قصفتهم طائرة حربية كانت تحوم فوق رؤوسهم.

شارع ضيق تم استهداف مجموعة من المواطنين فيه

تقول إسراء :"تعرضت للإغماء واستيقظت للحظات رأيت جميع من كانوا معي ممدين على الأرض، لا أعرف أيّهم حي ولا أيّهم ميت، ثم أغمي عليّ من جديد، استيقظت بعدها في المستشفى لأعرف أنني أصبحت بلا أرجل وأن زوجي كذلك وابني مصاب في عينه وقدمه، وأن ثلاثة ممن كانوا قبل ساعات معي انتهت حياتهم".

أين الحياة؟

عانت إسراء لثلاث سنوات صدمة نفسية لرفضها الاعتراف بأنها غير قادرة على الحركة، أقامت تلك الفترة في بيت أهلها رافضة التعامل مع كل محيطها الاجتماعي وحتى زوجها وطفلها الذي كانت ترعاه جدته، ومجرد أن تحسنت عادت لتلّم شمل عائلتها وتكون إلى جوار زوجها الذي فقد عمله ولم يحصل على "راتب جريح" إلى الآن.

أم وائل التي فقدت اثنين من أبنائها وزوجة ابنها فهي تجد سلوى في الطفل الذي تواصل تربيته بعد فقدانه لوالديه، فالسيدة الأربعينية تختصر حكايتها بضحكة مصطنعة وهي تعض على أسنانها :"اللي صار ولا عمرنا بننساه، كيف ننساه واحنا عايشين آلامه وحزنه وتفاصيله، كل زاوية في البيت بتذكرني بنغم وولاء ويوسف، كل ما أشوف ابنهم شريف الصغير بقول ليش الولد يعيش يتيم محروم لا أب ولا أم، شو ننسى؟".

تتنهد السيدة الأربعينية وهي تتحدث عن الأمراض التي داهمتها بسبب حزنها، فقد أصيبت بالضغط والسكر وانخفضت قدرتها على الرؤية وهي بانتظار إجراء عملية في مجرى الدمع، إضافة إلى شكواها المتكررة من حالة هزال عام وإرهاق حتى دون سبب.

تقول أم وائل:"علاوة على حالة الحزن بسبب ما أصاب العائلة، وعجز ابني عن العمل، وإصابة زوجي بمرض وإجرائه عملية جراحية، حتى اللحظة لم تهتم المؤسسات بحالنا، ألسنا عائلة منكوبة؟ ألا تستحق طفلتي شهد إجراء عملية تجميل للحروق؟ لماذا يهملون هذا الحق، العمليات المطلوبة تبلغ تكلفتها نحو 15 ألف دولار ونحن عائلة بالكاد نجد من ينفق عليها بعد كل ما حدث".

شارع جانبي تم استهداف المواطنين فيه

شهود

مأساة عائلة النملة واحدة من مشاهد الموت البشع الذي عاشه هذا الحي. السيد خليل أبو جلالة فقد ابنه شهيدًا، وتحدث عن ذلك المشهد قائلا: "كانت الناس تفّر من الشرق جماعات هربًا من القصف الذي كان يلاحقهم، الطيران فوق الرؤوس والأطفال تصرخ وصل إلى بيتي حوالي 100 شخص، وعندما تم استهداف البيت قلنا بأننا سنغادر بشكل متفرّق".

يضيف أبو جلالة:"خرج الناس تدريجيًا، تم استهداف مجموعة منهم واستشهد 13 دفعة واحدة، نظرت إليهم وجدتهم أشلاء، خرج ابني مع شاب من عائلة الجعب لحمل الشهداء، وتم قصف المنطقة التي تواجدوا فيها ولم أعرف أخباره، بحثنا عنه في اليوم الثاني بين الجثث ولم نجده، إلى أن تم العثور على جثمانه وزميله في مكان بعيد، القصف طيّر جثثهم، كان يومًا داميًا، استشهد فيه أكثر من 150 إنسانًا وأصيب المئات خلال ساعة ونصف".

أما الشاهد أبو محمد أحمد فقال :"القصف بدأ بشكل عشوائي، طائرات إف 16 تستهدف المدنيين، والناس يهربون ويصرخون"، ويضيف إنهم حاولوا مساعدة الناس في حمل الأطفال معهم ولكن أعداد من يفرون بأرواحهم كانت كبيرة والكل يجري.

أحد شهود المجزرة يروي ما حدث

ويشير أبو أحمد إلى مدخل شارع قريب قائلًا:" في هذا المدخل تجمّع أناس محاولين الهروب خارج المنطقة، استهدفتهم طائرة حربية وتوفي 13 منهم، غالبيتهم من عائلة المهموم، على مدخل الشارع قصفت الطائرة تجمعًا آخر للمواطنين واستشهد حوالي 25 شهيدة وشهيد".

لا يستطيع أبو أحمد حتى الآن نسيان ما حدث، فقد شاهد أناس يجرون ويتحولون أمام عينيه إلى أشلاء، شاهد جثثًا برؤوس مقطّعة، وبيوت تُهدم ويستشهد من فيها، كل هذا رأي العين ولا أحد يستطيع مساعدة أولئك الذين يصرخون في انتظار الموت.

كيف ننسى؟

أما الحاج راتب البلبيسي فقد بكى بمجرد أن بدأ الحديث قائلًا:"لا أستطيع نسيان مشهد طفل صغير وجدناه مستشهدًا في أحد البيوت، أصيب الطفل وهو يحاول الفرار مع عائلته التي استشهدت، هو بقي على قيد الحياة وزحف حتى دخل بيت قريب منهم واستشهد داخل البيت".

الحاج راتب البلبيسي يبكي أثناء تذكّره ما حدث يوم المجزرة

ويتذكر البلبيسي مشهد اليوم الثاني للمجزرة حين عادوا إلى الحي ووجدوا الجثث في الشوارع التي فاحت منها رائحة الدماء وتبعثرت فيها الأشلاء ما بين رؤوس مقطّعة وبقايا أقدام وأرجل وعظام محترقة، رائحة اللحم البشري لا يُمكن نسيانها أبدًا، كما يقول.

ويروي كيف قاموا بالاتصال بالإسعاف طالبين نقل الجثث إلا أنهم عجزوا عن ذلك، فاضطروا إلى حمل الجثث على عربات كارو ونقلها إلى خارج المنطقة، وتم تشييعهم جماعيًا، حتى إن بعض الأشلاء لم يُعرف أصحابها.

يوم دامٍ لن يزول أبدًا من ذاكرة سكان هذا الحي ولا ذاكرتنا الجمعية يضاف إلى سلسلة المجازر التي ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي منذ العام 1948، ظنًا أن هذا يمكن أن يُنسي الأجيال أن هناك فلسطين تاريخية، لكن غفلوا حقيقة أن الشعوب لا تغفر ولا تنسى.

أحد الشوارع التي تم استهداف بيوت المواطنين فيها وقت المجزرة

لنــا كلـــمة
كاريكاتـــــير