شبكة نوى
اليوم الثلاثاء 16 أكتوبر 2018م02:22 بتوقيت القدس

ما بعد قوننة العنصرية الإسرائيلية!

31 يونيو 2018 - 07:17
مهند عبد الحميد
شبكة نوى:

في العام 1966، أطلقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على سياسات الفصل العنصري الجنوب إفريقي وصف جريمة ضد الإنسانية، لأنها متناقضة مع المادتين 55، و65، من ميثاق الأمم المتحدة. واعتمد مجلس الأمن ذلك الوصف في أحد قراراته اللاحقة. ثم ارتقى الموقف القانوني الدولي إلى مستوى اعتماد معاهدة الفصل العنصري في العام 1973، تلك المعاهدة التي اعتبرت الفصل جريمة ضد الإنسانية، واعتبرت الأفعال اللاإنسانية الناجمة عنه جرائم بحق البشرية. المادة 2 من المعاهدة تعرّف جريمة الفصل العنصري على الوجه التالي: ممارسة أفعال وسياسات بغرض هيمنة مجموعة سكانية على أخرى واضطهادها بصورة منتظمة، وارتكاب أعمال قتل وتعذيب واعتقال تعسفي وفرض ظروف معيشية صعبة، وحظر التزاوج بين أفراد المجموعتين، وتقسيم المناطق وإخضاع كل منطقة لقوانين مختلفة عن الأخرى، وإصدار تشريعات تمييزية في الميادين السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
إذا جرى تقييم النظام الإسرائيلي استناداً لبنود المعاهدة المبينة أعلاه، سنجد ما يزيد ويفيض من الممارسات العنصرية الإسرائيلية التي تكفي لوسمه بالعنصرية، تشهد على ذلك تقارير مجلس حقوق الإنسان، و"أمنستي"، ومنظمات حقوقية إسرائيلية وعربية مثل بيتسيلم وعدالة وغيرها من جهات الاختصاص. 
غير أن قرار الجمعية العامة رقم 3379 في العام 1975 قطع الشك باليقين عندما اعتبر الصهيونية، عن وجه حق، شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري. لكن التلاعب الإسرائيلي على نصوص في وثيقة "الاستقلال" تتحدث عن المساواة فضلاً عن الحرص الإسرائيلي على نوع من الفصل بين الممارسة العنصرية والتشريعات التي لا تعترف صراحة أو بشكل معلن بالتمييز، ما دفع العديد من الدول إلى الامتناع أو التراجع عن موقفها.
الآن وبعد اعتماد قانون القومية الإسرائيلي، قَطَعَ الكنيست قول كل خطيب، وحُسم الأمر. والآن يستطيع العالم تقييم النظام الإسرائيلي بالاستناد لقانون القومية والقوانين الممهدة كنظام أبارتهايد. والآن يمكن إخضاع النظام الإسرائيلي لمعاهدة الفصل العنصري الدولية بالاستناد للقانون العنصري الجديد، فضلاً عن الممارسات التمييزية والإرغامية الفاقعة بحق الشعب الفلسطيني. 
يقول الأستاذ حسن جبارين رئيس منظمة "عدالة" الحقوقية: "إن النظام الإسرائيلي يواجه سؤال الشرعية وفقاً للقانون الدولي". وفي الجهة الأخرى أصبحت الدول الداعمة لإسرائيل والدول التي تربطها اتفاقات شراكة وفي مقدمتها الاتحاد الأوروبي وجهاً لوجه أمام مواجهة العنصرية الإسرائيلية أو التعاطي معها بشكل فاضح ومن غير مواربة. تماماً كما تفعل إدارة ترامب التي شكلت الغطاء السياسي والدعم المادي لقانون القومية العنصري، وكانت مواقفها من قضية اللاجئين والقدس والاستيطان منسجمة تماماً مع القانون العنصري ومع سياسة حكومة المستوطنين.
قانون القومية الجديد يؤكد على عنصرية الدولة بنسخة دينية أصولية، وفي الوقت نفسه يجسد الأطماع والنهب الاستعماريين. حيث لا يمكن الفصل بين السياستين العنصرية والاستعمارية اللتين دمجهما القانون في سياسة واحدة. ففي التجربة الإسرائيلية، وبعد قانون القومية أزال عتاة اليمين المساحيق عن الوجه العنصري للمؤسسة الإسرائيلية ليظهر على حقيقته. وذهب شعار دولة يهودية ديمقراطية مع الريح، ذلك الشعار الذي كان أصحابه يحاولون إخفاء الجشع الاستعماري للدولة، وكانوا في الوقت نفسه عاجزين عن إخفاء العنصرية، بالحديث عن ضرورة تفادي الخطر الديموغرافي، وبعزل الشعب الفلسطيني في بنتوستونات فصل عنصري. وما كان لمعسكر المستوطنين أن يجد ضالته في قانون القومية لو لم يلتق بسياساته العنصرية مع معسكر اليسار الصهيوني العجوز. المؤرخ الإسرائيلي شلومو ساند أوضح العلاقة بين قانون القومية العنصري الجديد والتراث الصهيوني المركزي، بالقول: لقد وضعت الحركة الصهيونية بنية تحتية لمجتمع يهودي حصري، وفي سبيل ذلك جرى نقل الأرض من السكان الأصليين إلى المستوطنين الجدد، واعتمد العمل العبري، وخصص صندوق الكيرن كيميت ممتلكاته لليهود فقط، وبناء البلدات والمدن اقتصر على اليهود ولم يسمح للسكان الأصليين ببناء قرية واحدة خلال 70 عاماً – بنيت وهدمت قرية العراقيب البدوية في النقب 131 مرة. وأعطى بن غوريون "الملحد" المتدينين حق احتكار عقد الزواج والطلاق من أجل منع الانصهار مع غير اليهود. ويصل ساند إلى نتيجة مفادها أن قانون القومية هو الحفيد الشرعي للإرث الصهيوني.
قانون القومية العنصري الذي حظي بتأييد 58% ومعارضة 34% من الجمهور الإسرائيلي، يعني الكثير بالنسبة للشعب الفلسطيني. بدءاً بنفي الحق الجمعي للسكان الأصليين، كالحق في وطنهم التاريخي، والحق في تقرير المصير بما في ذلك الحق بالعودة إلى وطنهم، والحق بالتحرر والاستقلال. والقانون يهبط باللغة العربية من لغة رسمية ثانية، إلى لغة غير رسمية، ويضع حق 21% من المواطنين غير اليهود -الفلسطينيين - في الأرض والمسكن والميزانيات تحت رحمة العنصرية الجديدة. ويطلق العنان لنهب الأرض واستيطانها وما يعنيه ذلك من تدمير لمقومات دولة فلسطينية. القانون يرسم دولة إسرائيل كدولة أبارتهايد تحكم ملايين الفلسطينيين بسياسة تمييز واضطهاد على أساس قومي ديني. ولما كان تطويع شعب بكامله وإخضاعه لنظام استعماري عنصري تعسفي غير ممكن، فإن استمرار الحرب بأشكالها المختلفة وفتح أبواب الصراع على كل الاحتمالات هو الشيء الوحيد الموجود في جعبة نظام الفصل العنصري الإسرائيلي. شلومو ساند لا يستبعد اللجوء إلى الترانسفير إذا ما اندلعت الحرب. 
ما بعد القانون، ما هو الرد الفلسطيني المطلوب، كان تمزيق القانون وقذفه وسط قاعة الكنيست هو رد القائمة المشتركة. أرادوا القول: إن مصير ومكان القانون العنصري في سلال القمامة فقط. وقد حاكوا بذلك ما فعله حاييم هيرتسوغ المندوب الإسرائيلي في الأمم المتحدة، حين مزق قرار الجمعية العامة الذي اعتبر الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية. الرد من المفترض أن يخضع للدراسة والتمعن دون الانتظار طويلاً. موضوعياً، لقد وحد القانون كل المكونات الفلسطينية أو من المفترض أن يوحدها. وثمة الكثير من الخيارات، كتقديم القائمة المشتركة استقالتها من عضوية الكنيست، والعمل على إعادة قرار الجمعية العامة باعتبار إسرائيل والصهيونية دولة عنصرية هذه المرة. وطرح قضية الأبارتهايد في فلسطين على جدول الأمم المتحدة ومؤسساتها. وإعادة النظر بالاعتراف الفلسطيني بدولة إسرائيل التي أعلنت اعتناقها للعنصرية. والأهم تنظيم الاحتجاجات الشعبية خارج وداخل الوطن. الموقف الفلسطيني المبادر والمنطلق من عدالة قضيته وحقوقه هو الأهم؛ لأنه سيؤثر على المواقف الإسرائيلية المعارضة وعلى المواقف الدولية.
[email protected] 

لنــا كلـــمة