شبكة نوى
اليوم السبت 20 أكتوبر 2018م07:14 بتوقيت القدس

على خطى فيليتسيا وباولا

24 يونيو 2018 - 07:08
مهند عبد الحميد
شبكة نوى:

في الوقت الذي تعلن فيه دولة الاحتلال والحركة الصهيونية عنصريتهما ولا ديمقراطيتهما على الملأ، في الوقت الذي ترعى فيه إدارة ترامب التوحش الإسرائيلي الذي دخل في سباق مع الزمن، وفي الوقت الذي يلف الصمت مواقف دول العالم الحر قاطبة على قانون القومية العنصري، وبلعت مصادقتها السابقة طويلة الأمد  على الديمقراطية الإسرائيلية في شرق غير ديمقراطي. في هذا الوقت تتأسس علاقة من نوع آخر بين فلسطينيين وإسرائيليين ويهود. قبل أسابيع نظم مخيم الدهيشة  حفل تأبين للمحامية الإسرائيلية الراحلة فيليتسيا لانغر، وحزن الكثير من الفلسطينيين على رحيلها، وفي مقدمتهم الأسرى في معسكرات الاعتقال الإسرائيلية والمحررون خارجها. ويوم أمس الأول نظم فلسطينيون حفل تأبين للمناضلة اليهودية الإنسانية باولا أبرامز حوراني، وهي نمساوية من منتسبي الديانة اليهودية وزوجة المفكر الكاتب فيصل حوراني، ومؤسسة منظمة «نساء» بالأسود المناهضة للاحتلال الإسرائيلي والداعمة للحقوق الفلسطينية. 
فيليتسيا وباولا أسستا لعلاقة مع الفلسطينيين بمضمون انساني وديمقراطي، وعلى قاعدة المساواة والعدالة. علاقة أقرنتا فيها الأقوال والقيم بالأفعال، وكان من شأن ذلك بناء ثقة فلسطينية بهما وبكل من سار في ذلك الدرب من اسرائيليين في هذه البلاد ومن يهود خارجها، الثقة لا تقتصر على النخب السياسية الفلسطينية وحسب، بل ومن قبل الناس العاديين والبسطاء. كما نرى العلاقة ليست من طرف يقدم وآخر يأخذ، بل علاقة متبادلة. الاسرائيلي هنا ومنتسب الديانة اليهودية هناك، لا يكون طبيعياً ولا إنسانياً اذا دعم الظلم والاضطهاد والتمييز ضد الآخر، والفلسطيني لا يكون طبيعياً اذا لم يدعم ويدافع عن هؤلاء في مواجهة الضغوط والعقوبات والتشويه الذي تمارسه المؤسسة الإسرائيلية ضدهم، ويعترف بحقهم في العيش المشترك والمتكافئ، ولا تكتمل العلاقة بين الطرفين إلا بالحرية والمساواة والعدالة، خارج العلاقات الاستعمارية ونظام الأبارتهايد. 
دافعت فيليتسيا عن مناضلين ومناضلات من اجل الحرية، ودافعت عن مخيم الدهيشة الذي تعرض للتجريف وبناء الجدران بالأسلاك الشائكة، دافعت عن الأمهات واحتضنت أطفالهن، وعندما اختارت أن تكون في خندق ضحايا الضحايا، تعاملت معها المؤسسة الإسرائيلية وسوائب المتطرفين كأنها فلسطينية. ونظمت باولا ابرامز فعاليات مناهضة لجرائم الحرب والانتهاكات الإسرائيلية على امتداد عشرات السنوات في النمسا ودول أوروبية، ومارست أشكالاً من التضامن ومن دعم للمنكوبين واللاجئين في قطاع غزة والضفة الغربية، وبفعل نضالها أصبحت جزءاً لا يتجزأ من النضال من اجل حرية الشعب الفلسطيني. 
أحب الفلسطينيون المناضلتين وحزنوا على رحيلهما، وفي الجهة الاخرى كرهت المؤسسة الاسرائيلية ومعها سوائب المتطرفين الدينيين والقوميين، الإنسانَتين واعتبرتهما «كارهتين ليهوديتهما»، ذلك المصطلح الترهيبي الذي يُقذف في وجه كل من ينتصر للضحايا ويَرفض الكولونيالية والابارتهايد الإسرائيلييين، كما هو حال مصطلح «مُعادٍ للسامية « الذي يُقذف في وجه كل منتقد  - بما في ذلك المنتقدون الإسرائيليون واليهود- لجرائم الاحتلال وسياسة الابارتهايد. لهذه الأسباب كان من المتوقع تجاهل المؤسسة الإسرائيلية وتوابعها رحيل لانغر وباولا. 
فيليتسيا وباولا ليستا الوحيدتين المتمردتين على الفكر والرواية والممارسة للمشروع الكولونيالي العنصري، فثمة نسبة لا بأس بها من يهود وإسرائيليين شاركوا او حاولوا التمرد على المشروع وثقافته ودولته الإسبرطية. وكان مستوى تأثيرهم ضعيفا ومحدودا وبخاصة لجهة العمل المشترك مع فلسطينيين. يعود ذلك الى صعوبة العمل في مجتمع خضع ولا يزال يخضع لتربية وثقافة تجعل من الآخر نقيضاً في كل شيء. يقول البروفيسور مارسيليو سفيرنسكي : تسيطر دولة إسرائيل على المجتمع وتخضعه لتربية عنصرية  تتولى أمرها الأسرة، والمدرسة، والمتنزه، وصندوق الانتخاب، تعتبر تلك المراحل المترابطة بوابة سوسيولوجية لعملية اخضاع المجتمع الاسرائيلي والسيطرة عليه. ما يود سفيرسكي قوله ان المشروع الصهيوني ودولته يتوليان تفكيك المجتمع الفلسطيني، ويحيلانه الى ضحايا، ويعملان بمنهجية على حرمانه من حقه في تقرير مصيره، وفي الوقت عينه يشوهان ويخربان المجتمع الاسرائيلي كقاعدة للمشروع، ويجعلانه يتعامل مع الفلسطيني كنقيض لا مكان له في هذه البلاد الا في موقع هامشي ومنزوع الحقوق. 
ولهذه الأسباب، تتولى المؤسسة تدمير وتفكيك نقاط الالتقاء بين اسرائيليين ويهود، وفلسطينيين ضمن ثقافة وسياسات بديلة، وكانت النتيجة فشل كل المشاريع المشتركة بما في ذلك تجربة الحزب الشيوعي الإسرائيلي الذي لم ينجح في استقطاب إسرائيليين الا بنسبة قليلة جداً. وهو ما دفع سفيرسكي للاستنتاج بأن إصلاح المشروع من داخله غير ممكن. نتيجة وصلت اليها فيليتسيا لانغر التي لم تعد قادرة على تحمل النظام الإسرائيلي فغادرت الى ألمانيا، ونتيجة وصل اليها المفكر البروفيسور إيلان بابيه، وهي النتيجة التي أوصلت البروفيسور شلومو ساند الى» لماذا لم اعد يهوديا»، الشيء نفسه أوصل الأكاديمي مارسيليو سفيرنسكي الى مغادرة البلاد، بعد 25 عاماً قضاها في إسرائيل، ونتيجة دفعت الأكاديمي اوري ديفيز ان يندمج في حركة فتح والمنظمة والمجتمع الفلسطيني مغادرا المشروع الصهيوني ومجتمعه مرة واحدة. هؤلاء  كانوا جزءا من ظاهرة إسرائيلية يهودية بدأت مع عملية تجسيد المشروع على الأرض وبخاصة بعد تأسيس الدولة.  
الحل بحسب سفيرسكي، يكون باكتشاف الآلية التي تمكن اصحاب الضمير الاسرائيليين واليهود، من تحرير أنفسهم من الهويات العنصرية والانخراط بأفكار وممارسات مستقلة عن تلك الهويات، هذا ما فعلته باولا وفيليتسيا، واتبعته «آرئيل غولد» الأميركية اليهودية الناشطة في (البي دي اس)، والتي منعتها السلطات  من دخول إسرائيل وأعادتها من المطار.أُذَكِّرْ هنا بوجود  40 مجموعة ومنظمة يهودية  قالت في بيان لها صدر مؤخرا، ان مقاطعة إسرائيل ليست «لا سامية». والحل بحسب «أودي أديب». يوجد طريق وحيد أمام الفلسطينيين والإسرائيليين هو «بناء المجتمع المشترك والمستقبل المشترك وهو يستند الى آلاف الكتاب والفنانين وأكاديميين ومفكرين». 
مقابل ذلك هناك من نفض يده من الإسرائيليين دولة ومجتمعاً، بعد صعود عتاة التطرف القوميين والدينيين، وبعد ارتداء اليسار الصهيوني جزمة الاستيطان الذي شكل ولا يزال مرجلا لانضاج مقومات الابارتهايد الكولونيالي. غير ان طبيعة الصراع الفلسطيني الاسرائيلي ومآلاته تستدعي التقاط الشعب الفلسطيني كل اسرائيلي خارج او يخرج عن سرب الابارتهايد والكولونيالية، والعمل سوياً ضدهما، وبالمثل فان مآلات الصراع تستدعي من الإسرائيليين العمل مع الشعب الفلسطيني للخلاص من الأبارتهايد والكولونيالية التي تدمر كل شيء إنساني لدى الإسرائيليين وتزجهم في جيش الاستيطان الكولونيالي وتكرس لديهم ثقافة التوحش التي تدوس على حقوق الإنسان، وحق الشعب الفلسطيني في التحرر، ومنظومات القوانين والاتفاقات المدافعة عن السلم الدولي. وسيجد الطرفان ما يكفي لاستئناف مسيرة فليتسيا وباولا وتجربة السنة الأولى من الانتفاضة الأولى. 

[email protected] 
 

لنــا كلـــمة
كاريكاتـــــير