شبكة نوى
اليوم السبت 20 أكتوبر 2018م06:26 بتوقيت القدس

معا حتى النهاية… الساعات الأخيرة لمراهقين من غزة

22 يونيو 2018 - 06:44
غزل عثمان
شبكة نوى:

يوم 14 تموز/ يوليو، التقط لؤي كحيل، البالغ من العمر 16 سنة، آخر صور شخصية مع صديقه أمير النمرة، البالغ من العمر 15 سنة، عندما كانا يجلسان على سطح مبنى غير مكتمل، يقع في ساحة الكتيبة، قبل استهدافهما من قبل غارة جوية إسرائيلية أودت بحياتهما.

أكّد جميع أهل غزة أن كلا من لؤي كحيل وأمير النمرة كانا أشبه بالأخوة، حتى أن تواريخ أعياد ميلادهما كانت غير متباعدة، حيث وُلد أمير في الثامن والعشرين من شهر أغسطس/آب، في حين وُلد لؤي في الثالث عشر من شهر أيلول/سبتمبر. وقد كان الصبيان المراهقان، اللذان لا ينفصلان، ويقضيان معظم وقتهما في اللعب معا، أو في تناول الطعام في الشوارع، أو الدراسة، أو في مجرد مشاركة أحلامهما وأسرارهما مع بعضهم البعض، معاً حتى النهاية، عندما ضربت غارة جوية إسرائيلية، يوم 14 تموز/يوليو، ساحة شعبية في مدينة غزة.

من جهته، أشاد رئيس وزراء الاحتلال  بنيامين نتنياهو بسلسلة الضربات الجوية التي شنتها قوات الاحتلال، يوم السبت المنصرم، التي زعم أنها تستهدف منشآت حماس في إحدى أوسع العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة منذ سنة 2014، وقد تمكنت من ضرب حركة حماس بأصعب هجوم منذ عملية “الحافة الواقية”. لكن في حي الصبرة، الحي الذي ترعرع فيه أمير البالغ من العمر 15 سنة، ولؤي البالغ من العمر 16 سنة، بقيت عائلاتهما وأصدقائهما في حالة من الصدمة.

أولاد غزة

يتذكر الأقارب أن أمير كان شابا أنيقا للغاية، حيث يقضي ساعات أمام المرآة وهو يستكمل تسريحة شعره. وكان أمير يحلم يشتري له والده، الذي يملك مدرسة لتعليم القيادة، سيارة آلية في يوم من الأيام. كما كان أمير، الذي كان ترتيبه الثاني بين سبعة أولاد، يتقاسم غرفة النوم مع أخيه وليد، الأكبر منه بسنة ونصف. علاوة على ذلك، تقاسم أمير ووليد الملابس والسرير، وتحدثا إلى بعضهما البعض كل ليلة قبل أن يغرقا في النوم.

كان أمير يأمل في أن يصبح رياضياً وينضم إلى صالة ألعاب رياضية، لكن قلبه المريض منعه طوال حياته من ذلك. ومع ذلك، كان أمير يحب الرياضة، وخاصة كرة القدم، الشغف المشترك الذي يجمعه مع لؤي. “صغيران في السن، ولكن تفكيرهما أكبر من سنهما”؛ هذه هي الكلمات التي استخدمها أقارب لؤي وأصدقائه ومعلّموه لوصفه. وكان ينظر إليه على أنه أذكى وأنضج من عمره. من جانب آخر، كان لؤي، الابن من مجموع ستة أطفال، أربعة أولاد وفتاتان. وقد اضطلع لؤي بدور الأخ الأكبر بكل جدية، لا سيما منذ انفصال والديه.

يتذكر صديق لؤي، عبد الله أبو آسر، كيف كان لؤي، عندما يزور منزل والده من دون إخوته، يطلب من عبد الله أن يراقبهم ويحرص على عدم خروجهم إلى الشارع. فخلال العطلة الصيفية، كان لؤي يقضي وقته في التدريب في صالة عمه محمد كحيل، أو حفظ القرآن في المسجد المحلي، بيد أنه كان يحلم أن يكمل تعليمه في الخارج. وفي هذ السياق، أشار عم لؤي، محمد، إلى أن “لؤي كان طفلاً ذكيًا، سعيدًا للغاية ويمكن التعويل عليه، فضلا عن أنه كان يحب التقاط الصور، ولا يُحب أن يُعامل كطفل”.

يوم كسائر الأيام

في ذلك السبت المشؤوم، مارس الولدان حياتهما كالمعتاد. وعلى غرار كل يوم خلال الإجازة، ذهب أمير للعمل مع والده في مدرسة تعليم للسياقة على الساعة السابعة ونصف صباحاً، وعاد إلى بيته حوالي الساعة الرابعة ونصف مساءً، على حد تعبير أمه ميسون.

لم يذهب أمير لتناول الغداء مبكرا وضل يراقب المدرسة بينما ذهب والده لتناول الطعام مع أشقائه. وفي وقت لاحق، أخبر أمير والدته أنه سيخرج لتناول الطعام مع الأصدقاء، تاركا المنزل بسرعة. وفي هذا السياق، تقول والدته ميسون: “لم أره قبل مغادرته المنزل. أتمنى لو تمكنت من الحصول على فرصة رؤيته حينها”. في تلك الأثناء، خطط لؤي مع عمه للذهاب إلى نادي غزة الرياضي، لكن صالة التدريب كانت مغلقة ذلك اليوم. أما أمه، مها، فلم تره قبل مغادرته المنزل مع أمير.

من جانبه، طلب أمير من صديقه خالد الدهشان الخروج معهم، لكنه رفض خوفا من الضربات الجوية التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة في وقت سابق من ذلك اليوم. وبعد أيام، كان خالد لا يزال مصدوما للغاية لدرجة أنه غير قادر على الحديث حول آخر تواصل له مع صديقه، ورفضه لدعوة أمير التي أنقذت حياته.

 

توجه كل من لؤي وأمير إلى ساحة الكتيبة، حيث التقيا بصديق لهما يدعى محمد الجمل. وفي الواقع، تقع الساحة في وسط مدينة غزة ويتواجد بها مبنى كبير مجاور لمسجد لا يزال تحت الإنشاء. وعلى الرغم من هيمنة هذه البناية رمادية اللون وغير المكتملة على منظر الساحة، إلا أنها تعد منطقة معروفة تجتمع فيها العائلات والأطفال للاسترخاء. وعند تطرقه للحادثة، تذكر محمد كيف كان الأولاد يتناولون الفلافل، ويلعبون كرة القدم لبعض الوقت، وكيف ركب أمير الجمل وطلب من محمد التقاط بعض الصور له، قبل أن يغادر محمد المكان. وفي هذا السياق، يقول محمد: “اتفقنا أننا سنلتقي في اليوم الموالي. لم أتوقع أبدا أنني سأراهم في المشرحة”.

 

بعد أن غادر محمد، قرر كل من أمير ولؤي الصعود إلى أعلى المبنى غير المكتمل في الكتيبة لالتقاط بعض صور السيلفي متخذين منظر مدينتهم خلفية لهذه الصور. ولم يكونا على علم بأنه مع كل درج يصعدانه، كانا يقتربان من مصيرهما المحتوم. وبحسب شهود للعيان، أطلقت مقاتلات “إف 16” الإسرائيلية أربعة صواريخ على الأقل على المبنى المتواجد في ساحة الكتيبة، الذي لم يكن يتواجد فيه سوى لؤي وأمير. وقد أصيب الولدان، رفقة 12 شخصا آخرين على الأقل كانوا متواجدين في الساحة، بشطايا بينما انهار جزء من المبنى مخلفا وراءه سحابة من الغبار والدخان.

 

في هذا السياق، صرحت ميسون قائلة: “حتى قبل سماع خبر وفاة أمير، كنت متوترة للغاية. وعندما رأيت الدخان يتصاعد جراء القصف، لم أكن أتوقع أن روح ابني كانت من ضمن ذلك الدخان”. وبعد دقائق قليلة من الغارة الجوية، وصل صديق للعائلة إلى منزل نمرة حاملا هاتفه، الذي كانت شاشته تعرض صورة لأحد ضحايا القصف إذ سرعان ما تعرفت ميسون على قميص أمير الأخضر.

في حالة من الذهول والصدمة، هرعت ميسون إلى مستشفى الشفاء سيرا على الأقدام، وكانت تقوم بفتح أبواب جل الأقسام الواحد تلو الآخر بحثا عن ابنها.

وعند وصولها إلى وحدة العناية المركزة، أخبرها أحد الأطباء أن ابنها قد استشهد وعندما سمعت مها، والدة لؤي، خبر وفاة أمير، هرعت هي الأخرى إلى المستشفى في سيارة أجرة. في الأثناء، بدأ المذيع في الإذاعة بإعلان أسماء الشهداء. لكن، لم تستطع مها تحمل فكرة سماعها لخبر وفاة ابنها بهذه الطريقة. لذلك، طلبت من سائق الأجرة إغلاق الراديو.

 

المصدر: نون بوست

لنــا كلـــمة