شبكة نوى
اليوم الاحد 23 سبتمبر 2018م22:17 بتوقيت القدس

لا دروع تحمي الصحفيين/ات في غزة

16 يونيو 2018 - 07:58
شيرين خليفة
شبكة نوى:

غزة :

لأكثر من ثلاثة شهور يواصل المصور الصحفي أحمد معمر العلاج لإصابته بطلق ناري متفجّر في البطن أطلقه عليه جنود الاحتلال الإسرائيلي عند تغطيته أحداث مسيرة العودة التي يخوضها آلاف المواطنين الفلسطينيين على الحدود الشرقية لقطاع غزة منذ 30 مارس 2018، مطالبين بحق العودة.

لدى إصابته كان الصحفي معمر يبعد أكثر من 300 مترًا عن الحدود الشرقية لمدينة خانيونس، أي بعيد نسبيًا عن الاستهداف المباشر لقوات الاحتلال الذين أطلقوا النار صوبه رغم ارتدائه زيّا يميّزه كصحفي، بلون الجاكيت الكحلي المكتوب عليه بالخط الواضح PRESS لكنه لم يوفّر له الحماية أبدًا.

يقول معمر الذي يعمل مصوّر حرّ:"أعاني من رصاصة ثانية في بطني لم يتم استخراجها، اكتشفها الأطباء بعد شهرين من الإصابة، عندما ذهبت للتغطية كنت أرتدي سترة من القماش مصممة تمامًا كدروع الصحفيين من حيث الشكل واللون ووضوح كلمة PRESS، إلا أنها تخلو من ألياف الحماية".

الصحفي أحمد معمر عند إصابته

ويعلل الصحفي العشريني سبب ارتدائه لهذه الجاكيت بصعوبة حصول الصحفيين/ات العاملين بشكل حر على درع صحافة حقيقي نظرًا لارتفاع ثمنه وصعوبة توفره إلا لمراسلي الوكالات.

في قطاع غزة المحاصر منذ العام 2006، يعجز الصحافيون الفلسطينيون عن توفير دروع الحماية، بسبب منع دخولها من قبل الاحتلال الإسرائيلي، على الرغم من أن القطاع تعرّض للعدوان الإسرائيلي ثلاث مرات خلال السنوات العشر الماضية، ناهيك عن الاعتداءات اليومية، ما يجعل هذه الأدوات ضرورة لكل صحفية وصحفي.

فقط للوكالات!!

الصحافية ولاء أبو جامع من مدينة خانيونس، اعتادت منذ عامين التغطية الميدانية حتى في أماكن الخطر ومن ضمنها مسيرات العودة، تحرص ولاء على ارتداء زي الصحافة؛ ولكنها مثل أحمد تستخدم زيًا خاليًا من ألياف الحماية.

تقول ولاء :"ما أستخدمه ليس درعًا إنما قماش محشو بالاسفنج تكلفته 120 شيكلًا " نحو 35 دولارًا"، وعليه علامة صحافة واضحة يشبه الدرع تمامًا"، وتقرّ بأنه لا يوفر الحماية من رصاص الاحتلال فهو فقط يعطي هوية للصحفي العامل في الميدان، والقانون الدولي يحرّم استهداف الصحفيين/ات، لكن الاحتلال لا يفرّق.

الصحافية ولاء أبو جامع

ولاء وأحمد يؤكدان أنهما اضطرا لاستخدامها كما غيرهم من الصحفيين/ات العاملين بشكل حر ولا يتمكنوا من توفير دروع صحافة بسبب ارتفاع ثمنها وصعوبة توفرها، وهذا بالضبط ينطبق على المصور الصحفي عبد الرحمن الكحلوت من مدينة غزة، والذي أصيب برصاصة في قدمه خلال تغطيته أحداث مسيرة العودة شرق مدينة غزة.

يقول الكحلوت :"اشتريت زيًا من عند خياط يعمل في حياكة جاكيتات الصحافة كما يفعل الكثير من الزميلات والزملاء، يشبه الدرع الحقيقي ويوجد فيه مكان لألياف الحماية وهو نسخة مشابهة لما يرتديه مراسلو الوكالات".

ويضيف إن ثمن الدرع الحقيقي لا يقل عن 4000 دولار وهذا ليس بمقدور أي صحفية أو صحفي يعملون بشكل حر، فيضطرون إلى الاكتفاء بالتعريف بهويتهم، موضحًا إنه حتى الدروع التي يستخدمها الصحافيون ليست كلها توفر الحماية، فالزميل ياسر مرتجى الذي استشهد برصاص الاحتلال كان يرتدي درعًا ومع ذلك استهدفه القناص في أضعف نقطة بالدرع.

ولا ينفي الكحلوت أن ارتداء الدرع الحقيقي أفضل، فهو على الأقل يوفر الحماية لأجزاء الجسم الأساسية، إلا أن توفّرها صعب ما لم تتحرك وكالات أجنبية من أجل ذلك وهذا صعب أيضًا.

عبد الرحمن الكحلوت 

صعوبة توفير الدروع للصحافيين في القطاع لا يتوقف عند العاملين بشكل حر؛ إنما ينسحب أيضًا على المؤسسات الإعلامية الرسمية، يقول مدير قناة فلسطين مباشر سمير خليفة إن التلفزيون لديه أربعة دروع حماية فقط، وهي غير كافية للطواقم خاصة عند الحاجة لتغطية أحداث في عدة محاور.

ويضيف خليفة إن التلفزيون غير قادر على توفير دروع أخرى رغم تواجدها في الضفة الغربية بسبب منع الاحتلال دخولها عبر حاجز بيت حانون، رغم التواصل مع عدة جهات من أجل إدخالها.

مدير عام شبكة الأقصى وسام عفيفة أيضًا يؤكد أنه خلال تغطية مسيرات العودة الموزعة في خمس مناطق؛ لم يكن هناك إمكانية لتوفير الدروع للجميع نظرًا لمحدودية عدد المتوفر منها، ما اضطرهم إلى شرائها بشكل غير مباشر وبتكلفة أعلى.

وأوضح أن كل الطواقم الآن يتوفر لها دروع حماية خضعت للفحص بأنها غير منتهية الصلاحية، ولكن هناك حاجة للمزيد، فالأولوية كانت للمصور ثم المراسل بينما تريد الشبكة توفير الحماية لكل الطاقم.

أما هالة طنوس منسقة الإعلام في اليونسكو فقالت إنهم أدخلوا 36 درعًا للصحفيين وأدوات إسعاف أولي عقب العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2009 ، تم توزيعها من خلال مؤسسة محلية، لكن لم يدخلوا بعد ذلك شيئًا.

وأوضحت إن عدم إدخال اليونسكو لدروع أخرى عائد إلى عدم وجود تمويل من المانحين لهذه المشاريع، فاليونسكو هي جهة تحصل على التمويل وتنفذ مشاريع وليست جهة ممولة.

بالخبرة

في سوق الزاوية وسط مدينة غزة، يعكف الخياط خليل الفرّام - وهو أحد الخياطين الذين يحيكون جاكيتات الصحافة - على حياكة مجموعة من الملابس، دون وجود لأي جاكيت صحافة، فكما يؤكد لنوى "أشتغلها ع الطلب فقط".

يعمل الفرام خياطًا منذ 10 سنوات، لكنه اتجه نحو حياكة جاكيتات الصحافة منذ خمس سنوات نتيجة للطلب الكبير عليها من قبل الصحفيين الفلسطينيين، ويؤكد أنه يصمم نموذجًا طبق الأصل للدرع الصحفي مع وجود أماكن وضع حديد الحماية والألياف.

ويحكي أنه لطول عمله في هذا المجال اكتسب خبرة في مواصفات الجاكيت فقد صمم أكثر من 120 جاكيتًا، إلا أنها تختلف عن الدروع الرسمية المزودة بألياف الحماية، أما زبائنه من الصحفيين فقال :"عادة الصحفي الحر"، لكن لمرة واحدة جاءه صحفي يعمل في وكالة أجنبية، كان قد حصل على ألياف حماية من الخارج عن طريق صحفي أجنبي وجاءه كي يحيك له جاكيتًا لهذه الألياف.

لا وجود للأدوات!!

المدرب الدولي في السلامة المهنية للصحفيين/ات سامي أبو سالم يعتقد أنه لا يوجد التزام مرضي من الصحفيين/ات الفلسطينيين بأدوات ومهارات السلامة المهنية، إلا أن من يلتزم هم الصحفيون/ات الأكثر خبرة في العمل الميداني ومن خاضوا تجارب سابقة في التغطية ومراسلي وسائل الإعلام الدولية.

وأوضح أن وسائل الإعلام الكبرى توفّر دروع السلامة المهنية لمراسليها، وهو ما يفتقده مراسلو الكثير من وسائل الإعلام المحلية والصحفيين/ات العاملين بشكل حر، مشيرًا إلى أن ارتداء الجاكيت الخالي من ألياف الحماية يكفي للتعريف بالصحفي كونه ميّز نفسه، لكن لا يوفر الحماية.

وشرح أن الصحفيين/ات العاملين بشكل حر يصعب عليهم توفير الدروع بسبب ارتفاع ثمنها وصعوبة دخولها القطاع، فوسائل الإعلام التي يصورون لها ليست مسؤولة عنهم، وهنا يتوجّب تدخل جهات أخرى لتوفيرها مثل نقابة الصحفيين، وزيادة دورات السلامة المهنية.

ياسر مرتجى عند إصابته

لكن ذكّر أنه ليست كل الدروع كافية للحماية، فمثلًا الصحفي ياسر مرتجى استشهد وهو يرتدي درعًا وقد أصابته رصاصة القناص في مفصل الدرع، كما أن ثقل وزن الدرع الذي يتجاوز أحيانًا 20 كيلو يشكّل عبئًا على الصحفي، رغم وجود دروع أكثر تطورًا وحماية وأخف وزنًا لكن يرفض الاحتلال إدخالها.

حتى الشركات!!

الصحفي سامي زيارة رئيس مجلس إدارة شركة استديوهات غزة، يؤكد حرصه على توفير الدروع اللازمة للمصورين، والتي يحصل عليها من خلال الصحفيين الأجانب الذين يزورون غزة، لكنه نفى قدرة الشركات على إدخالها، إنما يحصلون عليها من خلال علاقاتهم بالصحفيين الأجانب.

وقال إن الاحتلال لا يقبل أن يدخلها فلسطيني، إلا أن ما هو متوفر مطابق تمامًا للمواصفات العالمية فأقل درع وزنه 12 كيلو، وما يتم إدخاله هو حسب طلب الشركة والمواصفات التي تحددها، مضيفًا إن عدد الدروع المتوفرة في القطاع لا تتجاوز 120 درعًا في إطار الشركات ووسائل الإعلام.

النقابة لا تستطيع

نائب رئيس نقابة الصحفيين د.تحسين الأسطل أكد أن النقابة تطالب المؤسسات الصحفية بتوفير أدوات السلامة المهنية لصحفييها، ضمن المواصفات والمقاييس المتعارف عليها دوليًا والمسجلة لدى الاتحاد الدولي للصحفيين، موضحًا أن الاحتلال يمنع دخولها ولكن هناك إمكانية لإدخالها عبر الشركات.

وأضاف أن هناك صحفيين/ات يستخدمون جاكيتات قماش تميزهم ويضعون فيها ألواح من "الأبلكاج"، وهي كلها لا توفر السلامة، مؤكدًا أن الكثير من الشركات لا تلتزم بهذه الشروط فبعض الصحفيين يأخذوا على عاتقهم توفيرها وخاصة من يعملون بشكل حر، أما نقابة الصحفيين فقد سعت لتوفير دروع ولكن لم يسمح الاحتلال بإدخالها بحجة أن النقابة جهة إشرافية وليست مؤسسة صحفية.

منتصر حمدان رئيس لجنة التدريب والتطوير في نقابة الصحفيين الفلسطينيين قال إن النقابة في الضفة الغربية أيضًا لا تستطيع إدخال الدروع فالاحتلال يتعامل معها باعتبارها معدّات عسكرية، إلا أن الشركات الخاصة والوكالات يستطيعوا توفيرها وهي مسؤوليتهم.

وأكد أن النقابة مسؤولة عن توفير الدروع للصحفيين الذين يعملون بشكل حر، موضحًا إن الاتحاد الدولي للصحفيين حاول إدخال 10 دروع للنقابة عبر معبر رفح وبقيت فترة لدى نقابة الصحفيين المصريين ثم تم إرجاعها إلى بروكسل، وبعد حرب عام 2014 كان هناك توجهًا لدى اتحاد الصحفيين العرب بتوفير 50 درعًا للصحفيين في قطاع غزة ولكن لم يتمكنوا من إدخالها بسبب تعقيدات نقلها عبر المعابر والمطارات.

وزارة الشؤون المدنية أكدت أن دروع الحماية الخاصة بالصحفيين ليست على قائمة المنع من قبل الجانب الإسرائيلي، تمامًا كما يؤكد وليد وهدان الناطق الإعلامي للشؤون المدنية الذي يضيف إنها تدخل للمؤسسات الدولية وليس للمحلية لأن الاحتلال يمنح الدولية اهتمامًا أكبر.

وعزا وهدان رفض الاحتلال لدخولها لنقابة الصحفيين بأن الأمور تخضع أحيانًا لمزاجية من يقرر لدى الاحتلال، لكن الشؤون المدنية تتدخل في حال لزم الأمر فالمسألة فيها حماية للصحفي الأصل أن تكون متوفرة، وهذه الأدوات يفترض أنه لا يوجد منع بدخولها عبر معبر كرم أبو سالم.

ويبدو أن انتشار ظاهرة استخدام جاكيتات الصحافة غير المزودة بوسائل حماية تحتاج إلى وسائل تدخل أخرى تحمي الصحافيات والصحفيين العاملين بشكل حر لمساعدتهم على الاستمرار في تقديم رسالتهم مع الالتزام بما تتطلبه إجراءات السلامة المهنية.

كاريكاتـــــير