شبكة نوى
اليوم السبت 22 سبتمبر 2018م05:42 بتوقيت القدس

الوزارة تصفه بـ"الاحتيال"

الدراسات العليا المهنية: التعليم ينحدر في غزة

08 يونيو 2018 - 09:17
إسلام البلبيسي و محمد أبو دون
شبكة نوى:

غزّة:

ربّما يُصاب المشاهد لإعلانٍ صادر عن إحدى الجامعات في قطاع غزّة، تستقطب فيه منتسبين لبرامج ماجستير ودكتوراة "مهنية"، بصدمةٍ كبيرة تأخذه لجانبِ التحسر تارةً والتهكم تارةً أخرى؛ على الحال الذي وصلت المسيرة التعليمية والقيمة العلمية "المُنحدرة" للشهادات العليا في غزّة.

وجاءت صيغة أحد الإعلانات المُروجة والمنشورة على الحسابات الإلكترونية الخاصّة بجامعة "غزّة" على الشكل التالي: "بشرى سارة من جامعة غزة، عمادة خدمة المجتمع والتعليم المستمر، لأهلنا في الشمال، حيث سيتم عقد برنامج الدبلوم والماجستير والدكتوراه المهنية في فرع الشمال التابع للجامعة، وهناك خصم خاص للمسوقين".

ما هي الحكاية وراء ذاك الإعلان وغيره؟، ومن هي المؤسسات التي تقدم تلك البرامج؟، كيف ومتى تمّ افتتاحها؟، وما هو المفهوم العلمي للتعليم المهني؟، هل تلك البرامج مرخصة من وزارة التربية والتعليم؟، كم تبلغ التكلفة المادية المطلوبة للحصول على شهادات تلك البرامج؟، وما هي معايير القبول فيها؟.

الإجابات تعرضها لكم "شبكة نوى" في سياق التقرير التالي:

بلا ترخيصٍ وتصديق

زيارةٌ لعددٍ من المواقع الإلكترونية المختصة بنشر إعلانات فرص التدريب والتعليم، كانت كافية لوضع يدي معدّا التقرير على عددٍ من الجامعات والمراكز التدريبية، وهي "جامعة غزّة، وجامعة الأمة، وكلية الزيتونة، والأكاديمية الأوروبية للتدريب، وبوليتكنك المستقبل التطبيقي الّذي أُغلق؛ لأسبابٍ خاصّة قبل مدّة"، وتقدم المؤسسات المذكورة ما تدعي أنّه "برامج دراسات عليا مهنية" بقوالب مختلفة، مستخدمةً أساليب إعلانٍ تسويقية تجارية بحتة، دون مراعاةٍ لخصوصية العملية التربوية التعليمية ومكانتها الواجب عليها احترامها.

أولى المؤسسات التي طرقنا بابها مستفسرين عن تلك البرامج ومتعلقاتها، كانت جامعة غزّة التي قالت على لسانِ مديرة عمادة خدمة المجتمع والتعليم المستمر فيها الدكتورة مي نايف: "إنّها بدأت بتقديم برامج الماجستير والدكتوراة المهنية لأول مرّة في فلسطين منذ ثلاث سنوات في تخصّصات التنمية البشرية وعلوم الطاقة الحيوية وإدارة الأعمال، بعد مشاوراتٍ داخلية أجرتها الجامعة، وأخرى خارجية مع وزارة التربية والتعليم وغيرها"، مبيّنةً أنّ المستفيدين منها بلغ عددهم نحو الـ 200 حتّى الآن.

وأشارت إلى أنّ درجة الدكتوارة تُمنح في مدّة أدناها عام وأقصاها عامين، ويُقدر الوقت تقديرًا من قِبل المشرفين، دون وجود قوانين ولوائح خاصّة تضبط ذلك الأمر، وبالنسبة للماجستير فمدّته تقع بين سبعة شهور والعام الواحد، متابعةً أنّ "أغلب المنتسبين في تلك البرامج هم من أصحاب السن الكبير، وكذلك أصحاب المناصب في المؤسسات والأحزاب الّذين يرغبون بتحسين موقعهم الوظيفي والمجتمعي، ولا يمتلكون شهاداتٍ عليا، فيلجئون للالتحاق بتلك البرامج التي تستقبلهم حتّى لو أنّ أخر شهادة حصلوا عليها قبل الانتساب هي الثانوية العامّة".

وأوضحت نايف وهي متحصّلة على درجة الدكتوراه في اللغة العربية، أنّ الشهادات التي تمنح لمجتازي تلك البرامج مصدّق عليها بختم الجامعة فقط، دون اعتمادٍ من دائرة التعليم العالي بوزارة التربية والتعليم، وتبرر هذا الأمر باعتبارها "أنّ تلك البرامج تقع ضمن نطاق التدريب والدورات التي تقدمها الجامعة كخدمة للمجتمع والتي لا يحكمها سقفٌ تحددُ به مسمياتها ومضامينها".

وذكرت أنّ شخصًا واحدا فقط يُحاضر في أغلب المساقات التي يدرسها طلبة تلك البرامج، وتقول إنّها "مؤخرًا رفعت سعر الماجستير ليصل لـ 350 دينارًا أردنيًا و1200 دينارًا أردنيًا للدكتوراه بعد أن كان أقل من ذلك بمستوى النصف تقريبًا".

منافسة شديدة

من جهةٍ ثانية، يقول الأستاذ محمّد السويركي وهو الشخص الوحيد المسؤول عن برامج الماجستير والدكتوراه المهنية في كلٍ جامعة الأمة للتعليم المفتوح، إنّه وبعد إغلاق بوليتكنك المستقبل التطبيقي الذي كان يقدم فيه تلك البرامج، حاول البحث عن شريكٍ آخر، فكانت جامعة الأمة، مبيّنًا أنّه استطاع خلال عام واحد فقط أن يخرج أكثر من خمسين شخصًا يحملون شهادات تلك البرامج في تخصصات "علم النفس والإدارة والبرمجة اللغوية والتنمية البشرية".

وبالحديث عن أسعار تلك البرامج التي تقدمها جامعة الأمة، سنجد أنّها أقل بكثير من تلك الموجودة في جامعة غزّة، إذ يصل سعر الماجستير لـ 200 دولار تقريبًا ويقدم في مدة أقصاها 4 شهور، أمّا الدكتوراه يصل سعرها لـ 500 دولار وتمنح في فترة أقصاها عام واحد. ويجدر الإشارة هنا إلى أنّ تلك البرامج حالها كحال مثيلها في جامعة غزّة، إذ يغيب عنها توقيع واعتماد وزارة التعليم والمبرر هو ذاته كما أوضح السويركي.

ويذكر السويركي أنّه وبعد انتهاء الاتفاق الذي وَقّعه مع جامعة الأمة قبل عدّة أشهر، وقدم على أساسه تلك البرامج من خلال عمادة التعليم المستمر فيها، لجأ لكلية الزيتونة للعلوم والتنمية، ووقع مع إدارتها اتفاقًا لتقديم تلك البرامج من خلالها، منوهًا إلى أنّه سيشرع قريبًا في التنفيذ الفعلي والإعلان على استقطاب مسجلين في البرامج.

وبالنسبة للأكاديمية الأوروبية العربية حاول معدا التقرير الاتصال بأرقام الهواتف المرفقة في إعلاناتها المنشورة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لكنّهم لم يلقوا أيّ تجاوب.

المفهوم الصحيح

ولكي تكون الصورة أوضح نعرض لكم تعريفًا علميًا دقيقًَا، للماجستير والدكتوراة المهنية وفقًا لما أوردته الأكاديمية العربية البريطيانية للتعليم العالي التي يقع مقرها العام في لندن، وفروعها تخترق عددًا من الدول حول العالم.

_ الماجستير المهني: هو شهادةٌ مهنية عُليا تعنى بالدراسة التي تنمي المهارات التطبيقية، إذ أنّ الطلاب الحاصلين على هذه الشهادة يتم اعتبارهم من قوى العمل المهنية بعد تخرجهم مباشرة؛ لما درسوه وأتقنوه من المهارات المهنية في مجالهم التخصّصي.

_ الدكتوراة المهنية: هي شهادةٌ مهنية عليا، تتطلب دراستها  توافر مؤهل الماجستير بشكل أساسي لدى الطالب قبل التحاقه بالبرنامج سواء ماجستير تقليدي أو ماجستير مهني أو ما يعادل تلك الدرجة بصفة عامة، وتتميز بارتباطها الشديد بحاجات سوق العمل ومتطلباته المختلفة.

حاولنا من خلال شبكة الإنترنت البحث عن نماذج خارجية أخرى تقدم ذات البرامج، خاصّةً وأنّ القائمين عليها محليًا، قالوا إنّها جاءت استنساخًا لتجاربٍ خارجية، ما وجده معدّا التقرير هو عددٌ محدود من التجارب، وكانت عبارة عن جامعاتٍ تمنح شهاداتٍ عليا في تخصصات مهنية مثل "التنمية البشرية وإدارة الأعمال والعلوم الصحية"، لكنّ الشروط والوصف العام للبرامج إذا ما تمّ مقارنتها بما هو موجود محليًا فالأمر يختلف بشكلٍ كلي.

فمثلًا، جامعة عين شمس المصرية تقدم برنامج الماجستير المهني في تخصّص إدارة الأعمال، تبعًا لشروطٍ نذكر بعضها "أولًا، أن يكون المتقدم حاصلًا على شهادة بكالوريوس بتقدير عام جيد على الأقل.. ثانيًا، إذا كان المتقدم من أصحاب التخصصات غير التجارية عليه دراسة أربع مساقاتٍ استدراكية.."، يضاف إلى ذلك أنّ المدّة الأدنى للحصول على الماجستير هي عامان والأقصى أربعة أعوام، وتبلغ التكلفة المالية له 5000 دولار تقريبًا.

تحايلٌ على القانون

حملنا ما بين أيدينا من معلوماتٍ تحصّلنا عليها، وذهبنا بها إلى وزارة التربية والتعليم في غزّة، التي أكّدت من خلال مدير دائرة التعليم العالي الدكتور أيمن اليازوري على أنّ تلك البرامج "لا تتعدى كونها دوراتٍ تدريبية لا ترقى لمستوى الدبلوم حتّى"، مبيّنًا أنّ استخدام مسمياتِ ماجستير ودكتوراة من قِبَل المؤسسات المنفذة لها "لا هدف له سوى التلميع والاحتيال على الشخوص بطريقٍ أو بأخرى".

وقال اليازوري: "إن الجهات التعليمية الّتي يحق لها منح الدرجات العلمية في التخصصات المهنية هي الجامعات التقنية (البولتكنيك)، ويجب أن يتمّ ذلك بعد الرجوع للوزارة لتصديق تلك البرامج والالتزامِ بشروطٍ معينة"، وبناءً على ذلك نفى اليازوري أن يكون للوزارة أيّ علاقة بالبرامج المذكورة، مبيّنًا أنّ القائمون عليها طرقوا بابهم عدّة مرات، ولم يعروهم أيّ اهتمامًا؛ "لأن الأمر باختصار خارج عن كلّ القوانين والقواعد العلمية والمهنية".

ولفت إلى أنّ تلك الممارسات هي "ابتذالٌ لبرامج الدراسات العليا وضربٌ في قيمتها العلمية والمجتمعية"، موضحًا أنّهم كوزارة لا يملكون أداةً لإيقاف تلك البرامج والسبب يعود في ذلك، إلى "تستر" تلك الجامعات بعمادات ومراكز خدمة المجتمع فيها، والّتي يحق لها بحسب القانون تقديم خدماتٍ تعليمية وتدريبية للأفراد بالأسلوب الّذي تراه مناسبًا، دون الرجوع للوزارة.

بالرجوع لقانون التعليم العالي الجديد لسنة 2018 سنجد أنّ ما قاله اليازوري يتعارض مع ما جاء في المادة الخامسة الواقعة ضمنه، وتحديدًا البند الرابع الذي أَوكل مهمة متابعة المؤسسات وبرامجها وأنظمتها الأكاديمية ومدى جودة الخدمات التي تقدمها إضافة لتقييم أدائها ومخرجاتها بشكلٍ تفصيلي لوزارة التربية والتعليم العالي.

فضلاً عن ذلك، فإن القانون رقم (11) لسنة 1998 بشأن التعليم العالي، قد نص في المادة الخامسة من الفصل الثالث، على اعداد مشاريع القوانين والأنظمة وإصدار التعليمات اللازمة لتنظيم عمل جميع مؤسسات التعليم العالي والأجهزة التابعة للوزارة بشكل يضمن جودة الأداء والتطوير المستمر، فضلا عن الإشراف على مؤسسات التعليم العالي وفق أحكام هذا القانون والأنظمة التي تصدر بمقتضاه.

 ختامًا، إذا كانت بعض الجامعات والمؤسسات مستمرةً في إيهام أشخاصٍ غير مؤهلين، بأنّها تمنحهم الدرجات العلمية العليا، بناءً على توصيات حزبية ومؤسساتية مقابل مبالغ مالية، دون مراعاةٍ أخلاقية للأسس العلمية والمعرفية، في ظلّ غيابٍ واضح للرقابة الرسمية، فكيف سيكون الشكل العام للحياة التعليمية والتربوية مستقبلًا في غزّة؟.

كاريكاتـــــير