شبكة نوى
اليوم الثلاثاء 25 سبتمبر 2018م10:49 بتوقيت القدس

اختلاف الأطباء نقمة على مرضى التوحد: عبد الرحمن نموذجاً

04 يونيو 2018 - 09:41
رشا سالم
شبكة نوى:

غزة-

كان طفلًا هادئًا في عينيه بريق ذكاء يضيء وجهه جمالًا فوق الجمال، لكنه وصل العام وثمانية شهور دون أن يشعر بما يفعله من حوله، أو أن من حوله هم من لم يشعروا بما في داخله، وبين ترجيح هذا أو ذاك حُكم عليه طبيًا بأنه طفل "مريض توحد"، ليبدأ ذلك البريق بالاختفاء وتنطفئ طفولة "عبد الرحمن" في رحلة علاج ممتد، يقود قطارها "أطباء مختلفون".

أول محطة في قطار حياة التوحد بدأها عبد الرحمن النجار الذي بلغ عمر التسع أعوام، كانت بالهينة إلى حد ما، حيث التزم والداه بالمتابعة عند أحد الأطباء وهو من شخص مرضه على أنه "توحد بسيط جدًا يمكن علاجه وتخطيه"، وكتب له أنواع من الأدوية التي تناسب عمره ونسبة تأثير المرض فيه، وهي عبارة عن مغذيات للمخ ومقويات للأعصاب.

تقول والدته الثلاثينية هبة النجار لـ"نوى": "سافر طبيب عبود، وبدأت في السؤال عن طبيب أخر يكون مثله أو أكثر حنكة ودقة في علاج ابني، فتوصلت من خلال سؤالها في إحدى الجمعيات المعنية بالتوحد إلى عنوان دكتور شاطر، وهنا كانت بداية النهاية للصحة التي كان يتمتع بها".

تقصد الأم بأثار الدواء على الحالة العامة له وتصف ذلك بألم: "صار الولد كقطعة القماش دائمًا بحالة ارتخاء، ومع استمرار الدواء أصبح عنفواني بشكل كبير وقوي ويصرخ دائمًا، ويعاني من سيلان لعب مستمر".

مزيد من الاضطرابات والمرض

توجهت الأم التي تقطن بلدة خزاعة جنوب قطاع غزة، للطبيب لمراجعته خوفًا على صحة طفلها، وكان رده الاعتيادي لمعظم الأطباء الذين يصرفون أدوية للمرضى وتسبب لهم أثارًا جانبية، أن قال لها: "طبيعي كلها أثار تنتهي مع الوقت".. لكنها لم تنته، فعبد الرحمن فقد القدرة على المشي بمحطة قطاره الثانية في رحلته مع الأطباء وهو لم يبلغ سوى الرابعة من عمره .

وبعد أن أصيب عبد الرحمن بارتخاء في الأعصاب هجر ذويه الطبيب "نتحفظ على ذكر اسمه"، إلى طبيب ثالث والذي بدوره صُدم حينما اطلع على نوعية وعدد الأدوية التي كان يتجرعها بتوصية من سابقه، وفي الزيارة الأولى صاح غاضبًا ومخاطبًا والديْ الطفل: "ما هذا؟!،، هذا العلاج لا يُعطى لطفل في هذا العمر"، وكان الطفل قد أصيب بتلف جزء من خلايا الدماغ.

ومرض التوحد "أو الذاتوية" هي أحد الاضطرابات التابعة لمجموعة من اضطرابات التطور المسماة باللغة الطبية "اضطرابات في الطيف الذاتويّ" تظهر في سن الرضاعة قبل بلوغ الطفل سن الثلاث سنوات، على الأغلب.

وبالرغم من اختلاف خطورة وأعراض مرض التوحد من حالة إلى أخرى، إلا أن جميع اضطرابات الذاتوية تؤثر على قدرة الطفل على الاتصال مع المحيطين به وتطوير علاقات متبادلة معهم.

وحسب إحصائيات وزارة الداخلية بغزة، فإن عدد المواليد بلغ نصف مليون خلال السنوات العشرة الماضية لذا فيمكن تقدير عدد المصابين بالتوحد بغزة نحو 2500طفل وطفلة، ورغم أن تقدير العدد العام لمرضى التوحد بفلسطين يبلغ بين 5 ألاف إلى 6 ألاف مريض-حسب منظمة الصحة العالمية- إلا أنه لا يوجد إحصائيات دقيقة لهم لدى وزارة الصحة .

ومع أسفها على ابنها ومعاناتها في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية الضيقة التي تعانيها الأسرة، جاهدت من أجل تنفيذ توصية الطبيب الجديد بضرورة إجراء "ضغط أكسجين" على دماغه بواقع 80 جلسة.

وهنا صاحت الأم بحزن شديد على ما وصلت من معاناة: "كل جلسة من الثمانين تحتاج 80 شيكل، وبسبب سوء الوضع أجرينا له نصف الجلسات في مستشفى دار السلام بخانيونس، بعد أن بعت كل ما أملك من الذهب في سبيل علاجه".

بين معالجة الأثار وقلة الحيلة

صمتت الأم وهي تعمل ممرضة في إحدى مشافي القطاع وتتلقى راتب ألف شيكل، بينما زوجها عاطل عن العمل"، ثم رددت: "لست نادمة على ذلك ولا على أي شيء، فعبود بكري على بناتي، والبكر أغلى الغاليين، لكن ماذا أقول نصيبه هكذا".

وإلى جانب ذلك كافحت الأم من أجل محاولة تدبير ثمن الأدوية لطفلها والتي يكلف ثمن أقلها بين 100 إلى 200 شيكل، فيما وصل ثمن عدد منها 450 شيكل، "وكل هذا بدل ما يعالج ابني زاده مرضًا وأصابه بزيادة كهرباء في جسده ودمر خلايا مخه".

ورغم وصوله عمر التاسعة إلا أن عبد الرحمن ما يزال محصوراً في عالمه بعد المضاعفات التي تعرض لها، لدرجة أن الجميع يئس من علاجه وإمكانية دمجه في المجتمع، في حين كان قد تحسن سابقًا بنسبة 60%.

تقول والدته: "اسم ابني أصبح مسجلًا في عيادات ومراجعات 8 أطباء على الأقل، وكل واحد منهم يطعن في عمل وأدوية الأخر، كل هذا من أجل أن نكسب ثقة أحدهم، لا أفهم كيف لأطباء أن يختلفوا في التعامل مع طفل وعلاجه بهذا الشكل".

توقف مسيرة العلاج

وتعتبر أن ابنها أوقف مسيرة علاجه بسببهم، وتردد بحرقة: "أخر علاج أعطيته إياه أنهكه كثيرًا وأثر على كليته، حتى أن عبد الرحمن أصبح يرتخي وتتدهور حالته من أقل جرح يصيبه،، وهذا بفضل سوء تشخيص الأطباء للأدوية أو أنهم يجربون على أطفالنا الأدوية،، لا أعلم ماذا لكن تجربتي مع هذا العدد يجعلني أقول حرام يفتحوا عيادات ولا يكونوا أطباء".

ونصت المادة (4) من اتفاقية حقوق الطفل للأمم المتحدة على أنّ: "للطفل الحق في قدر كاف من الخدمات الطبية، وأنّه يجب أن يتمتع بفوائد الضمان الاجتماعي، وأن يكون مؤهلاً للنمو الصحي السليم.

أما في قانون الطفل الفلسطيني فإن المادة (6) تنص على أن تعمل الدولة على تهيئة الظروف المناسبة كافة والتي تكفل للأطفال حقهم في الحصول على أعلى مستوى ممكن من الخدمات الصحية والاجتماعية، كما تنص المادة (22) على أن للطفل الحق في الحصول على أفضل مستوى ممكن من الخدمات الصحية المجانية مع مراعاة قانون التأمين الصحي وأنظمته المعمول بها.

وتلزم المادة "3" من قانون المعوق الفلسطيني الدولة التكفل بحماية حقوق المعوق وتسهيل حصوله عليها وتقوم الوزارة بالتنسيق مع الجهات المعنية بإعداد برامج التوعية له ولأسرته ولبيئته في كل ما يتعلق بتلك الحقوق المنصوص عليها في هذا القانون.

أما المادة (4) وفقاً لأحكام القانون فإن للمعوقين الحق في تكوين منظمات وجمعيات خاصة بهم، فيما تنصل المادة (5) أن على الدولة تقديم التأهيل بأشكاله المختلفة للمعوق وفق ما تقتضيه طبيعة إعاقته وبمساهمة منه لا تزيد على 25% من التكلفة. يعفى المعوقون بسبب مقاومة الاحتلال من هذه المساهمة.

وبالرغم من عدم وجود علاج لمرض التوحد، حتى الآن، إلا أن العلاج المكثف والمبكر قدر الإمكان، يمكنه أن يُحدث تغييرًا ملحوظًا وجديًا في حياة الأطفال المصابين بهذا الاضطراب، خاصة في ثلاثة مجالات تطورية أساسية هي: العلاقات الاجتماعية المتبادلة واللغة والسلوك.

وتعرض الطفل عبد الرحمن خلال غرقه في أنواع الأدوية التي كان في كل "كورس علاجي" يتلقى حوالي 8 أنواع أدوية بالإضافة لحقن، تعرض لنوبات كالصرع، كان يتصرف بشكل جنوني ويصرخ إلى درجة عدم قدرة أهله على السيطرة عليه.

وبعد هذه التجربة السيئة، فإن عبد الرحمن ومنذ حوالي عام ونصف لم يزر أي طبيب، ويكتفي أهله بإعطائه أنواع معينة من الأدوية الخفيفة بالإضافة إلى التحاقه بأحد المراكز التي تعني بأطفال التوحد بتكلفة 500 شيكل في الشهر.

وتقول أمه: "لا أريد المزيد من المآسي لابني، ها أنا أعمل وأدفع راتبي البسيط له ولعلاجه، وأسأل الله وحده أن يرفع عنه ويعينه على ما لمّ به وبنا".

قصور لا حل له!

ويُقر مدير دائرة تطوير الصحة النفسية في وزارة الصحة بغزة هشام المدلل بوجود "قصور في تشخيص وعلاج مرضى التوحد في فلسطين بشكل عام، ويؤكد أن من بين 500 طفل يتم تشخيصهم توحد، 100 طفل فقط مصاب المرض، وبالبقية يكون طبيعة مرضهم إعاقة من نوع أخر".

ويعزي سبب القصور وسوء التشخيص بين الأطباء لهذا المرض إلى عدم تطوير أساليب وأدوات التشخيص لهذا المرض، خاصة وأه مرض عقلي نفسي، وعدم تأهل مراكز الوزارة وتلك التي تعني بهم لذلك، مشيرًا إلى أن تكاليف هذا التأهل العالية أحد أسباب عدم تطوير هذا الجانب.

ويؤكد أيضًا أنه لا يوجد بروتوكول معين لعلاج أطفال التوحد بغزة، كما لا يوجد عدد دقيق لهم لعدم وجود تشخيص دقيق له، والذي يعود إلى سوء تشخيص الأطباء للأدوية التي يتم صرفها لهم، وفي النهاية يجيب على كيفية تجنيب مرضى التوحد من أثار سوء التشخيص بالقول: "إنه لا يمكن تجنيبهم ذلك لعدم قدرة الأطباء على تشخيصه بدقة وعدم وجود علاج له، منوهًا إلى أن ما يتم صرفه من أدوية هي تأهيلية ولتساعد المريض على بعض الأنشطة فقط.