شبكة نوى
اليوم الاثنين 24 سبتمبر 2018م10:19 بتوقيت القدس

فليتسيا لانغر وداعاً.. سنبقى نحبّك

26 يوليو 2018 - 06:50
مهند عبد الحميد
شبكة نوى:

«إننا إذ نعزي عائلتها، نعزي أيضاً أنفسنا وجميع الشعب الفلسطيني وأحرار العالم بوفاة المناضلة فليتسيا لانغر». نعي صادر عن الحركة الأسيرة داخل المعتقلات الإسرائيلية، يعبّر حقيقة عن حزن أسرى الحرية والشعب الذي يناضل من أجل الحرية برحيل المدافعة الأولى عن الحرية والحقوق الإنسانية في مواجهة الاحتلال والعنصرية والاضطهاد والقهر. التقى فرانز فانون الطبيب الفرنسي مع الشعب الجزائري وصار جزءاً من عملية تحرره. والتقت فليتسيا لانغر المحامية الإسرائيلية مع الشعب الفلسطيني وصارت جزءاً من عملية تحرره. 
نَجَت فليتسيا من المحرقة النازية في بولندا، وأتت إلى البلاد بذاكرة مثخنة بجراح الذين قضوا في أفران الغاز من عائلتها ومعارفها. لم تخنها الذاكرة، وبقيت أمينة على رسالة الضحايا حين عبّرت عن ذلك بالقول: «أنا شخصياً، التي فقدت عائلتها في المحرقة النازية، مع العدالة وضد كل من يعتقد أن ما يترتب على المحرقة هو الكراهية والقسوة وعدم الحساسية»، وأوضحت رسالتها بالقول: «إن واجبي تجاه الضحايا اليهود هو أن أحارب كل مظاهر الظلم والعنصرية والاضطهاد في العالم، فكم بالحري أن أفعل ذلك، إذا كان الظالمون من أبناء شعبي». وقد اعتبرت ما فعلته وتفعله حكومات إسرائيل للفلسطينيين إهانة لضحايا المحرقة من اليهود».  
لا شك في أن المحرقة جريمة بحق البشرية جمعاء، وهذا يعني أن العالم برمته توحد ضدها، وتوحد في الوقت نفسه ضد كل الجرائم الأخرى التي تُرتكب بحق أي شعب أو مجموعة إثنية أو دينية. ما أرادت فليتسيا قوله، وهي المحامية الملمة بالقانون: إن القضايا لا تتجزأ عندما نكون بصدد رفض الجرائم والتضامن مع ضحاياها. فلا يجوز رفض جرائم والتهاون مع جرائم أخرى، ولا يجوز احتكار مكانة الضحية والتثبيت عليها وعدم الاعتراف بضحايا جدد. كما لا يمكن تبرير ارتكاب جرائم وصناعة ضحايا جدد؛ بذريعة أن المرتكبين كانوا ضحايا في وقت سابق. واستناداً لذلك، ارتبط إخلاص لانغر للضحايا اليهود، بدفاعها عن ضحايا الشعب الفلسطيني. لم تتلعثم لانغر في كل ما يخص هذا المبدأ، فكانت قضيتها الدفاع عن الحق الفلسطيني في العدالة التي تجعله متساوياً في الحقوق. وكانت في هذا السياق مع العدالة وضد التمييز بين شعب وآخر أو ضد اضطهاد شعب لشعب آخر لأنه لا يكون حراً، معتقدة بإمكانية وجود إسرائيل أخرى تأخذ بالشرط الإنساني والأخلاقي والحقوقي، فتعترف بعدالة قضية فلسطين، وقد عملت المحامية المناضلة الشيء الكثير من أجل ترجمة تلك المبادئ. 
في سياق دفاعها عن مئات الفدائيين والفدائيات المناضلين والمناضلات من أجل حرية شعبهم والقابعين في سجون الاحتلال، اصطدمت لانغر بمنظومة القوانين البائدة والمستحدثة (القوانين العسكرية) المتناقضة تماماً مع القانون الدولي الذي يحظر العقوبات الجماعية، وسرقة الموارد وتهجير السكان واستبدالهم بمستوطنين، تلك القوانين المعمول بها في المحاكم العسكرية الإسرائيلية، والتي تسمح بإصدار أحكام جائرة تنتمي إلى شريعة الغاب. واصطدمت لانغر أيضاً مع سياسات وإجراءات القضاء الإسرائيلي غير العادلة. شرطان تعاكسا مع دور لانغر الشجاع في الذود عن أبسط حقوق الإنسان للأسرى، ورغم ذلك ظلت تدافع عن حقوق الإنسان الفلسطيني وحقه في النضال ضد الاحتلال. في هذا السياق، تأسست علاقات حميمة بين المحامية والأسرى وذويهم الذين اكتشفوا إسرائيلية نقيضة للقامعين والمضطهدين ولصوص الأرض. وفي الجهة الأخرى اعتبرت جميع المناضلين إخوة لها في كتابها «هؤلاء إخواني»، وكشفت عن عذاباتهم ومعاناتهم والظلم المحيق بهم؛ جراء سياسات وإجراءات دولة الاحتلال الظالمة في كتابها «بأم عيني». كانت شاهدة عيان على ما يجري في ظل الاحتلال، قالت: بأم عيني شاهدت موبقات هذا الاحتلال وجرائمه ضد الشعب الفلسطيني. جاءت شهاداتها التفصيلية في كتاب «بأم عيني». 
بدأت العلاقة بين المحامية والمنكوبين الفلسطينيين تأتي أُكلها، فقد حلت الثقة وتوطدت الصداقة بين الأسرى وذويهم من جهة، وبين المحامية وفريقها من الجهة الأخرى. وتحوّل مكتبها في القدس إلى ملتقى لأهالي الأسرى والإعلاميين ولمحامين فلسطينيين بدؤوا يسيرون على خطا المحامية الشجاعة. كانت تواسي وتتضامن مع أسر المنكوبين بالأحكام الجائرة وضحايا التعذيب، وتشارك المحررين فرحتهم، وتعبّر عن فخرها بكل إنجاز مهما كان محدوداً؛ لأنه يخفف من معاناة ضحايا الاحتلال. أحب الفلسطينيون فليتسيا وأحبتهم، وسادت الثقة بين الطرفين. قالت في معرض استلامها لنوط القدس؛ تقديراً لدورها: هذا شعب رقيق يتسم بالوفاء ويعترف بالجميل، ويتأثر من كل ما تقدمه له أياً كانت ديانتك وقوميتك، ووصفت وسام القدس قائلة: إنه درّة الأوسمة وذروتها، ومنذ أن علّقه أبو مازن على صدري وأنا أطير من الفرح وأشعر بسعادة لا توصف».
مقابل ذلك، تعرضت لانغر للترهيب ولمضايقات وإهانات وضغوط ولأشكال من الحرب النفسية، فضلاً عن سيل الشتائم والبصاق والاعتداء بالضرب من قبل الإسرائيليين، من أجل فرض التراجع عليها. لكن لانغر صمدت ولم تنكسر، لم تتراجع قيد أنملة عن مواقفها ومبادئها، بل تجذرت مواقفها وارتأت أن تنتقل بنضالها من الجبهة الداخلية إلى الجبهة الخارجية. وأوضحت سبب ذلك بالقول: قررت أنه لا يمكن أن أكون ورقة التين لهذا النظام بعد الآن، أريد ترك بلدي؛ ليكون نوعاً من التظاهر والتعبير عن اليأس والاشمئزاز من النظام؛ لأننا لسوء الحظ لا نستطيع الحصول على العدالة للفلسطينيين». ووصفت النظام الإسرائيلي «بالنظام الفاسد الذي لا يحتمل أنه غلط». وعندما أصبحت غير قادرة على النظر إلى القضاة الإسرائيليين؛ بسبب عدم اكتراثهم وافتقادهم للروح الإنسانية، أصبحت غير قادرة على مخاطبتهم بعبارة: حضرة القاضي، ولأن الاحتلال يمارس دور القاضي والمجرم والجلاد. وخرجت صاحبة الضمير الحي لتناضل عبر المحافل والمؤسسات الدولية والمنظمات الحقوقية في ألمانيا. 
تجربة لانغر الغنية على مدار عقدين ويزيد، كانت نموذجاً للقاء الضرورة بين فلسطينيين وإسرائيليين في خضم البحث عن حلّ. لكن هذا المسار النضالي المتكافئ كان بطيئاً إلى أن أصبح متعذراً تقريباً. السبب يعود إلى تعرض المعارضين الإسرائيليين من صنف فليتسيا للنبذ والعزلة والتشويه ولشتى الضغوط، ما يقذفهم إلى الخارج والانضمام إلى معارضة الخارج، أو التراجع والصمت أو ينتقلون إلى خندق النظام جرياً وراء مصالحهم الخاصة. أبطال لقاء الضرورة من موقع التكافؤ هي اللعبة التي تتقنها الدوائر الإسرائيلية. ورغم الإحباط الدائم وضعف المبادرات الجدية فلا مناص من إعادة الكرَّة على خطا لانغر وأمثالها؛ ذلك أن حل المسألة الفلسطينية بات مرتبطاً بحل المسألة اليهودية التي أخفق المشروع الصهيوني في حلّها، وقام بتشويهها وبوضعها في إطار كولونيالي متوحش. 

[email protected]