شبكة نوى
اليوم الاثنين 24 سبتمبر 2018م10:26 بتوقيت القدس

أخيراً، حقَّقَ حُلمَهُ في الثانية والتسعين!

20 يوليو 2018 - 06:23
توفيق أبو شومر
شبكة نوى:

هو، حقَّق حلمَه، وهو في الثانية والتسعين، أما أنا، لم أُحقِّق حلمي بعد، في الثانية والسبعين من عمري!
هو، جاك ناسلسكي، ولد في مدينة، ديسو، في ألمانيا، هو شاهد هولوكوست، هرب من النازيين في طفولته إلى بولندا، جرى اعتقالُه في أربع معسكرات اعتقال نازية، بما فيها الأوشفتس، إلى أن حُرِّر عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، 1945.
ركِبَ، جاك ظهر َسفينةٍ مهاجراً من بولندا إلى نيويورك، قبل واحدٍ وسبعين عاماً، قبل تأسيس إسرائيل، حيثُ عاش في مدينة، إديسون، مواطنا أميركياً.
هاجرت ابنتُه، ليلي، وزوجها بروس، وأطفالهما الأربعة إلى إسرائيل، منذ عقودٍ مضت، سكنتْ الأسرةُ في، رحوفوت. جنوب مدينة، يافا، تل أبيب.
ها هو اليوم يلتحق بالعائلة، ويُحقق حُلُمَهُ، قال جاك عقب وصولِه إلى مطار، بن غوريون، يوم 14-6-2018: "إسرائيل اليوم هي موطن الشعب اليهودي، هأنذا أصل إلى وطني، أنا فخورٌ بإسرائيليتي، ويهوديتي... أنا أُحبُّ إسرائيل"!
صحيفة، أروتس شيفع (الاستيطانية)، 15-6-2018.
أما أنا، صاحب البيت والأرض، المُهجَّر منذ واحد وسبعين عاماً من قريتي، بيت طيما، التي لا تبعد عن مكان وصول صاحب الحلم التسعيني، جاك، سوى مسافةٍ قليلة، أنا صاحبُ البيت والمزرعة، والأرض، لا أزال أعيش في مهجري القريب من مكان ولادتي، ومسقط رأسي، منذ واحدٍ وسبعين عاماً، أحلُم بزيارة مكان ولادتي، ولمسِ حجارة بيت والدي، وشرب قطراتٍ من ماء بئر جدي!
هو حقَّق حُلمَه في الثانية والتسعين، وهو لم يلد في فلسطين، ولم يتعلم فيها، ولم يُنجب أطفالَه في المكان، ولم تحفظ أرضُنا رائحةَ عرقه، ولم يزرع شجرة واحدة، ولم يحفر بئر ماءٍ، ولم يروِ شجرةً من أشجارنا، اكتشفَ فجأة أنَّه صاحبُ الحقل، مالِكُ البيت!
أما أنا، حفيدُ مالِكِ البيتِ الطيني، بيتِ جدي، المشغولِ بيديه، من طين حقله، الممزوج بعرقه، أنا، حفيدُ مالِك حقل البرتقال، والتين، والعنب، الحافظُ لتراث أبي وجدي، احتفظ حتى اليوم بسيف جدي، المصنوع في وطني، وأملك أيضا، حتى طاحونة جدتي الحجرية، المنحوتة من حجارتنا، فلا يُسمح لي حتى أن أزور مكان ولادتي القريب!
هو، الذي حقَّق حلمه، استخرجتْ له إسرائيلُ سلسلة أجدادٍ مِن الكتب القديمة، تعودُ جذورُهم إلى أربعة آلاف عامٍ مضت، نسبَتْهُ إليهم، بعد اثنتين وتسعين عاماً، منحتْه جواز سفرٍ ليستوطن بيتي!
أنا، مَن هُجِّر من بيته، أُجبِرتُ أنْ ترك بقايا ثيابي، ودجاجاتي، وبقرة عائلتي، ومحراث أبي، وصندوق جدتي المملوء بثيابها المطرزة بخيوط من ألوان شجرة الحنون، والفلِ، والياسمين لا يحقُّ لي أن أشتمَّ رائحةَ زعتره ونعناعه!
هو، المهاجرُ الجديد، يُسمح له بشحنِ كلِّ أمتعته وأحذيته، حتى كلبه، ليسكن في بيت أجدادي وعائلتي!
هو، يلقى ترحيبا في إسرائيل، ودعماً مالياً من أنصار إسرائيل في كل دول العالم، تُؤسَّس له جمعية خاصة، اسمها، نفس بنفس، تتعاون مع وزارة الاستيعاب الإسرائيلية لإسكانه في بيتي، ليلتحق بعائلته، ويعيش في كنفهم، لأنَّه من بقايا القبائل اليهودية المفقودة، من آلاف السنين.
أما أنا، الصارخُ في البريَّة، منذ واحدٍ وسبعين عاماً، لم يخرجُ صوتي مِن جدران بيتي!
الغريب، أن عشيرتي وأهلي اعتادوا أن يصرخوا فيَّ ساخرين:
أيها السبعينيُّ، كُفَّ عن أضغاثِ أحلامِك!