شبكة نوى
اليوم الثلاثاء 25 سبتمبر 2018م07:52 بتوقيت القدس

مواجهة سياسات ترامب مسؤولية عالمية

19 يوليو 2018 - 10:21
محمد ياغي
شبكة نوى:

منذ توليه رئاسة أميركا مطلع العام الماضي، انتهج الرئيس الأميركي ترامب سياسات معادية لغالبية دول العالم تقريباً. 
تجاه دول أوروبا، طالب ترامب من هذه الدول أن ترفع من قيمة مساهماتها المالية لحلف الأطلسي، وفرض رسوم جمركية على العديد من منتجاتها، وأيد انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وانسحب من اتفاقية «كيوتو» الخاصة بحماية البيئة والتغير المناخي.  
تجاه روسيا، تحدى هيبتها أكثر من مرة وقام بقصف مواقع عسكرية سورية دون أدلة دامغة على استخدام النظام السوري، حليف موسكو، للأسلحة الكيميائية. وقام بطرد العشرات من دبلوماسيها وفرض عقوبات اقتصادية إضافية عليها.
أما فيما يتعلق بالعرب والمسلمين، فقد قرر عدم إدخال مواطني ست دول منهم الى أميركا، وأصر على ربط الإسلام بالارهاب، وانتهج سياسة «نهب» ثرواتهم وإهانتهم في نفس الوقت، مدعياً بأنهم لا يمتلكون غير المال الذي عليهم أن ينفقوه في واشنطن. 
تجاه أميركا الجنوبية ودول الكاريبي، وصف «ترامب» مواطني هذه الدول بأنهم «مغتصبون وسارقون»، ولا يزال يسعى لبناء جدار بين أميركا والمكسيك. 
أما فيما يخص كندا، فقد فرض رسوماً جمركية على صادراتها من الحديد والصلب، مثلما فعل مع الصين وأوروبا، وانسحب ايضاً من اتفاقية التجارة مع كندا والمكسيك (اتفاقية نافتا). 
مع إيران ادار ترامب ظهره للعالم أجمع والغى اتفاقاً موقعاً معها لمراقبة سلاحها النووي وأعاد فرض العقوبات الاقتصادية عليها.
وفيما يخص الفلسطينيين، لم يخدم رئيس أميركي إسرائيل مثلما فعل ترامب. لم يعترف فقط بالقدس عاصمة لهم وينقل سفارة بلاده لها، لكنه أيضاً يسعى لتصفية قضيتهم بإنهاء ملفات تشكل جوهر قضيتهم مثل مسألة اللاجئين، والقدس، والأرض التي تصادرها إسرائيل بمباركته. 
ترامب باختصار يتحدى العالم ويؤكد يومياً بأن هذا العالم فوضوي وأن «القوي» فقط، قادر على السباحة فيه. 
رسالة «ترامب» للعالم ان أميركا ستفعل ما تريد ومن لا يعجبه ذلك فان أميركا ستسحقه.
ينطلق ترامب في سياساته من أن أميركا لا تمتلك فقط أقوى قوة عسكرية ــ تقليدية ونووية ــ في العالم، ولكن أيضاً من قاعدة أن أميركا تمتلك خُمس الاقتصاد العالمي، وأن الآخرين بحاجة لها ولسوقها، ومن أن أميركا توفر الحماية العسكرية للعديد من دول العالم ولغيرها وتوفر مساعدات مالية تحتاجها.
لذلك شاهدنا كيف تم ابتزاز العديد من دول العالم علانية عندما جرى التصويت في الأمم المتحدة على رفض الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة لإسرائيل. 
الدول التي تتلقى مساعدات مالية وعسكرية رفضت التصويت لصالح القرار، والعديد من دول أوروبا خشيت من الغضب الأميركي وفضلت الامتناع عن التصويت. 
بسبب ذلك يتعامل قادة العالم مع ترامب بحذر شديد. هم من جهة لا يرغبون بإغضابه حتى لا تتضرر مصالحهم الاقتصادية والأمنية. لكن ومن جهه أخرى لا يمكنهم تأييد سياساته لأنها تضر بهم وتشكل حرجاً لهم.
السياسة التي ينتهجها قادة الدول المتضررة من سياسات «ترامب» الآن قائمة على قناعة مفادها أن ترامب إما أن يطاح به من قبل المحقق الخاص مولر الذي يتعقب علاقته بروسيا المتهمة بأنها سبب فوزه في الانتخابات، وإما أن لا يتم انتخابه لولاية ثانية، وبالتالي يمكن احتمال ما تبقى له من وقت في البيت الأبيض وتجنب «شروره».
هذه سياسة خاطئة لأسباب عديدة. أولاً، «ترامب» يحقق مكاسب اقتصادية لأميركا، وعدم تحدي سياساته يعني أن الساكن الجديد للبيت الأبيض سيستمر في نفس السياسات وسيكون من الصعب عليه تغييرها. 
ثانياً، ليس من المؤكد أن يتمكن المحقق مولر من إدانته وبالتالي عزله. الى الآن لا توجد حقائق يقينية لدى «مولر» بأن «ترامب» تعاون مع روسيا بهدف النجاح في الانتخابات. 
كذلك لا توجد ضمانه بأن ترامب لن يفوز بولاية جديدة. الحقيقة أن نجاحة في جلب الأموال ومعها فرص العمل الى أميركا قد تجعل الأميركيين ينتخبونه مره أخرى. 
ثالثاً، وهو الأهم، أن سياسات ترامب تؤكد فقط أن هذا العالم فوضوي وأن لا قيمة لكل المؤسسات الدولية الموجودة فيه. 
إذا كان لا يمكن الثقة في توقيع أميركا على اتفاقية ما أو في تأيدها لقرار صادر عن مجلس الأمن مثل قرار ٢٤٢، فإن الرسالة الوحيدة التي يتم إيصالها لدول العالم: أن كل دولة على حدة عليها أن تمتلك ترسانة عسكرية للدفاع عن مصالحها وأمنها، لأن أحداً في العالم لا يمكنه أن يقوم بذلك نيابة عنها. بكلمات أخرى، لا تكترثوا بالمؤسسات الدولية حتى لو صادقت على قرارات بهدف الحفاظ على مصالحكم وأمنكم.
لذلك لا نعلم على أي أسس قبل رئيس كوريا الشمالية تقديم التعهدات بنزع سلاحه النووي لأن المنطق يقول إن الاتفاقيات مع أميركا ترامب لا يتم احترامها، لأن الأخيرة على استعداد لتمزيقها والسعي لتغييرها في الوقت الذي تريد.
نحن نعلم مثلاً أن الصين هي التي دفعت رئيس كوريا الشمالية  للاجتماع مع ترامب والتعهد بنزع السلاح النووي مقابل ضمانات أمنية واقتصادية «للشمالية.» هل تريد الصين مقابل ذلك، ومن خلال كوريا الشمالية، تعهدات بأن أميركا ستفكك وجودها العسكري في كوريا الجنوبية؟ 
الجواب، ربما. لكن حتى لو تعهدت أميركا بذلك، وهي على الأغلب لن تفعل، فلماذا يمكن تصديق رئيس يكذب مثلما يتنفس؟ 
في المقابل، إذا تمكنت إدارة  ترامب من نزع السلاح النووي الكوري الشمالي، فإن سياسات حافة الهاوية التي تنتهجها إدارته ستعطيها مصداقية واندفاعة قوية للاستمرار في نفس السياسات. 
من المعيب أن يقول الرئيس بوتين إن «ترامب» سواء اختلفت معه أم أيدت سياساته هو رجل يفي بوعوده الانتخابية. الرئيس بوتين لم يقل ذلك بقصد الإشارة الى حقيقة مجردة، ولكن من باب المديح لشخص ترامب الذي ينتظر منه رفع العقوبات عن روسيا.
 ومن المخجل أن تسعى بعض الدول الغربية لتغيير الاتفاق النووي مع إيران أو إضافة ملحقات له بهدف إقناع ترامب العودة اليه. 
سياسات ترامب لا تواجه باسترضائه ولا بامتداحه، ولكن بمواجهة سياساته ورفضها وإدانتها وبالعمل على عزل إدارته في كل المؤسسات العالمية، هذا إن اراد قادة العالم مصالح دولهم وإعادة الثقة قليلاً للمؤسسات الدولية التي يرغبون دائماً بالتحدث عن قرارات صادرة باسمها.