شبكة نوى
اليوم السبت 20 أكتوبر 2018م21:05 بتوقيت القدس

«الاحتلال الضحية».. نكتة أميركية سمجة..!

03 يوليو 2018 - 07:56
أكرم عطا الله
شبكة نوى:

أول من أمس، كانت صورة الولايات المتحدة في أروقة مجلس الأمن مدعاة للسخرية وهي تحاول أن تقنع الآخرين بأن الاحتلال هو الضحية... صوتها فقط عارية معزولة ومجردة من القيم بكل هذا الوضوح الذي تقتل فيه إسرائيل المدنيين بالجملة، طيلة شهر أيار الماضي، من أطفال ونساء ورجال عزل وصحافيين ومسعفين وحتى المسعفة التي قتلها قناص إسرائيلي أحد جنود «الجيش الأكثر أخلاقية في العالم» كما تصدق إسرائيل عن جيشها، ومع ذلك تصر أميركا باستخفاف على أن هذا الجيش بحاجة إلى حماية.
دولة طائرات الـ أف 35 تشكو من الطائرات الورقية وتعتبرها هجوماً على دولة مسكينة غير قادرة الدفاع عن نفسها، لتتطوع نيكي هايلي التي نذرت نفسها دفاعاً عن الجيش الإسرائيلي الذي يقتل يومياً لتقديم مرافعة دفاعاً عن «المظلومية الإسرائيلية» من بطش الفلسطينيين، هذا ربما المثال الأبرز لما أصاب النظام الدولي من عطب اسمه الفيتو الأميركي الذي يتربص بالضحية الحقيقية، لكنه يصر على استغباء الدول والتاريخ ويصر على ترويج نكتته السمجة باعتبارها حقيقة.
لم يحدث في التاريخ أن قدم أي احتلال نفسه كضحية، هكذا قال الصحافي الإسرائيلي جدعون ليفي، الذي يعرف حجم الكذب الذي تمارسه دولته وناطقوها ومحاولة تركيب رواية خارج المنطق، ومن يراقبهم ويسمعهم يصدق أنهم يصدقونها والخشية من أنهم يعتقدون أن هناك من يصدقهم وأظن ذلك، خصوصاً أنهم يرون دولة بحجم الولايات المتحدة تحمل هذه الرواية وتتحدث عن حماية دولة تضرب يومياً وتقتل يومياً، وحماية شعب له جيش بكل تلك القوة من الطائرات وصولاً للمفاعل النووي، دولة لا تتوقف عن التهديد كل يوم، ومن لا يصدق عليه أن يقوم بجولة يومية في الصحافة الإسرائيلية ويستمع لأقوال نفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان وبنيامين نتنياهو حتى أيليت شاكيد وزيرة العدل إن جاز لنا التسمية وحجم التهديدات الصادرة والتي تترجم نفسها يومياً على شكل قتل واستيطان ليعرف كم هي هذه الدولة بحاجة إلى حماية حقاً.
الاحتلال يمثل أوضح أشكال الظلم الإنساني بمعاييره وقيمه وأخلاقه وثقافته وسلوكه وممارساته وأكثر من هذا، ويتميز الاحتلال الإسرائيلي عمن سبقه بفوقية لا مثيل لها تجاه الفلسطينيين بما يتنافى مع كل القيم الإنسانية في التعاطي واحتقار لمن يحتلهم ويجردهم من حقوقهم الآدمية حتى على شكل معابر وحواجز يصطف الناس طوابير عليها للسماح لهم بالعودة إلى بيوتهم أو الذهاب لعملهم وبناء ما يشبه المعازل كصورة من أبشع صور الفصل العنصري.
بقوة السلاح وبما تملكه إسرائيل من إمكانيات تتحكم بكل شيء وتجعل من حياتنا جحيماً سواء في الضفة وحواجزها أو غزة وحصارها ولا أرى أن علينا نحن الكتاب أن نغرق حد الإسراف في التوضيح بطبيعة الاحتلال لنساهم في إقناع السادة القراء الذين يقرؤون باللغة العربية بأننا نحن الضحية وأن الاحتلال هو احتلال وهو الذئب الذي يلبس جلد الخروف عنوة.
في رواية ليلى والذئب أعاد الذئب سرد الرواية من جديد قائلاً: إنه ذهب إلى بيت جدة ليلى العجوز فهاجمته وكادت تقتله وعندما كان يدافع عن نفسه وقعت الجدة فماتت، ومن شدة خوف الذئب على مشاعر ليلى الطفلة من صدمة موت جدتها ارتدى ملابس الجدة ونام في سريرها، وحين عادت ليلى واكتشفت ذلك قام بالصراخ في الغابة: إنه الذئب المظلوم الضحية، مثله تماماً مثل إسرائيل، وتلك القصة التي تتبناها نيكي هايلي مندوبة الولايات المتحدة وتصر على ترويجها بأن ليلى مثل جدتها تريد أن تقتله وأنه بحاجة إلى حماية، والأغرب من ذلك أنها تريد من المجتمع الدولي أن يترك عقله جانباً ويصوت إلى جانبها لحماية الذئب.
قتل القناص في الجيش «الأكثر أخلاقية في العالم « الشهيدة المسعفة رزان النجار التي كانت ترتدي شارة المسعفين، وبعد ساعات كانت نيكي هايلي تطالب بحماية القناص من بطش رزان «وهجومها العنيف».. أي استخفاف هذا وأي نظام دولي مصاب بالعطب الفاضح عندما تسخر القوة الأولى في العالم كل إمكانياتها للوقوف في وجه شعب يرزح تحت نير الاحتلال وتشكل بمجملها بوليصة تأمين لهذا الاحتلال ليمارس كما يشاء من قيم منافية حتى للقيم الأميركية نفسها؟
لقد زرت الولايات المتحدة قبل سنوات وجدت فيها شعباً هادئاً ومسالماً لا يفكر في السياسة ولا يعرف شيئاً عن الصراع الدائر في المنطقة ولم يسمع الكثير منهم حتى عن إسرائيل، وقد وجدت صعوبة كبيرة لدرجة الفشل في تعريف سائق التاكسي السبعيني الذي نقلني ذات مرة في ولاية نيوهامبشير وأنا أقول له بعد، أن حاولت تعريفه في النهاية نحن الذين نتصارع مع إسرائيل ليفاجئني: آسف لم أسمع بإسرائيل، لكن السياسة في واشنطن تديرها نخب سياسية اقتصادية تتصرف وفق مصالحها الانتخابية ومصالح مصانع شركات الأسلحة والأدوية ولوبيات الضغط الفاعلة هناك.
الشعب الأميركي لا يعرف في السياسة وليس مهتماً ولا متابعاً ما يحدث خلف المحيطات هذا لا يعنيه و80% من أعضاء الكونغرس لا يعنيهم خارج بلدهم إلا كيف يستفيدون من هذا العالم، وكيف يتم تأمين مصالح الأميركي من خيرات العالم ونفطه وأسواقه، ولكن كان السلوك القيادي الأميركي على امتداد العقود الماضية يحاول أن يظهر كأنه وسيط للصراعات ومظلة الحلول منذ كامب ديفيد الأولى وقبلها، لكن هذا الشكل الفاقع من الصلف والغرور والسقوط الأخلاقي هذا الذي تقدمه لم يمر في تاريخ الولايات المتحدة.
لا يهم النخبة السياسية الأميركية إن كانت دولتهم تنظر حولها ولا ترى إلا صوتها منبوذة وهي تغطي جرائم الاحتلال ولأن ذلك الغطاء لا يكلفها نصف تريليون دولار ولا يهدد مصالحها، لذا ستستمر في سلوكها خلال فترة الرئيس ترامب دون أي رادع؛ لأنها عندما تشحن حقائب المال من ممالك العرب وتعلن القدس عاصمة لإسرائيل ولا تدفع ثمن فلماذا لا تكون أكثر غروراً طالما أنها تتصرف بعنجهية وتكسب إسرائيل والعرب والمال؟!

لنــا كلـــمة
كاريكاتـــــير