شبكة نوى
اليوم الاربعاء 26 سبتمبر 2018م06:33 بتوقيت القدس

أم النصر والكارثة الصحية المحدّقة بأطفالها

11 إبريل 2018 - 06:08
شيرين خليفة
شبكة نوى:

"ما دمنا نعيش بهذه المنطقة فلن يشفى أبنائي من الأنيميا أبدًا ولا من الديدان"، بهذه الكلمات استهلت السيدة شادية حديثها لنوى لدى شكواها من معاناة أطفالها الأربعة من الديدان بشكل مستمر، عيونهم الغائرة ووجوههم الشاحبة تحكي حياة المرض والفقر التي تعانيها العائلة.

تعيش السيدة شادية في منطقة عشوائية في قرية أم النصر أقصى شمال بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، إذ يعاني السكان وعددهم نحو 5000 نسمة من البدو حالة فقر مدّقع؛ يخدمها مركز صحي وحيد بسيط ومدرسة واحدة وجمعية نسوية واحدة، الحياة فيها أشبه بالبدائية.

تحاط القرية من جانبيها الشمالي والشرقي ببرك لتجميع ومعالجة مياه الصرف الصحي لمناطق شمال قطاع غزة، الرائحة الكريهة طوال الوقت تشي بكم البكتيريا المنتشرة، لينضم الواقع البيئي البائس إلى الوضع المعيشي الصعب بالشوارع الترابية والبيوت البسيطة وبعضها من الزينكو بالكامل، واقع أدى لانتشار الديدان لدى الأطفال حتى بات القضاء عليها أمر غاية في الصعوبة.

تجد شادية صعوبة في ضبط حركة أبنائها وتقول :"هم يلعبون بالتراب ويخرجون إلى الشارع ويختلطون بأطفال آخرين وينقلون العدوى لبعضهم، لا أذهب للمركز الصحي لأني مللت والأدوية مكلفة وأنا لا أملك المال لشرائها".

تعيش شادية في بيت من الزينكو المقام على التراب، تنتقل العدوى لأطفالها نتيجة ضعف النظافة في هذا المكان الملوث طوال الوقت بالبكتيريا بسبب برك الصرف الصحي إضافة إلى أن التراب حسب تأكيدها وسط ناقل للميكروبات والجراثيم ما يجعل الأطفال عرضة بشكل مستمر للمرض.

في منطقة أخرى من القرية تقطن السيدة أم حازم –اسم مستعار- ومعها في البيت أبنائها وزوجة ابنها، حسب تأكيدها فإن كل أطفال البيت يعانون من مشكلة الديدان التي أثّرت على صحتهم، وأقرّت السيدة بأن النساء أحيانًا لديهن ممارسات خاطئة.

تقول أم حازم :"لا أذهب للمركز الصحي في القرية ولا وقت لديّ"، ونفت أن تكون زوجة ابنها تذهب لعلاج طفلها رغم وضوح علامات المرض عليه، حيث يعاني الطفل كما باقي أطفال العائلة من عيون غائرة وضعف عام.

وأقرّت أنها تضع الغسيل كله مرة واحدة دون فصل ملابس المصابين منهم عن غير المصابين رغم أنها حضرت جلسات توعية بهذا الشأن، لكنها تقول أن المشاغل في البيت كثيرة ولا مجال للتركيز على كل شيء حضروه في جلسات التثقيف الصحي.

ثم أشارت إلى ابنتها مها "14 عامًا" وقالت إنها كانت مصابة بالديدان الشريطية، ما اضطرها إلى المبيت في المستشفى لعدة أيام، ومع ذلك فقد عادت الآن هذه المشكلة مرة أخرى، لكن السيدة عادت لتنفي علمها بأسباب انتشار الديدان في القرية!!

 في زيارة إلى بلدية أم النصر التي تعاني من واقع مالي صعب، فهي بالكاد تجد ما تدفع به رواتب الموظفين، يقول وليد أبو فرية مسؤول قسم الصحة العامة والبيئة إن انتشار أمراض الديدان والأميبيا والطفيليات المعوية والجارديا لدة الصغار والكبار من أكثر المشاكل التي تعانيها القرية.

ويوضح أنهم أجروا دراسة حول الديدان المنتشرة بين الأطفال قبل 12 عامًا، ولكن نفى أن يكون هناك أي تحديث للدراسة، فالناس يراجعون المركز الصحي وبعضهم يراجعون عيادات الوكالة خارج القرية باعتبار أنها أقل تكلفة.

وعزا سبب انتشار الديدان إلى الوضع البيئي الصعب خاصة مع وجود برك الصرف الصحي التي تستقبل يوميًا 50-70 ألف كوب يتم معالجتها، وهي تصدر غازات ضارة وبكتيريا وتؤدي إلى انتشار الحشرات مثل الباعوض والذباب، سبب آخر هو استخدام السماد العضوي في الزراعة وما ينتجه من رائحة سيئة تؤكد وجود بكتيريا وكل هذه عوامل مسببة لانتشار الديدان.

وأكد أبو فرية أنهم لا يرغبون في استمرار وجود برك الصرف الصحي المقامة منذ عام 1997، فهي تؤذي السكان بشكل كبير، ولكن لا حلول مطروحة حتى الآن والوضع السياسي المعقد يؤثر على أي مشاريع لنقلها إلى مكان آخر، ويضيف إن هناك جهود توعية غير كافية فهم يعتمدون على موظفات البطالة حين يتوفرن.

عام 2007، شهدت القرية انهيار إحدى برك الصرف الصحي التي كانت مقامة على مدخل القرية الشمالي، وتسبب في موت 9 أشخاص إضافة غلى دمار هائل في العديد من منازل المواطنين والأراضي الزراعية، ولكن تم إغلاق هذه البركة، إلا أن أبو فرية يؤكد أن المكان الذي شهد الكارثة لم يعد ملوثًا الآن، فبعد 11 عامًا يكون قد زال التلوث بفعل الشتاء وأشعة الشمس.

من جانبها قالت انتصار أبو رواع وهي عضو مجلس بلدي سابق ومثقفة صحية في جمعية زينة، إن انتشار هذه الظاهرة نتيجة للبيئة الصعبة، فحتى البيوت مفتوحة والأطفال يلعبوا سويًا في الشوارع الترابية فلا يوجد بيوت مغلقة ولا متنزهات للأطفال، وعند الاحتكاك بين الاطفال يحدث نقل العدوى.

وأكدت أبو رواع أن السنوات الماضية شهدت تنفيذ العديد من الورشات وجلسات الثقيف الصحي للنساء، ولكن رغم ذلك ما زالت الجهود غير كافية مقارنة بالوضع الصحي السيء، إضافة إلى أن التوعية وحدها لا تكفي فطبيعة البيئة ناقلة للبكتيريا، والنساء هنا يحتاجوا من يهتم بهم قبل تثقيفهن بكيفية العناية بأطفالهن.

وشرحت بان الكثير من البيوت تعمل النساء فيها على تربية الطيور المنزلية والماشية إضافة إلى استمرار الممارسات الصحية الخاطئة ما يعني استمرار هذه الظاهرة، موضحة ضرورة أن تتدخل جهات حكومية من أجل معالجة الكثير من مشاكل القرية خاصة وأن بلدية أم النصر من أفقر البلديات وليس لديها إمكانيات لكل هذه الاحتياجات.

يعاني أطفال القرية وحتى الكبار الكثير من المشاكل الصحية نتيجة الفقر الشديد وغياب النظافة في المكان، واقع بيئي وصحي يتطلب أكثر من مجرد محاولات المركز الصحي توفير أدوية مؤقتة، أو جلسات توعية، إنما خطة شاملة للقضاء على مسببات المشكلات الصحية وعلى رأسها برك الصرف الصحي ورصف الشوارع وحتى إيجاد حلول للمناطق الزراعية التي تستخدم الأسمدة العضوية.