شبكة نوى
اليوم الاربعاء 24 أكتوبر 2018م04:56 بتوقيت القدس

“قيامة أرطغرل”.. هل نجحت الدراما التركية حين خرجت عن المألوف؟

05 مارس 2018 - 07:18
إكرام أبو عيشة
شبكة نوى:

قفزت الدراما التركية قفزة هائلة في وقت قصير نسبيا، فبينما كانت عوائدها بالماضي تقف عند رقم هزيل استطاعت أن تضاعف هذا الرقم مئات المرات لتكون ثاني أكثر بلد تصديرا لمسلسلاته للخارج، وتأتي قي ذلك بعد الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تقوم بتصدير مسلسلاتها إلى أكثر من 90 دولة مختلفة.

إن الشهرة الفائقة التي لاقتها المسلسلات التركية المدبلجة باللهجة السورية في العالم العربي تعتبر البوابة الكبيرة التي عبرت منها الدراما التركية للعالم بأسره، وعلى الرغم من أننا اعتدنا على إطار عام للدراما التركية من خلال محور أساسي في العمل وهو قصة عاطفية بين البطل والبطلة في المسلسل إلا أن هذا النمط لم يخلق مللا عند المشاهد بل ساهم بانتشار الأعمال الدرامية التركية بشكل أوسع مثل مسلسل “العشق الممنوع”، ومسلسل “سنوات الضياع”، ومسلسل “نور ومهند” وغيرها.

بيد أننا في الآونة الأخيرة لاحظنا أن الدراما التركية بدأت تعمل ضمن حقل مختلف عن الحقل التقليدي أو لنقل الحقل الذي اعتدنا أن نراها فيه، فمن القصص العاطفية والاجتماعية إلى القصص التاريخية التي تحمل في طياتها أحداث حقيقية تم إخراجها ضمن حبكة درامية جذبت المشاهد بشكل أوسع مما هو متوقع لمثل هذا النوع من الدراما.

مسلسل “قيامة آرطغرل” كان من الأعمال التركية التاريخية التي انتشرت بشكل واسع وتوبعت من قبل ثقافات مختلفة وفئات عمرية مختلفة موزعة ما بين الشباب والأطفال وحتى كبار السن.

بدأ عرض مسلسل “قيامة آرطغرل” عام 2014 ويستمر عرضه حتى اليوم، وهو مكون من أربعة أجزاء، وتقع أحداثه في القرن الثالث عشر الميلادي، وتعرض فيه سيرة حياة الغازي “آرطغرل” بن سليمان شاه قائد قبيلة “الكايي” من أتراك “الأوغوز” المسلمين ووالد عثمان الأول مؤسس الدولة العثمانية، وبما أن الدولة العثمانية كانت قوة عظمى على مستوى العالم وحكمت معظم الدول الإسلامية فإن إختيار شركة “تيكدين فيلم” للأنتاج، واختيار الكاتب “محمد بوزداغ” تسليط الضوء على تلك الفترة التي تعد محوراً يدور حوله الكثير من الجدل والمناقشات لم يكن عبثًا بل جاء ليكون أحد العوامل المهمة التي ساهمت فعلا بوصول هذا العمل إلى مشاهدين من أجيال وثقافات ووجهات مختلفة، حيث يعرض المسلسل على قناة “TRT” التركية، وعلى عدة قنوات عربية بالإضافة إلى قنوات أخرى مثل روسيا ورومانيا وباكستان وإيران وأندونيسيا والمجر واليونان وبلغاريا وكرواتيا وبنغلادش وقنوات أخرى، بالإضافة إلى عدة مواقع إلكترونية على شبكة الانترنت مثل موقع شامخ.نت.

إلا أن تناول مسلسل “قيامة آرطغرل” لفترة زمنية لها علاقة وثيقة بالدولة العثمانية لم يكن هو السبب الوحيد وراء نجاح وانتشار هذا العمل بالشكل الذي نراه عليه، فعرض المسلسل لقصة أربعة مقاتلين أشداء يحاربون في معركة تدور رحاها بين الحق والباطل كان عامل جذب لكثير من المشاهدين خاصة أولئلك اللذين تعاني مناطقهم من أحداث مشابهة في إطارها العام للأحداث التي تدور في المسلسل، فأغلب الأحداث وخاصة في الجزء الأول والثاني تدور في زمن الصراعات والنزاعات بين الإمبراطوريات في المنطقة.

وكما هو الحال اليوم كان المسلمون في القرن الثالث عشر يعانون كثيرا من المشاكل أهمها ضعف الخلافة العباسية وكانوا بحاجة لقائد بطل يرفع الظلم عنهم ويوحدهم تحت راية واحدة حتى ظهر “آرطغرل”، والذي قام بدوره الممثل التركي “إنجين ألتان دوزياتان” متحديا كل الظروف.

إن تعطش الشعوب في هذه الأيام لقائد ينصفهم ويرفع الظلم عنهم جعل من مسلسل “قيامة آرطغرل” قصة تحاكي أمنياتهم بوجود بطل قادر على رفع الظلم عنهم وتحقيق العدل… إذ يعرض المسلسل مجابهة “آرطغرل” للخونة واليأس والظلم بالعزم والصبر والذكاء منهيا بذلك معاناة قبيلته “الكايي” من ظلم المغول ليصبح الرجل الذي غير خارطة العالم ببنائه لأسس الإمبراطورية العثمانية التي انتشرت في قارات العالم القديم.

إن النموذج الآنف الذكر نجح في استمالة القلوب الباحثة عن بطل ينهي معاناتها وظلمها، الباحثة عن بطل ينصر الحق بغض النظر عن لونه وعرقه ودينه ويزدري الظلم بغض النظر عن أصوله الطائفية والعرقية، كما أن مثل هذه الأعمال الدرامية قد تنجح في تعديل كثير من المعلومات التاريخية المغلوطة التي صيغت في كتب التاريخ حول الدولة العثمانية، وحول أحداث تاريخية أخرى في الفترة الزمنية نفسها أو في فترات سابقة أو لاحقة.

إن خروج المسلسل عن المألوف وعرضه لقضايا عامة تجاوزت القصص العاطفية والاجتماعية إلى القضايا السياسية التي لا تختلف في إطارها العام مع ما يجري في هذه الأيام ساهم في اندماج الُمشاهد مع أحداث المسلسل التي عرضت بأسلوب مبسط ومفهوم مهما كانت خبرته أو خلفيته الثقافية، وتطعيم المسلسل بقصص عاطفية واجتماعية جعل منه عملا يناسب جميع الأذواق ما ساهم في انتشاره بين فئات المشاهدين على اختلاف اهتماماتهم.

قد يقول قائل أن التسويق الإعلامي يعد سببا رئيسيا في النجاح الذي يحققه العمل الدرامي أو العمل التلفزيوني بشكل عام وأن الشركة المنتجة لمسلسل “قيامة آرطغرل” بذلت مجهودًا كبيرَا ومضاعفًا لنقل المسلسل وإيصاله لأكثر من دولة، وهذا صحيح لأن كل شركة إنتاج تقوم بعمل ما فإنها من الطبيعي أن تعمل على تسويقه، إلا أن مسلسل “قيامة آرطغرل” ليس من هذه الأعمال التي تشاهد فقط لأنها تعرض على الشاشة، فالمشاهد أصبح يبحث عن حلقات المسلسل من خلال المواقع الإلكترونية ليشاهد الحلقة قبل عرضها على التلفاز، والمتابع للحلقات عبر المواقع يستطيع ملاحظة النسب العالية من المشاهدات الأسبوعية والشهرية التي تحققها حلقات مسلسل “قيامة آرطغرل”، حيث فاز المسلسل بجائزة “الفراشة الذهبية” لأفضل مسلسل تلفزيوني عام 2016 في تركيا.

من جانب آخر فإن مسلسل “قيامة آرطغرل” يعرض نموذجا مختلفا عن ذلك الذي اعتدنا أن نراه في الدراما العربية أو غيرها حول الدين الإسلامي ورجل الدين، فقد عرض المسلسل الجانب الآخر الذي لم نعتد أن نراه في الأعمال السينمائية والدرامية حول الإسلام والمسلمين فبينما تظهر بعض الأعمال الدرامية وحتى يومنا هذا أن الإسلام يدعوا إلى القتل بهدف القتل ونشر الرعب يُظهر المسلسل الجانب المشرق من خلال طرحه لفكرة أن المسلم يقاتل بهدف إحقاق الحق ونبذ الباطل ورفع الظلم، فمثلا في الجزء الأول لم تكن المعركة التي قادها “آرطغرل” ضد فرسان الهيكل إلا بسبب ظلمهم واستغلالهم للضعفاء بغض النظر عن العرق والدين الذي يحمله هؤلاء الضعفاء، وهذا كان من شأنه أن يرسخ قيماً جميلة مفقودة في يومنا هذا، ويبحث عنها الكثيرون وإن اقتصر وجودها فقط في عمل درامي تاريخي.

أما شخصية رجل الدين والتي تجسدت في المسلسل في “ابن العربي” الذي قام بدوره الممثل التركي “عثمان سويكوت”، فقد كانت شخصية تحظى باحترام ووقار كبيرين، إذ أنها لا تتخذ من الدين سترا وغطاء لأعمال غير لائقة، وبهذا عرض المسلسل جانبا مشرقا للدين ورجل الدين موجودا على أرض الواقع ولكننا افتقدناه كثيرا في أعمال سينمائية ودرامية عربية وغير عربية، وهذا جعل المسلسل يكتسب ثقة المشاهد إذا أنه يعرض الأحداث بشكل مجرد وواقعي دون سعيه لتشويه صورة فئة دون أخرى فقد حمل المسلسل رسالة إنسانية بعيدة عن العنصرية ونبذ الآخر.

لم يكن إنتاج وإخراج عمل درامي تاريخي من أربعة أجزاء كمسلسل “قيامة آرطغرل” بهذه السهولة، فالحِرَفية التي شاهدناها في حلقات المسلسل من حيث التمثيل والأداء والديكور والإتقان في التصوير والاختيار الذكي لأماكن التصوير في مناطق وقرى تركية والتي حاكت قصة المسلسل بانسجام كبير، وموسيقى شارة البداية وحتى الموسيقى التصويرية لم تكن وليدة اللحظة… فكل دقيقة من حلقات المسلسل شاهدناها واستمتعنا فيها احتاجت لوقت كبير من التحضير، حيث استغرق تصوير الحلقة الأولى شهرا كاملا، وتكون فريق الديكور للمسلسل من 60 شخصا لإعداد الديكورات المختلفة التي شاهدناها بالحلقات، وتم عمل ما يقارب 1000 لباس مختلف للتتناسب وطبيعة الشخصيات المختلفة في العمل الدرامي، بالإضافة لتصنيع الآلاف من أدوات الحرب المستخدمة في التصوير، وكذلك تجميع المجوهرات والحلي والنحاسيات من جميع أنحاء تركيا.

كما أن من يبحث في كواليس مسلسل “قيامة آرطغرل” يجد أن الممثلين قد خضعوا في المسلسل لدورات تدريبية وتأهيلية في الفروسية وركوب الخيل ورماية السهام والنبال واستخدام السيف بشكل منتظم لمدة ثلاثة أشهر تحت أشراف أشهر المدربين في تربية الخيل وفنون القتال من كازاخستان بمعهد “جنكيز خان”، واستخدم في المسلسل 25 حصانا تم شراءها خصيصا لإنتاج العمل وتدريبها على الحركات.

كل ذلك ساهم في إخراج المسلسلل بشكل متقن حاز على ثقة المشاهد، وحال دون الوقوع في سقطات إنتاجية أو تمثيلية أو إخراجية كما اعتدنا أن نرى في غالبية الأعمال الدرامية التاريخية، كما واستطاعت الدراما التركية من خلال مسلسل “قيامة آرطغرل” أن تخطو خطوة نوعية في هذا الفن وتقدم شكلا مختلفا خرج عن نطاق المعتاد والمألوف ولامس قلب المشاهد قبل أن يلامس سمعه ونظره إذ عرضت من خلال هذا العمل الدرامي ثنائية الشر والخير والحق والباطل والصراع الأزلي بينهما بطريقة حرفية جعلت لكل مشاهد من مشاهدي حلقات المسلسل قصة واقعية تحاكيه من خلالها لتخلق بداخله منولوجا تكون الغلبة فيه بالنهاية للقيم الإنسانية والمثل العليا والتي تمثل الكنز المفقود في يومنا هذا.

كلمات مفتاحية
لنــا كلـــمة