شبكة نوى
اليوم الاثنين 22 أكتوبر 2018م23:49 بتوقيت القدس

الغوطة.. نسخة من حلب

02 مارس 2018 - 07:27
هاني عوكل
شبكة نوى:

لم يهدأ النزاع في الغوطة الشرقية بالعاصمة السورية دمشق منذ أن بدأ في العام 2011 وحيث تمركزت تنظيمات من المعارضة السورية المسلحة هناك، وتنوعت في ولاءاتها وأيديولوجياتها بين الاعتدال والتشدد في نموذج «هيئة تحرير الشام» وما كانت تعرف سابقاً «جبهة النصرة» على سبيل المثال.
غير أنه لا توجد هناك فوارق كبيرة بين تجربتي النزاع في مدينة حلب الواقعة شمال سورية، ومنطقة الغوطة الشرقية القريبة من دمشق مقر النظام السوري، إذ يمكن فهم ما يجري في الغوطة من نموذج حلب التي سيطرت عليها القوات الحكومية السورية أواخر 2016.
لابد من الإشارة إلى أن معركة حلب كانت علامة فاصلة في تاريخ النزاع السوري، فعدا عن أهميتها الاستراتيجية من حيث الموقع الجغرافي والثقل السكاني والعصب الاقتصادي، فإنها شكّلت عنواناً لإعادة التوازن في مفهوم القوة العسكري.
قبل عملية الحسم العسكري في حلب، كانت القوات الحكومية السورية في وضع صعب لا تحسد عليه، غير أن أول مؤشر على استعادة عناصر القوة السورية تمثل في التدخل العسكري الروسي أواخر العام 2015، الأمر الذي أنقذ النظام السوري فعلاً من ورطته.
المؤشر الثاني كان في معركة حلب حيث دفعت القوات الحكومية السورية بثقلها من أجل السيطرة على هذه المدينة، وأكثر ما كان يقلق النظام السوري هو وجود معارضة معتدلة قوية، لأن ذلك كان سيهدد مصير النظام السوري وفوقه الرئيس بشار الأسد.
على أن حسم المعركة في حلب أزاح عن ظهر النظام السوري حملاً كبيراً، إذ أمكنه بعد ذلك التركيز على تنظيم «داعش» الإرهابي الذي كان يسيطر حينها على أكثر من نصف مساحة الدولة السورية، وأدى تقهقره في محافظتي الرقة ودير الزور إلى جعل القوات الحكومية السورية تركز على «هيئة تحرير الشام» التي تُشكّل «جبهة النصرة» نواتها.
الآن تركيز القوات الحكومية السورية منصّب على الغوطة الشرقية، ذلك أن السيطرة على هذه المنطقة الاستراتيجية سيعني اختلالاً في ميزان القوة العسكري، وعلى ما يبدو أن النظام السوري مُصمّم على انتزاع هذه المنطقة من قبضة المعارضة.
لكن هناك سيناريوهين لمآلات الغوطة الشرقية، الأول ينحصر في احتمالات حسم المعركة بشكل نهائي عسكرياً، وهذا يفضي إما إلى القضاء على التشكيلات المسلحة في تلك المنطقة، أو استسلامها وخروجها ضمن ممر آمن ربما إلى خارج سورية.
السيناريو هذا يعني أنه لن تكون هناك معارضة في الغوطة الشرقية، لا معتدلة ولا متشددة حسب تصنيفات الدول الكبرى المؤثرة في النزاع السوري، لكن هذا السيناريو ممكن التحقيق ولو أنه صعب وقد يأخذ وقتاً طويلاً.
نعم ممكن التحقق، لأنه بحسابات القوة يجوز القول إن القوات الحكومية السورية تتفوق على المعارضة المتواجدة في هذه الرقعة الجغرافية التي لا تتجاوز 110 كيلومترات مربعة، لكن موضوع الحسم النهائي سيستهلك وقتاً طويلاً نظراً لكبر تعداد قوات المعارضة الذين يزيدون عن 15 ألف مقاتل.
الأمر الآخر أن أفراد تنظيمات المعارضة في الغوطة الشرقية هم من سكانها، وبالتالي لديهم معرفة وخبرة في جغرافيتها، ناهيك أنه يسكنها حوالي 400 ألف شخص، وهؤلاء يدفعون وسيدفعون أكثر فاتورة هذا النزاع إذا كان حسمه هو عنوان تحرك القوات الحكومية السورية.
السيناريو الآخر يتعلق بسعي القوات الحكومية السورية إلى الضغط على المعارضة في غوطة دمشق إما للقضاء على «هيئة تحرير الشام» أو تسلميها أو طردها من أجل وقف إطلاق النار وسريان ما كان يعرف باتفاق تخفيض التصعيد مع باقي التنظيمات الموجودة هناك مثل «جيش الإسلام».
هذا السيناريو قد يبدو قابلاً للتطبيق وأسهل من الذي قبله، لكن في كل الأحوال يدرك النظام السوري أن وجود معارضة معتدلة هو أمر ضروري في إطار التنوع السياسي والشراكة المحاصصية، وحتى لا تتبرّم الدول الكبرى المؤثرة في النزاع السوري التي تتمسك بمبدأ دمقرطة الحكم وتعددية النظام السياسي.
نعم يدرك النظام السوري ذلك وليس لديه مشكلة في قبول معارضة غير مسلحة، بدون أظافر ولا أسنان، وهذا يعني أن استراتيجية النظام السوري الحالية تقضي بإضعاف المعارضة عسكرياً، لأن في ذلك أولاً إبقاءها عند مستوى عدم التأثير العسكري على الأرض، وثانياً إفقادها عناصر القوة والمناورة السياسية.
وعلى الرغم من الوجود العسكري الأميركي في سورية، إلا أن الإدارة الأميركية ربما بدأت تستوعب حجم التغيرات العسكرية المرتبطة بالنزاع وتفوق القوات الحكومية السورية على باقي القوى هناك، إنما يظل لدى السياسة الأميركية استراتيجية للتأكيد على مصالحها من سورية.
من غير المتوقع أن تخرج واشنطن من سورية بدون ترتيبات وضمانات تتصل بالحفاظ على أمن إسرائيل وفرملة أو تحديد الوجود الإيراني في سورية، وضمان حصة في النظام السياسي السوري الجديد لقوى سورية تشمل قوات سورية الديمقراطية والمعارضة المعتدلة.
إنما يمكن القول إن الغوطة الشرقية إذا حُسم أمرها فإنها حتماً ستؤدي إلى تقليل فاتورة الكلف العسكرية من جهة، وارتفاعها من جهة أخرى في السقف السياسي، ففي نهاية الأمر الجميع سيخضع إلى طاولة يجري التساوم حولها على خارطة طريق الدولة السورية وشكل النظام السياسي.
الروسي يقر أن المعركة هي معركته ومعركة النظام السوري، ويعلم جيداً أن نهاية النزاع ستفتح الباب أمام روسيا جديدة، ولذلك فإن موسكو ماضية في دعم القوات الحكومية السورية حتى السيطرة على الغوطة الشرقية واستكمال مسلسل إعادة التوابع الجغرافية.
لكن ما يلفت الانتباه من نزاع صعب عمره سبع سنوات تقريباً، هو أن القرار السوري المستقل لم يعد مستقلاً، لأن الأطراف الداعمة للنظام السوري لم تقدم دعمها هذا من فراغ، وبالتالي فإن معادلة» أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة»، تفككت منذ زمن بعيد. 
[email protected]

لنــا كلـــمة
كاريكاتـــــير