شبكة نوى
اليوم الاثنين 24 سبتمبر 2018م15:47 بتوقيت القدس

غزة: حين يتحول الانحياز إلى عدالة

21 فبراير 2018 - 09:17
وفاء عبد الرحمن
شبكة نوى:

اخترنا في "فلسطينيات" أن نطلق النسخة الجديدة من شبكة "نوى" النسوية الإعلامية على هامش اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية المحتفى يوم 20 شباط من كل عام.
فما الذي تطلبه النساء- ونحن جزء منهن- إلا العدالة الاجتماعية بما تعنيه من مساواة وتكافؤ فرص والعدل؟ وما الذي تسعى اليه مؤسسة مجتمع مدني أكثر من عدالة اجتماعية (حياة كريمة وكرامة وحرية) للفئات المستضعفة التي تخدمها؟
ندرك أن العدالة الاجتماعية قد تكون ترفا في غياب الحرية والسيادة والسيطرة على الموارد بفعل الاحتلال، ولكنها بالمقابل قرار وإرادة سياسية ليست متعلقة فقط بصانع القرار، بل بمكونات المجتمع كافة.

في النسخة الجديدة لشبكة "نوى"، لم يقف الأمر عند إعادة التصميم، أو تغيير الألوان والأقسام، بل كانت فرصة لنقاش معمق حول أي إعلام نريد؟ وكيف ستساهم "نوى" في الوصول لهذا المشهد المتخيل؟ وأي دور نلعبه ونحن لسنا ناقلة للأخبار العاجلة؟ وهل آن الأوان لنتخلى عن انحيازنا المدروس لنسويتنا التي تعني الانحياز للمهمشين والمستضعفين في وطن صاروا فيه الأغلبية "الصامتة"؟ هل يحتاجون لصوتنا ولعدستنا تلتقط ما لا يلتقطه صناع القرار في هذا الوطن المحتل؟

هل هناك اعلام محايد؟ الإجابة قطعاً لا، وفي "نوى" ومنذ اليوم الأول للتأسيس لم نكذب على جمهورنا، وتحدثنا عن انحيازنا، الانحياز في اختيار القضايا للقصص التي نعمل عليها، أما المعلومات والأخبار فهي موثقة، ومدققة- وهذا ليس خيارا بل واجبا اتجاه الجمهور وحقه في معلومة صحيحة وكاملة وغير مجتزأة أو خارجة عن سياقها، ولكن هل تكفي عبارة واحدة تلخص للجمهور من نحن؟؟
من حق الجمهور أن يحاكم أي وسيلة إعلامية بل ويحجبها عن ناظره بكبسة زر إن شك في مصداقيتها، ولكن كيف سيحاكمها بنصف معلومة؟ أليس من حقه الاطلاع على السياسة التحريرية لهذه الوسيلة؟ وبما أن جميعنا يعرف أن الفلسطيني شكاك بطبعه، لا تهمه اللغة المنمقة، فهو جمهور ذكي يلتقط ما بين السطور، قررنا أن نضع بين يديه محددات عملنا، وسياستنا التحريرية، ومن حقه أن يختار متابعتنا أو أن يختلف معنا "الاختلاف يغني المشهد الإعلامي ولا ينتقص منه".

وعودة للانحياز وعلاقته بالعدالة الاجتماعية، هل من تناقض؟ وهل الانحياز لفئات محددة يبرر الانحياز لقطعة جغرافية محددة؟ لماذا هذا التركيز على غزة بالذات؟

تقول جداتنا أن "المساواة في الظلم عدل"، ولا نختلف أن الظلم قد طال في السنوات الأخيرة أغلب فئات المجتمع الفلسطيني في أماكن تواجده كافة، ولا نختلف أن لكل منطقة مظلوميتها الخاصة بها، مخيم اليرموك، منطقة الأغوار، مخيم غزة بالأردن، الخليل، قرية العراقيب، ندرك أن اصل المظلومية يمتد جذره للنكبة 1948، وما ترتب عليها من نكسات وتشرد وعدوان.

ولكن مظلومية غزة مركبة، احتلال، حصار، حروب، انقسام- المنطقة الوحيدة التي تدفع ثمنه بشكل مباشر- فقر، وظلم ذوي القربى، والجيران والأشقاء وانعدام الأفق في التنمية، وفي المستقبل وفي الحاضر أيضاً.

وأسوأ ما في امر غزة، أن العالم- بما فيهم العرب- ينحازون لها حين يسيل دمها وتعرضه الشاشات، أما حين تموت بعيدا عن الكاميرات موتا بطيئا تصبح خبرا عاشرا على فضائيات الدم.

في "نوى" كما فلسطينيات، نرى غزة كما هي بدون قداسة وبدون تقزيم، فيها المجرم والعميل، وفيها المقاوم والمناضل والصامد، والمبدع، والفقير، والمريض والمعافى.. لأن أهلها بشر، يحتفلون بعيد الأضحى وعيد البشارة وعيد الحب، ويبكون ويصرخون، يعنفون أطفالهم ونساءهم، ويدللون أطفالهم ونساءهم، يصابون بالموت المفاجئ في عز الشباب، يتزوجون وينجبون، ويعرقون كثيرا ويبردون كثيرا، وبحرهم مغلق وسماؤهم مغلقة، والبوابات تحيطهم من كل جانب، يكتئبون ويلعنون حظهم العاثر، ويبتسمون ويتندرون على هذا الحظ وهذا الحال. هم بشر عاديون ونقطة.

يدفعون ثمن معارك وصراعات لم يختاروها، يبحثون عن نوايا طيبة لدى القيادة التي تعاقبهم من رام الله وتوقع عليهم العقوبات، ويبررون فقد يكون قصدها انهاء الجرح المفتوح بالبتر، وقد يقسو الأب على أبنائه ولكنه لن يتركهم يموتون، يبررون لقيادة تحكمهم منذ أكثر من عقد، تقول أشعر بكم وأضم صوتي لصوتكم، وتزيد من اعبائهم، من يدري، فهي أيضا في رقبتها آلاف الأسر وتريد أن تحميهم من العوز والفقر. في غزة يشتمون القيادتين، وعند بزوغ خيط أمل يحملوهما على الأكتاف!
لهذا ننحاز لغزة، نتحسس ألمها وفرحها كل يوم ونبعث رسائلا للقيادة في رام الله، أن العدالة الاجتماعية تقتضي- في حدها الأدنى- توزيع الأعباء، لم تحميله لغزة وحدها؟.. اخرجوا لنا وصارحونا، ووزعوا العبء على الجميع (غزة وضفة.. قطاع خاص وعام وأهلي)، وأخبرونا أين تذهب أموال الاستقطاعات؟ وهل ستستمر إلى ما لا نهاية؟

وإلى القيادة في غزة، تسليم بضع مبان ونقاط تفتيش، لا يعفيكم من المسؤولية لما وصل له الحال في القطاع، ليس من حقكم أن تتفرجوا وكأن الامر لا يعنيكم، الشراكة في المسؤولية هي شراكة في الوطن.

حين ننحاز لغزة، ننحاز لأهلها المحاصرين الصامدين الصابرين، ليصبح الانحياز قمة العدل والانصاف

 

رئيسة تحرير شبكة "نوى"

 

اخبار ذات صلة