شبكة نوى
اليوم الثلاثاء 25 سبتمبر 2018م07:17 بتوقيت القدس

الانتفاضة: استرجاعات

11 ديسمبر 2017 - 10:47
عاطف أبو سيف
شبكة نوى:

بالحديث عن انتفاضة جديدة هذه الأيام، يبدو من المثير استكمال النقاش حول الانتفاضة في ذكراها الثلاثين. 
من المؤكد أن أحد أبرز سمات الانتفاضة أنها لا تتم بقرار، وأن أحداً لا يقول للناس انتفضوا فينتفضوا. الفعل الانتفاضي هو فعل تلقائي غير منظم، يصار بعد ذلك إلى إدراكه ضمن الفعل السياسي العادي، بعيداً عن خطوط السياسة الرسمية ولا الحزبية. 
صحيح أن التنظيمات هي من تحمل جهد تنظيمه وقيادته ولكن دون تدخل في صياغة تفاصيله اليومية. فكل مواطن ينتفض بطريقته ويصوغ مواجهته وفق متطلبات الجغرافيا والسياق. وهذا تذكير مهم بواحدة من أهم مزايا الانتفاضة ونحن نستعيد ذكراها الثلاثين. 
بالطبع هذا الحديث لا ينفي إمكانية تطوير أدوات مواجهة تقترب من حالة الانتفاض، لأن شعبنا قادر على اجتراح المعجزات، ولكن ما أرمي إليه هو ضرورة الانتباه جيداً إلى الجينات المكونة للفعل الميداني ولمتطلبات التدخل من فوق. 
فالانتفاضة لا تحتاج إلى تدخل مباشر ولا إلى دعوات منبرية. حتى الانتفاضة الثانية التي جاءت في جزء كبير منها ردة فعل ميدانية على الاحتقان السياسي الذي تم تتويجه بتدنيس شارون للمسجد الأقصى، وكانت يد عرفات واضحة في توجيه انفجارها، إلا أنها اتسمت في بدايتها بهذه العفوية التي جعلت حالة الاشتباك على مفترق الشهداء (قرب مستعمرة نتساريم سابقاً) فعلاً يومياً. وربما تكون فقدت وهجها حين بدأت فعلاً سياسياً صرفاً متروكاً للمزاد الحزبي العلني.
وبالعودة للحديث السابق عن الانتفاضة في ذكراها الثلاثين لابد من الإشارة إلى ثلاث ملاحظات أساسية حول الانتفاضة. تتعلق الأولى بدور المرأة المهم وربما الأبرز فيها، ويتطرق الثاني إلى التضامن الشعبي الداخلي فيما يتحدث الثالث عن ظهور الإسلام السياسي. أما فيما يتعلق بدور المرأة فربما يصعب الحديث عن الانتفاضة الأولى دون استذكار ذلك الدور الكبير الذي قامت به المرأة الفلسطينية فيها، فهي لم تكن فقط أم الشهيد ولا أخته ولا زوجته ولا طفلته ولا هي أخت الجريح والأسير، بل كانت هي في قلب الفعل الانتفاضي. 
لابد أن كلنا يستعيد بحنين صورة نسوة الحارة البطلات الحقيقيات وهن يرجمن الجنود بالحجارة أو وهن يجمعن الحجارة على أطراف الأزقة حتى يسهلن مهمة الشبان في مواجهة الجنود، أو صورتهم وهن يوزعن حبات البصل المهروس عليهم حتى يشموها فيضيع مفعول الغاز المسيل للدموع. 
أما صورة المرأة الفلسطينية التي تلكم الجندي في وجهه وهي تنتزع من بين يديه طفلاً أو شاباً يحاول اعتقاله، فهي صورة لا تعكس فقط هذه الصلابة والقوة وتلك الإرادة الحديدية لكنها تعكس هذا الحضور على صعيد صياغة مفهوم الاشتباك الذي يبدأ بالمواجهة وينتهي بإزالة آثار الخسائر. 
المرأة الفلسطينية التي حملت عبء الكثير من الكفاح الوطني ولم تتوان يوماً عن المشاركة في صناعة الثورة وخلقها الاشتباك، هي نفس المرأة التي حملت أيضاً جروح الانقسام الدامية. 
ولما لسنا في وارد مناقشة حقوق المرأة ولا مكانتها المنقوصة في قيادة العمل الوطني، ولا نحن في طور التذكير بهذا الدور التاريخي المستمر الذي لم يتوقف للمرأة في النضال التحرري منذ مسيرات يافا في العشرينيات ضد حكومة الانتداب وسياساتها، بقدر حاجتنا إلى الإشارة إلى سمات الانتفاضة التي نتذكرها بعد ثلاثين سنة. 
الانتفاضة التي كانت المرأة الفلسطينية أحد أهم أركانها. السؤال الأساس: هل مازال لدى الحركة الوطنية المقدرة ذاتها على تحريك الشارع ودمج المرأة في فعل الاشتباك اليومي! 
السمة الأخرى للانتفاضة هي التضامن الشعبي والتكافل المجتمعي الذي ميز المجتمع المنتفض قبل ثلاثين سنة. 
هل تذكرون المحبة والألفة والتلاحم والتعاضد في المخيمات والقرى والمدن خلال الانتفاضة! إن من عاش زمن الانتفاضة لابد له أن يتذكر بحسرة كل ذلك، وربما يندب هذا التفكك الاجتماعي الذي حدث بعد تلك السنوات. 
تميزت الانتفاضة بأنها جعلت المجتمع منتفضاً، وهذا عنى ضمن أشياء كثير بأن المجتمع كان على قلب رجل واحد يحمل هموم بعضه بعضاً ويناضل كجسد واحد. 
كان هذا التضامن والتكافل واقعياً لا لفظياً وخطابياً، فخلال منع التجوال الناس تتفقد بعضها بعضاً، يتبادلون الطعام، وفي الساعات التي يتم فيها رفع الحظر على التجول بعد طول فرضه، يفد الناس من المناطق المجاورة محملين بالخضار والأطعمة للمناطق التي عانت من حظر التجول. 
كان المجتمع يتحرك بقلب رجل واحد بعيداً في مرات كثيرة عن تجاذبات التنظيمات وربما اختلافها الذي لم يكن حتى يصل حد الاحتراب. 
هذه الألفة الاجتماعية باتت غائبة هذه الأيام وبات كل فرد يبحث عن ذاته ولم يعد ثمة الكثير من الترابط والتواصل، بل إن الفرقة والتهتك يسودان بشكل بغيض صورة المجتمع عن ذاته، وغياب ذلك شرط للمجتمع المنتفض.
أما أهم إفرازات الانتفاضة فكان ظهور الإسلام السياسي، وربما للدقة انخراط تنظيمات الإسلامي السياسي بشكل كبير في الكفاح الوطني. وهنا تحديداً لابد من الإشارة إلى الإخوان المسلمين وحركة حماس التي لم تكن موجودة قبل الانتفاضة. 
صحيح أن الإخوان المسلمين كأفراد وربما كمجموعات شاركوا في مراحل مختلفة من القتال خاصة خلال حرب 1948، لكنهم آثروا عدم الانخراط في الكفاح المسلح والنضال التحرري بعد النكبة. 
لكن بعد اندلاع الانتفاضة وانتشارها وتصلب عودها تم تشكل حماس. قد يطيب لحماس أن تقول إنها وجدت مع الانتفاضة وربما السرد الحركي يقوم بلي عنق الواقع، لكن الحقيقة هي ما يعرفه الناس وعاشوه فحماس بدأت تظهر كتنظيم ليس قبل أشهر من اندلاع الانتفاضة. 
أذكر أن أول مرة ظهر اسم حماس على جدران المخيم كانت في شباط من العام 1988 وكانت دعوة للإضراب موقعة بـ"ح.م.س"، ووقفنا نحاول حل لغز الاختصار. 
عموماً فبعد الانتفاضة ظهرت حماس وكان الجهاد الإسلامي قد تمظهر قبلها بعام لكنه بات أشد صلابة خلال الانتفاضة. 
لأنهي هذا الحديث لابد من التذكير بأن الإسلام السياسي بشقيه حماس والجهاد ظهر ومعه رواياته المختلفة في كل شيء عن الانتفاضة وعن النضال التحرري الذي كان حديث العهد به. مثلاً الجهاد الإسلامي كان يصر على السادس من كل شهر موعداً للإضراب الشهري، فيما حماس تصر على الثامن (يوم دهس العمال) فيما الحركة الوطنية كانت تتمسك برواية الجماهير وحدث الانتفاضة الحقيقي في التاسع مع كل شهر. بالطبع هذا ليس سوء تفسير للأحداث بل صراع على التمثيل وشرعية الرواية.