عن اليهودي الطيب وأشياء أخرى
تاريخ النشر : 2013-09-29 15:08

لم يكن في ذهني، اليهودي الطيب حين فكرت في الكتابة.
لقد أردت أن أكتب مراجعة لكتاب جهينة الخطيب "تطور الرواية العربية في فلسطين 48 (1948ـ2012)، فقد أبلغها زميل تطوعا برأيي في رسالة الدكتوراه الخاصة بها، وكنت دونت عليها ملاحظات بعضها ليس في صالحها، إن لم يكن أكثرها. 
ولم يرق لها ـ لجهينة ـ رأيي الذي وصلها من خلال وسيط متبرع. 
ولم أغضب من الصديق، فأنا حين أقول رأياً أعلم أنه سيصل إلى الجهة المعنية في أقرب فرصة، إذا لم يكن جليسي يثبت كلامي مباشرة من خلال هاتفه الذكي، وهي عادة بدأت في ألمانيا في مدينة (كارلسروه)، واستمرت، وربما تواترت وتضاعفت منذ غدا الهاتف الذكي متوفراً مع الأفراد، وليس مقتصراً ـ أي لم يعد مقتصراً ـ على الحكومة وأتباعها، كما في ألمانيا.
فجأة، يوم الخميس، منتصف الظهيرة قررت أن أكتب عن اليهودي الطيب ـ (ليورام كانيوك رواية عنوانها "عربي طيب" وأنا لا أقلّده، ولا أتتبع خطاه، ولا أعارضه، أيضاً). ـ لماذا قررت أن أكتب عن اليهودي الطيب؟
في نابلس راجت حكاية الأخ الذي قتل أخاه على مبلغ من المال، وقبل أسابيع، أيضاً، عرفنا عما جرى في سلفيت حيث قتل شاب زوجة أخيه وأبناءها لأسباب تعددت، وتعددت الروايات فيها. 
والأسبوع المنصرم قتل فلسطيني، في قلقيلية، في قرية بيت أمين ـ لأول مرة أسمع اسمها ـ مواطناً إسرائيلياً. 
(بعض الروايات تقول إنه جندي، بعض الروايات تذهب إلى أنه جندي احتياط، بعضها يشير إلى أنه يخدم خدمة علم، ولا أدري الفروق بينها). لماذا قتل المواطن الفلسطيني اليهودي الطيب؟
من وسائل الإعلام سمعت أن الشاب الفلسطيني أراد مقايضة ـ يعني أراد احتجاز المواطن الإسرائيلي، حتى يساوم على أخيه الأسير، فللمواطن الفلسطيني أخ أسير يقبع في سجون الاحتلال. 
(لا أدري الفترة التي أنفقها الأخ الذي ما زال يقبع في الأسر).
منتصف نهار الخميس، وأنا أنفق بعض الوقت في الجامعة، بعد أن أنهيت محاضراتي، جلست في مكتب زميل نتحاور الحديث في شؤون علمية؛ المحاضرات والرسائل الجامعية والإشكالات بين الزملاء و.. و.. وأتينا على ما يجري في الضفة من أحداث. 
زميلي سيقص عليّ قصة اليهودي الطيب، واليهودي الطيب، كما عرفت، دُعي من المواطن الفلسطيني الشرير إلى قرية المواطن لتناول طعام الغداء، وهناك، في القرية، ذبحه الفلسطيني وألقى بجثته في البئر. 
هكذا نحن قتلة، هل تعلمنا القتل من أساتذتنا في دير ياسين وقبية وكفر قاسم؟ ربما. 
هل غدا اليهودي لا يساوي مليما؟ ربما، فـ (شدمي) الذي قتل خمسين مواطناً في كفر قاسم، في العام 1956، دفع في النهاية قرشاً واحداً غرامة وأفرج عنه، وراجت قصة قرش شدمي وكتب عنها إميل حبيبي وسميح القاسم وآخرون.
ما الغريب في الحكاية؟ هل الغريب في الحكاية ذبح الفلسطيني اليهودي؟ ذبح اليهود فلسطينيين، وذبح فلسطينيون يهودا. 
منذ بداية الاستيطان وإدراك خطورته بدأ الذبح، وإذا ما أخذنا بقصة (فرانز كافكا) "أبناء آوى وعرب" فإن الخصومة بين الطرفين في الدم، وقد انعكس هذا في أدبيات 30 ق20. كتب (رئوبين) شاعر اليهود قصيدة هجا فيها العرب واتهمهم بأنهم وحوش، فردّ عليه ابراهيم طوقان بقصيدة هجا فيها اليهود ودافع فيها عن العرب. 
(أنا في (13/9/2013) ألقيت محاضرة في بيت لحم، في المركز الثقافي الروسي، عن صراع الخطابات في الأدبين الإسرائيلي والفلسطيني، عن الخطاب الصهيوني في رواية (هرتسل) "أرض قديمة ـ جديدة" ونقض هذا الخطاب ودحضه في روايات كنفاني "عائد إلى حيفا" وحبيبي "المتشائل" وقصيدة درويش "طللية البروة". 
الذبح ليس غريباً علينا وعلى أبناء العمومة، وكذلك صراع الخطابات ليس جديداً، أيضاً، وليس غريباً، فما الجديد والغريب في الحكاية؟ 
زميلي الذي قصّ عليّ القصة قال إن والد القاتل تبرأ من ابنه القاتل. 
لماذا تبرأ الأب من ابنه؟ ببساطة لأن اليهودي كان يهودياً طيباً فقد ساعد القاتل وإخوته مراراً وما زال يساعدهم. 
أتاح لهم فرص عمل، وحين يلقى القبض عليهم وهم يعملون في فلسطين 1948 يأتي هو بدوره ليتوسط لهم. 
اليهودي طيب، ولشدة طيبته فقد لبّى دعوة القاتل حين دعاه لتناول الغداء في قريته. هل هذا هو الغريب في الحكاية؟
وأنا جالس في غرفة زميلي يقصّ عليّ القصة مر أستاذ تاريخ وأفاض في الحديث.
أستاذ التاريخ تحدث عن عقلية البداوة التي ما زالت تحكمنا. 
نحن بدو وعقليتنا عقلية بداوة. عقلية سلب ونهب، وإلاّ فكيف يقتل الإنسان من يحسن إليه ـ ما شاء الله، ما شاء الله ـ . 
أنا لم أُبدِ رأياً وآثرت الإصغاء إلى ما يروى، وغالباً ما أقلب الأمر على وجوهه. 
غالباً ما أربط بين الجزء والكل، ولا أقف عند الحدث معزولاً عن كل ما يجري. 
لا يعني هذا أنني أؤيد القتل، فأنا قد أخفق في ذبح دجاجة أو ديك حبشي، لكني، أيضاً، لا أصدر حكماً ضد القتيل، وقد لا أتعاطف، أيضاً، مع القاتل.
صباح الخميس كنت أصغي إلى راديو أجيال وإلى أهل الخليل يستغربون مما قام به جنود الاحتلال في مدينتهم، بسبب قنص قناص فلسطيني ضابطاً يهودياً. 
لقد عاقب اليهود المواطنين عقاباً جماعياً، تماماً كما عاقبوا المستوطنين كلهم في العام 1994 حين ارتكب (غولدشتاين) مجزرة في الحرم الإبراهيمي. 
(هل عاقب جنود الاحتلال يومها المستوطنين حقاً؟). 
وأنا عائد إلى منزلي، ظهيرة الخميس، في الباص، لا في سيارة تكسي عمومي، جلس بالقرب مني مواطن يعمل في إسرائيل/ فلسطين 1948. كيف تجاذبنا مع السائق الذي أعرفه أطراف الأحاديث؟ لم أعد أذكر بالضبط. 
العامل مدح العمل مع أبناء العمومة وسخر من العمل مع أصحاب رؤوس الأموال والشركات والمؤسسات في نابلس. 
ماذا تجدي خمسون شيكلاً في اليوم؟ وسلام فياض ـ قال العامل لا أنا ـ أراد ألاّ نهاجر وألاّ نعمل في المستوطنات، كأن لا بطالة في نابلس. 
ماذا سنفعل إن لم نعمل في فلسطين 1948 وفي المستوطنات وإن لم نهاجر. 
العامل قال، أيضاً: لا نحن نستغني عن اليهود ولا هم يستغنون عنا. وأضاف: وعلى الرغم من حادث القتل إلاّ أنهم يسمحون لنا بالعمل ويتركوننا، عند الحاجز، نمر. 
وأبدى العامل دهشته من فعلة الفلسطيني الشرير مع اليهودي الطيب. لماذا؟ لأن الفلسطيني كان نذلاً، فقد قتل اليهودي الذي لبّى دعوته ليتناول الغداء في بيته. 
(وأنا أكتب المقال خطر ببالي قصة (بنيامين تموز) "منافسة سباحة" التي جرى حدثها في العام 1948. 
لقد قتلوا الفلسطيني صديق اليهودي وهو في منزله، أيضاً، وهو مجرد من السلاح). هل أنا مع قتل اليهودي الطيب؟ هل أدافع عن الفلسطيني الشرير؟
أنا كنت أفكر بكتابة مقال عن كتاب جهينة الخطيب، لكني، كما قال درويش، صرت أقل ذكاء. 
لما تراجع الحصار (1994 ـ 2000) كتب درويش عشرين سطراً عن الحب "سرير الغريبة"، ثم بدأت الانتفاضة فكتب "حالة حصار". 
السبت 28/9 تصادف ذكرى انتفاضة الأقصى، وقد مرت سنوات هدوء ست ـ من 2007 ـ 2013، ويبدو أن انتفاضة جديدة تلوح في الأفق، أيضاً!!