رأيت صديقي يضع في يده اليمنى "أسورة" جلدية، لم أشأ أن أسأله عنها رغم أنها أثارت انتباهي، فما أعرفه عنه أنه ليس من هواة "التقليعات" الشبابية، وعمره كذلك لا يسمح له باقتحام ذلك المعترك الذي أحسبه قد تعداه بكثير، واعرفه أنه من هواة متابعة الصيحات الإلكترونية وما يطرأ على حياتنا من ابتكارات رقمية، لكن المؤكد أن "الاسورة" ليس لها علاقة بالتكنولوجيا الرقمية التي استوطنت تفاصيل حياتنا، المهم بعد فترة من الجدل السياسي مع صديقي الذي عادة لا يفضي إلا لمزيد من المتاهات التي بتنا لا نعرف أولها من آخرها، نهض صديقي فجأة وكأنه يريد أن يخرجنا من مغارة السياسة لمغارة أخرى تتناطح فيها الخرافة مع العلم.
طلب صديقي أن أقف لإجراء اختبار القوة، فتعاطيت معه من باب حب الاستطلاع، تمارين رياضية على عجالة كانت كافية لأقف على حقيقة وهن ما تركته السنوات، طلب صديقي أن أعيد نفس التمارين الرياضية بعد أن أرتدي "الاسورة الجلدية"، تبسمت على اعتبار أننا دخلنا بذلك عالم الخزعبلات والخرافة التي تسكن فينا ونطرب لسماعها، لكن النتيجة جاءت على غير ما توقعت، أخذ صديقي يعلل ذلك بالاستعانة بالقليل مما يعرفه عن علم "الطاقة"، والعلم الذي أعنيه هنا ليس له علاقة بالطاقة المتعلقة بالكهرباء وأخواتها، والتي باتت محور تفكيرنا هذه الأيام لافتقادنا للحد الأدنى منها، بل المقصود هنا الطاقة الكامنة داخل الإنسان، سواء كانت إيجابية أو سلبية، ورغم أن هذا العلم تشعب وتوسع بين النظرية والتطبيق، إلا أننا ما زلنا بين مصدق ومكذب به.
المهم أن ذلك يقودنا إلى الخرافة، وهي أسطورة سجلها التراث العربي قبل الإسلام، وهي تتحدث عن رجل أسمه "خرافة" من قبيلة جهينة، اختطفه الجن لبضع سنين، وعندما عاد سأله القوم عما رآه في غيبته الطويلة، فأخذ يحدثهم عن عالم الجن الذي مكث فيه، فكذبوه ولكنه طاب لهم حديثه، فتحولت الخرافة مع الأيام لما لا يقبله العقل من حكايات وأفكار، وذهب العلامة أبن منظور لتعريف أدق للخرافة حيث وصفها بالحديث المستملح من الكذب.
والخرافة اليوم ترتبط بما وصلت إليه المجتمعات من تطور، حيث تتلاشى في المجتمعات المتقدمة، وتستوطن بأركانها المختلفة في المجتمعات التي لم يصلها التطور البشري بعد، ولكن يبقى السؤال لو تحدث شخص لقومه قبل قرن من الزمان عن الهاتف النقال والحاسوب والشبكة العنكبوتية وبناتها إلى آخر قائمة الابتكارات الرقمية، من المؤكد أن القوم سيجعلون منه "ابن خرافة" العائد إليهم بحكاياته عن الجن.
في عالمنا اليوم باتت الطاقة الكامنة تطرق أبواب الطب البديل، وهو ما يعرف اليوم بعلم ما وراء علم النفس "parapsychology"، وهو العلم الذي ينتقل بالإنسان من قدراته العقلية والفيزيائية إلى قدراته الروحية، ومن داخل هذا العلم تشعبت أبواب العلوم المختلفة التي يتداخل فيها العلم مع الخرافة.
المؤكد أن الإنسان ومن حوله الكون لا يزال يحتفظ بالكثير من الأسرار "لا يعلمها إلا رب العرش العظيم"، وهي بحاجة لأن نمعن النظر فيها، ليس فقط لنستكشف المجهول منها والذي هو على درجة عالية من التعقيد، بل لنكتشف عظمة الخالق وقوله تعالى "وفي أنفسكم أفلا تبصرون".
شئنا أم أبينا فإن العلم حول الكثير من خرافات الماضي لحقائق ملموسة، وعليه فهل "أسورة" صديقي هي من الخرافة المستوطنة فينا، أم أنها ضمن صفحات علم لم تطرق أبوابه بعد.
خرافة صديقي
تاريخ النشر : 2013-09-26 15:46
