غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
تتشبث الحاجة أم محمد بعربة الكارو، وتحاول تثبيت جسدها مع كل اهتزاز تحدثه حفرة في الطريق. في الثانية والسبعين من عمرها، لم تعد رحلة العودة من مركز توزيع المساعدات غربي مدينة غزة مجرد مسافة تقطعها كل عدة أيام، بل اختبارًا قاسيًا لقدرة جسدها المنهك على الاحتمال.
معاناة سكان قطاع غزة لم تعد تقتصر على شح الغذاء والمياه والدواء، إذ امتدت إلى التنقل نفسه، بعدما دُمّرت آلاف المركبات، وشلّ نقص الوقود قطاع المواصلات، لتصبح العربات التي تجرها الدواب بدائل اضطرارية لآلاف العائلات.
وبين الطرق المدمرة والركام، تدفع النساء وكل من كبار السن والمرضى ثمنًا مضاعفًا، إذ تحوّلت الرحلات اليومية إلى عبء جسدي ونفسي.
تقول أم محمد: "لم أتخيل يومًا أن أتنقل بهذه الطريقة في هذا العمر. قبل الحرب كنت أصل بسيارة أجرة خلال دقائق، أما اليوم فأقضي الطريق فوق عربة تهتز مع كل حفرة، حتى أشعر أن عظامي تتكسر".
وتعاني السيدة السبعينية انزلاقًا غضروفيًا وخشونة في الركبتين، مؤكدة أن اهتزاز العربة يضاعف آلامها، ويجعلها عاجزة عن الحركة لساعات بعد وصولها.
وتروي أنها انتظرت أكثر من ساعتين ذات مرة للعثور على عربة تقلها إلى المستشفى، قبل أن تقطع طريقًا مليئًا بالركام، وتصل منهكة من شدة الارتطام.
وتضيف: "أخشى انقلاب العربة أو تعطلها في منتصف الطريق، حتى زيارة ابنتي أصبحت قرارًا أحتاج إلى التفكير فيه طويلًا، فقد أؤجلها لأسابيع لأنني لا أضمن قدرتي على تحمل الرحلة والعودة".
ولا تختلف معاناة سعاد مهدي (38 عامًا)، التي تضطر إلى استخدام عربة بدائية "جار ومجرور"، للوصول إلى السوق وشراء احتياجات أسرتها، رغم إصابتها في ظهرها خلال الحرب.
تقول سعاد: "بعدما كنت أصل إلى وجهتي بسيارة أجرة خلال دقائق، أصبح الخروج من المنزل قرارًا شاقًا. الحفر والطرق المدمرة تجعل كل اهتزاز ألمًا جديدًا، وكأن الطريق يضاعف معاناتي مع كل متر".
"الأمهات يضطررن إلى حمل أطفالهن داخل هذه العربات للوصول إلى المستشفيات أو أماكن الحصول على الماء والغذاء، من دون الحد الأدنى من الأمان أو الراحة".
وتوضح أن التنقل بات عبئًا إضافيًا على النساء، اللواتي يتحملن مسؤوليات الأسرة والرعاية، إلى جانب مشقة الوصول إلى الأسواق والمراكز الصحية ونقاط توزيع المساعدات.
وتضيف: "الأمهات يضطررن إلى حمل أطفالهن داخل هذه العربات للوصول إلى المستشفيات أو أماكن الحصول على الماء والغذاء، من دون الحد الأدنى من الأمان أو الراحة. نحن لا نطلب رفاهية، بل وسيلة نقل تحفظ كرامة المرضى وكبار السن وتخفف عنهم الألم".
أما محمود الشافعي (31 عامًا)، فقد تحوّل الطريق إلى المستشفى، منذ إصابته خلال الحرب، إلى امتداد لمعاناته الصحية. يجلس فوق قطعة إسفنج موضوعة على لوح خشبي داخل عربة تجرها دابة، محاولًا تثبيت جسده وحماية موضع الإصابة من الاهتزازات.
"أذهب إلى المستشفى للعلاج، لكنني أصل متعبًا قبل أن يبدأ الطبيب بفحصي. العربة مصممة لنقل البضائع، وليست مجهزة لنقل مصاب".
يقول: "قبل الإصابة كنت أتحرك بشكل طبيعي، أذهب إلى عملي وأقضي حاجاتي دون التفكير في الطريق. اليوم تحتاج المسافة القصيرة إلى استعداد نفسي وجسدي، لأنني أعرف أنني سأشعر بالألم طوال الرحلة".
ويكمل: "أذهب إلى المستشفى للعلاج، لكنني أصل متعبًا قبل أن يبدأ الطبيب بفحصي. العربة مصممة لنقل البضائع، وليست مجهزة لنقل مصاب؛ فلا مقعد مريحًا ولا وسيلة لتثبيت الجسد، وكل حفرة تجعل جسمي يتحرك بعنف".
ويشير محمود إلى أن صعوبة المواصلات انتزعت جزءًا آخر من استقلاليته، قائلًا: "الإصابة أخذت مني بعض قدرتي على الحركة، لكن صعوبة النقل جعلت الأمر أصعب. بدلًا من التركيز على العلاج والتعافي، أصبحت أفكر في كيفية الوصول إلى مكان العلاج".
د.جمال نصار: "الصدمات المتكررة قد تؤثر في استقرار بعض الإصابات، لا سيما بعد عمليات تثبيت الكسور (..) كبار السن ومصابي الحرب أكثر عرضة للمضاعفات".
ومن الناحية الطبية، يحذر استشاري جراحة العظام والمفاصل في مستشفى كمال عدوان شمال القطاع، الدكتور جمال نصار، من أن وسائل النقل البدائية قد تفاقم آلام المرضى والمصابين، خصوصًا أصحاب الكسور وإصابات العمود الفقري، بسبب الاهتزازات والجلوس غير المريح.
ويوضح أن الصدمات المتكررة قد تؤثر في استقرار بعض الإصابات، لا سيما بعد عمليات تثبيت الكسور، مشيرًا إلى أن كبار السن ومصابي الحرب أكثر عرضة للمضاعفات.
ويتابع: "مشقة التنقل تدفع بعض المرضى إلى تأجيل مراجعاتهم الطبية، ما ينعكس سلبًا على العلاج وإعادة التأهيل".
قُدّر حجم الركام في القطاع بنحو 41 إلى 47 مليون طن، وفق تقارير الأمم المتحدة، فيما وثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية اعتماد مدنيين مصابين على وسائل نقل مرتجلة.
وتكشف الأرقام حجم الانهيار الذي أصاب قطاع النقل، فوفق التقييم السريع النهائي للأضرار والاحتياجات في غزة (RDNA)، الصادر عن البنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، دُمّر أكثر من 84 ألف مركبة خلال الحرب، فيما تضررت أو دُمّرت نحو 81% من شبكة الطرق الرئيسية والثانوية والثالثية.
كما قُدّر حجم الركام في القطاع بنحو 41 إلى 47 مليون طن، وفق تقارير الأمم المتحدة، فيما وثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية اعتماد مدنيين مصابين على وسائل نقل مرتجلة، بينها العربات التي تجرها الحمير، في ظل نقص الوقود وتضرر البنية التحتية وتراجع خدمات الإسعاف.
وبينما تبدو هذه العربات مخرجًا اضطراريًا في ظل انهيار المواصلات، فإنها بالنسبة إلى النساء وكبار السن والمرضى تنقلهم من وجهة إلى أخرى، لكنها لا تنقل عن أجسادهم عبء الطريق.
