غزة.. حكايات الشهداء في "أرشيف حياة"
تاريخ النشر : 2026-10-28 12:33

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم تكن قصة أسماء البرش، التي فقدت زوجها الدكتور رامي السلطان وطفليها محمود وشام، بالنسبة للصحفية إيمان جادالله مجرد حكاية جديدة تكتبها عن شهداء غزة. حين بدأت أسماء تتحدث عن الفقد، لم تشعر جادالله بأنها تجري مقابلة صحفية، بل كانت تستمع إلى صديقة تفضفض عن وجعها. وبعد انتهاء الحديث، بكت طوال الليل ولم تستطع النوم.

هذه واحدة من حكايات كثيرة تحملها جادالله في ذاكرتها، وهي الصحفية والكاتبة لقصص الشهداء ضمن مشروع "أرشيف الحياة" الذي يسعى إلى استعادة حياة الفلسطينيين الذين اختفت حكاياتهم خلف أعداد الضحايا، وحفظ صورهم وذكرياتهم كما يرويها أحباؤهم.

ويضم المعرض صورًا وقصصًا إنسانية توثق حكايات ألف فلسطيني استشهدوا خلال الإبادة، مستعيدًا ملامحهم وأحلامهم وعلاقاتهم العائلية، بعيدًا عن اختزالهم في أرقام وإحصاءات.

ومن بين القصص التي أثرت في جادالله حكاية الطفل الشهيد هشام العشي، صاحب العينين الخضراوين. كانت والدته التي تعمل ممرضة في المستشفى حين تلقت خبر استشهاده، وتوثق مقاطع فيديو لحظة صدمتها عندما نقل إلى المستشفى الذي تعمل فيه.

وتقول جادالله: "بعض العائلات ترسل صورًا ومقاطع فيديو تتضمن مشاهد قاسية، بينها صور الأشلاء ولحظات الوداع الأخيرة"، ما يضعها أمام مزيج من الحزن والمسؤولية. لكنها تواصل العمل انطلاقًا من شعورها بأن العائلات ائتمنتها على ذاكرة أحبائها، وأن عليها أن تكون على قدر هذه الثقة.

تبدأ مهمة إيمان بالتواصل مع ذوي الشهداء والاستماع إلى ما يختارون مشاركته، ثم جمع المعلومات والصور والشهادات وصياغة القصص بما يحفظ كرامة أصحابها وخصوصية عائلاتهم. وبالنسبة لها، فإن جوهر الأرشيف هو توثيق الحياة لا الموت، ومنح العائلات الحق في رواية حكايات أحبائها بطريقتها الخاصة.

تعود بداية المشروع إلى نوفمبر/تشرين الثاني 2023، حين بدأت عائلات من غزة التواصل مع منصة "أنتولد فلسطين"(Untold Palestine)، بحثًا عن مساحة تشارك فيها صور أحبائها وذكرياتهم، بينما كانت أعداد الشهداء تتزايد يوميًا وتختفي تفاصيل حياتهم خلف الأخبار.

وتوضح وفاء أبو خجاج، من فريق المنصة، أن هذه المطالب دفعت الفريق إلى جمع الصور الشخصية والشهادات ومقاطع الفيديو التي اختارت العائلات مشاركتها، وإطلاق حملة "إحنا مش أرقام" لتوثيق حياة الشهداء كما عرفهم أحباؤهم.

ومع تزايد القصص، ظهرت الحاجة إلى مساحة أكثر استمرارية من منشورات مواقع التواصل الاجتماعي، التي قد تتعرض للحذف والتقييد. ومن هنا تطورت الحملة إلى مشروع "أرشيف الحياة" الذي جمع ألف حكاية، وأطلق موقعًا إلكترونيًا لحفظها، مع إتاحة المجال للعائلات لإضافة القصص وتحديثها.

وتقول أبو خجاج: "إن الفكرة تنطلق من سؤال أساسي: من يملك حق رواية الحكاية الفلسطينية، ومن يقرر كيف تُعرض الصورة وتصل إلى العالم؟ فالهدف ليس تسجيل أسماء الضحايا فقط، بل استعادة تفاصيل حياتهم وأحلامهم وعلاقاتهم، بدل حصرهم في لحظة استشهادهم".

بالإضافة لجمع الصور والمعلومات، تمتد أهمية المشروع إلى استعادة التفاصيل التي لا تظهر عادة في التغطيات الإخبارية؛ صورة شخصية، أو ذكرى عائلية، أو حكاية عن حلم لم يكتمل. فمن خلال هذه التفاصيل، يستعيد الشهداء ملامحهم الإنسانية، وتصبح العائلة شريكة في تقديم روايتها وحفظ ذاكرتها.

أُطلق المشروع بمبادرة من أعضاء فريق المنصة في غزة، وبدعم من مؤسسة عبد المحسن القطان ومؤسسة حكمت فلسطين، وبالتعاون مع نقابة الصحفيين الفلسطينيين.

وتؤكد أبو حجاج أن العائلات ليست مجرد مصدر للمعلومات، بل صاحبة الحكاية، وهي التي تعرف تفاصيل حياة أحبائها وتحدد ما ترغب في مشاركته. لذلك، يحرص المشروع على احترام خصوصية العائلات وحقوقها، والتعامل مع الصور والمواد الشخصية باعتبارها ذاكرة إنسانية لا محتوى متاحًا للاستخدام بلا حدود.

وقد أُطلق المشروع بمبادرة من أعضاء فريق المنصة في غزة، وبدعم من مؤسسة عبد المحسن القطان ومؤسسة حكمت فلسطين، وبالتعاون مع نقابة الصحفيين الفلسطينيين. ويعتمد في استمراريته على بنية تقنية لحفظ البيانات بصورة آمنة، إلى جانب مشاركة العائلات في إثرائه وتطويره.

"حفظ الذاكرة مسؤولية جماعية، تشارك فيها العائلات والصحفيون والمصورون والفنانون والمؤسسات الثقافية، بما يضمن انتقال الحكايات إلى الأجيال القادمة".

ولا يتوقف طموح "أرشيف الحياة"عند حفظ القصص في موقع إلكتروني، بل يمتد إلى المعارض والفعاليات الثقافية والفنية، وإتاحة مواد يمكن أن يستفيد منها الصحفيون والباحثون والطلاب، بما يساعد على تقديم الحكايات الفلسطينية خارج القوالب التي تختزل الإنسان في مشاهد الحرب.

وترى أبو حجاج أن حفظ الذاكرة مسؤولية جماعية، تشارك فيها العائلات والصحفيون والمصورون والفنانون والمؤسسات الثقافية، بما يضمن انتقال الحكايات إلى الأجيال القادمة، مع الحفاظ على حقوق أصحابها وكرامتهم.

يبقى" أرشيف الحياة" محاولة جادة تحفظ للأجيال القادمة حكايات اشخاص عاشوا وأحبوا وحلموا، وتركوا خلفهم حياة كاملة لا يمكن اختصارها.